Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

سبتة ومليلية .. حين يتكلم العرش الإسباني بلغة السيادة ويختار المغرب صمت الانتظار

ليست كل الزيارات الملكية مجرد مواعيد في أجندة رسمية، وليست كل التحركات البروتوكولية خالية من الرسائل السياسية. فحين يقرر ملك إسبانيا فيليبي السادس زيارة سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، ثم مليلية يوم 14 أكتوبر، فإن الأمر يتجاوز حدود التواصل مع السكان أو تفقد المؤسسات المحلية، ليطرح من جديد واحدة من أعقد القضايا العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية: قضية مدينتين تقعان جغرافيا في شمال إفريقيا، وتتمسك مدريد بالسيادة عليهما، بينما يظل وضعهما جزءا من ملف تاريخي وسياسي لم يطو في الوعي الوطني المغربي. وقد أعلنت المؤسسة الملكية الإسبانية صراحة أن الزيارة تأتي لتأكيد دعم التاج للمؤسسات والسكان في المدينتين.

هنا بالضبط تبدأ السياسة، وهنا أيضا يبدأ السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: إذا كانت إسبانيا تدرك جيدا ما تحمله هذه الزيارة من رمزية سيادية، وإذا كانت مؤسساتها الرسمية تحشد خطابها السياسي والإعلامي لتأكيد ارتباط المدينتين بالدولة الإسبانية، فلماذا يبدو المشهد المقابل في المغرب، حتى لحظة كتابة هذه السطور، خافتا إلى هذا الحد؟ أين التوضيح الرسمي الذي يضع الرأي العام في صورة الموقف المغربي؟ وأين النقاش السياسي الذي يفترض أن تفتحه الأحزاب، أغلبية ومعارضة، حول دلالات هذه الخطوة وتداعياتها؟ وأين صوت الفاعل المدني والثقافي والإعلامي الذي يجعل من القضايا الوطنية موضوعا للنقاش المسؤول، لا مجرد مناسبة عابرة في دورة الأخبار؟

لا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة برد فعل انفعالي، ولا بالدعوة إلى افتعال أزمة دبلوماسية مع جار تربط المغرب به مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فالعلاقات بين الدول لا تدار بمنطق الغضب وحده، كما أن حماية المصالح الوطنية ليست مرادفا لرفع منسوب التوتر في كل مناسبة. لكن الدبلوماسية الهادئة شيء، وغياب التواصل السياسي الواضح شيء آخر؛ وضبط ردود الفعل شيء، وترك المجال العمومي نهبا للتأويلات والأسئلة شيء مختلف تماما.

إن جوهر الإشكال ليس في أن يزور ملك إسبانيا مدينتين تعتبرهما بلاده جزءا من ترابها الوطني؛ فهذا هو الموقف الإسباني المعلن، الذي عبرت عنه المؤسسة الملكية بوضوح. وإنما في أن تتحول هذه الزيارة، بما تحمله من رمزية، إلى مناسبة جديدة لتثبيت رواية سياسية من جانب واحد، في الوقت الذي لا يجد فيه المواطن المغربي ما يكفي من التوضيح بشأن كيفية تعامل دولته مع ملف تعتبره جزءا من ذاكرتها الوطنية ومطالبها التاريخية.

فالسياسة، في أحد أبعادها الأساسية، هي أيضا صراع على المعنى والرواية والرموز. وإسبانيا لا تتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد مجالين إداريين بعيدين عن مركز القرار؛ بل تمنحهما مؤسساتها، بما فيها المؤسسة الملكية، مكانة واضحة في خطاب الوحدة الترابية الإسبانية. وقد أكد الملك فيليبي السادس، خلال زيارته إلى سبتة، أن المدينتين جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الإسباني، وأن السيادة والوحدة الترابية لبلاده غير قابلتين للتفاوض، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية حسن الجوار والثقة والاحترام المتبادل مع المغرب.

هذه الصراحة الإسبانية تضع المغرب أمام سؤال سياسي مشروع: كيف يمكن تدبير الخلاف حول قضية سيادية من دون أن تتحول إدارة العلاقات الثنائية إلى غطاء يحجب الخلاف نفسه؟ وكيف يمكن الحفاظ على الشراكة مع مدريد، وهي شراكة ضرورية للطرفين، من دون أن يصبح الهدوء الدبلوماسي سببا في إضعاف النقاش الوطني حول الملفات التي لم تجد طريقها إلى التسوية؟

لقد أظهر مسار العلاقات المغربية الإسبانية أن التعاون ممكن، بل ضروري، وأن المصالح المشتركة قادرة على دفع البلدين إلى تجاوز أزمات حادة. غير أن التعاون لا يعني تطابقا في الرؤى، ولا يلغي وجود ملفات تاريخية وسياسية مختلفة حولها القراءات والمواقف. والدول التي تدير خلافاتها بذكاء لا تتظاهر بأن الخلاف غير موجود؛ بل تضع له القنوات المناسبة، وتحدد أهدافها، وتشرح لشعوبها ما يمكن تحقيقه وما يحتاج إلى وقت وما يظل موضوعا للمطالبة والتفاوض.

ومن هذه الزاوية، فإن الصمت الرسمي، إذا استمر من دون تفسير أو تواصل، لا يضر فقط بصورة تدبير هذا الملف، بل يترك فراغا سياسيا وإعلاميا سرعان ما تملؤه التأويلات. فالمواطن الذي يرى ملك إسبانيا يزور سبتة ومليلية، ويسمع خطابا واضحا بشأن السيادة الإسبانية، من حقه أن يتساءل عن موقع هذه القضية في أولويات الدبلوماسية المغربية، وعن طبيعة الأدوات التي يعتمدها المغرب للدفاع عن تصوره ومصالحه، وعن حدود التوافقات التي تحكم علاقته بمدريد.

ولا يقل إحراجا عن ذلك صمت الأحزاب السياسية، إن ثبت غياب مواقفها العلنية. فالأحزاب ليست مجرد آلات انتخابية تستيقظ مع اقتراب الاستحقاقات وتغيب حين تفرض القضايا الوطنية نقاشا يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. إن دورها يمتد إلى تأطير المواطنين، وتقديم القراءات، ومساءلة الحكومة، وصياغة مواقف مسؤولة في القضايا التي تمس المصالح الاستراتيجية للبلاد. وإذا كانت بعض الأحزاب ترى أن الهدوء هو الخيار الأنسب، فإن من حق الرأي العام أن يعرف حججها، لا أن يترك لاستنتاج أن لا أحد يريد الخوض في الموضوع.

أما الاحتجاج المدني، فليس بالضرورة أن يتخذ شكل مواجهة أو إساءة إلى بلد أو شعب. إن تنظيم وقفة سلمية أمام السفارة الإسبانية في الرباط أو أمام القنصليات الإسبانية، إذا قررت هيئات مدنية وسياسية الدعوة إليها، يمكن أن يكون تعبيرا حضاريا عن انشغال وطني، شريطة احترام القانون، وتجنب خطاب الكراهية، والتمييز الواضح بين الاعتراض على موقف سياسي وبين استهداف المواطنين الإسبان. كما يمكن للبرلمان أن يفتح نقاشا مسؤولا، وللأحزاب أن تنظم لقاءات وندوات، وللإعلام أن يقدم قراءة تاريخية وقانونية وسياسية للملف. فالمطلوب ليس صناعة خصومة مع إسبانيا، وإنما منع اختزال قضية وطنية في خبر عابر.

ثم إن مسؤولية التواصل لا تقع على الدولة وحدها. فالمجتمع السياسي والمدني والإعلامي مطالب بدوره بأن يتعامل مع القضايا الوطنية بعقلانية واستمرارية، لا بمنطق المواسم. لا ينبغي أن تتحول سبتة ومليلية إلى عنوان للغضب في لحظة، ثم تختفيا من النقاش إلى أن تقع مناسبة جديدة. فالقضايا التاريخية لا تدار بمنشورات عابرة، والسيادة لا تصبح موضوعا للنقاش فقط عندما يتحرك الطرف الآخر، وإنما تحتاج إلى معرفة موثقة، وخطاب متزن، وتراكم دبلوماسي وثقافي وإعلامي يضمن بقاء الملف حاضرا في الوعي العام.

وفي المقابل، ينبغي ألا نقع في خطأ تحويل كل زيارة إسبانية إلى إعلان حرب سياسية، أو تصوير كل صمت مغربي باعتباره دليلا قاطعا على التنازل أو العجز. فالدبلوماسية قد تختار أحيانا عدم الرد العلني، وقد تكون هناك قنوات اتصال لا تظهر للرأي العام. لكن وجود هذه الاحتمالات لا يعفي المؤسسات من مسؤولية التوضيح، ولا يمنع الصحافة من طرح الأسئلة، ولا يسلب المواطنين حقهم في معرفة الخطوط العامة للسياسة التي تدار باسمهم. إن النقد المسؤول لا يصدر أحكاما على ما لا يعرفه، لكنه لا يتنازل أيضا عن حقه في مساءلة ما يترك من دون تفسير.

والأهم أن المغرب ليس مضطرا إلى الاختيار بين شراكته الاستراتيجية مع إسبانيا وبين احتفاظه بذاكرته الوطنية ومطالبه التاريخية. فالعلاقات المتينة لا تبنى على إخفاء نقاط الخلاف، بل على القدرة على تدبيرها من دون أن تتحول إلى عائق دائم أمام التعاون. ويمكن للمغرب أن يواصل التنسيق مع مدريد في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، وأن يدافع في الوقت نفسه عن مواقفه بشأن سبتة ومليلية، وفق حسابات دقيقة وأدوات دبلوماسية مسؤولة. فالهدوء الذي يستند إلى استراتيجية واضحة مصدر قوة، أما الهدوء الذي لا يصاحبه تفسير ولا نقاش فيتحول، في نظر الرأي العام، إلى مساحة مفتوحة للشكوك.

إن زيارة الملك الإسباني تذكير بأن الدول تتعامل مع رموزها الوطنية باعتبارها أدوات لتأكيد المواقف وترسيخ الروايات. وهي، من هذه الناحية، فرصة للمغرب كي يعيد فتح نقاش جدي حول كيفية إدارة ملف سبتة ومليلية، لا من باب المزايدة ولا من أجل استرضاء مشاعر عابرة، بل من باب تحديد الأولويات، وتوضيح الموقف، وإشراك المؤسسات السياسية والمجتمع في نقاش عقلاني حول قضية تتجاوز حدود اللحظة.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان ينبغي للمغرب أن يرفع صوته أكثر، بل بما إذا كان يملك خطابا واضحا يشرح لماذا يختار الصمت حين يختاره، وما الذي يريد تحقيقه من وراء الدبلوماسية الهادئة، وكيف يضمن ألا يتحول غياب التصريح إلى غياب للقضية من النقاش العمومي. فالدول لا تقاس فقط بما تقوله، وإنما أيضا بقدرتها على جعل مواقفها مفهومة، ومصالحها محددة، وخياراتها قابلة للنقاش والمساءلة.

سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على خريطة شمال المغرب، كما أن العلاقات المغربية الإسبانية ليست مجرد حصيلة أرقام تجارية أو اتفاقات أمنية. هناك تاريخ وذاكرة ومصالح وتوازنات، وهناك أيضا رأي عام يريد أن يفهم. ومن حق هذا الرأي العام أن يسأل: حين يتحدث الطرف الآخر بوضوح عن السيادة، ما الرسالة التي يريد المغرب إيصالها، وبأي أدوات، ولأي أفق؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا، لا لتأجيج الخلاف مع إسبانيا، وإنما لضمان ألا تصبح الحكمة الدبلوماسية اسما آخر للصمت غير المشروح، وألا تظل القضايا الوطنية رهينة المناسبات التي يقرر الآخرون متى يعيدونها إلى واجهة الأحداث.


شاهد أيضا

شاهد أيضا