Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يعامل أطفال المغرب كمشتبه بهم… من يحمي كرامتهم من الانتهاكات المرتكبة باسم محاربة الغش؟

في الوقت الذي كان من المفترض أن ينصب فيه الاهتمام على توفير الظروف التربوية والنفسية الملائمة لاجتياز امتحانات البكالوريا، فوجئ الرأي العام بمشاهد صادمة لتلاميذ قاصرين وهم يخضعون لإجراءات تثير أكثر من سؤال حول حدود محاربة الغش ومدى احترام حقوق الطفل وكرامة المتعلم.
لا أحد يعارض محاربة الغش، بل إن حماية مصداقية الشهادات الوطنية مسؤولية جماعية. لكن ما لا يمكن قبوله هو أن تتحول هذه المهمة إلى مبرر للمساس بحقوق الأطفال أو إلى إجراءات تمس خصوصيتهم وسلامتهم النفسية والجسدية.
الأخطر في هذه المشاهد ليس البحث عن وسائل للكشف عن الغش، بل الطريقة التي تم بها التعامل مع تلميذات وتلاميذ قاصرين يفترض أن القانون والدولة مسؤولان عن حمايتهم. فإخضاع طفلة قاصر لتفتيش جسدي بهذه الكيفية، كأنها في سجن و ليس في قسم أمام أنظار الآخرين، وفي لحظة نفسية دقيقة تسبق امتحانا مصيريا، يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى احترام كرامة المتعلم وحقه في الخصوصية. فالتلميذة جاءت لاجتياز امتحان وطني يحدد جزءا من مستقبلها الدراسي، لا لتجد نفسها موضوع تفتيش من طرف (رجل) يضعها في موقف محرج أو يشعرها بأنها محل شبهة أو اتهام.
إن كرامة الطفل ليست تفصيلا إداريا يمكن تجاوزه، وليست امتيازا تمنحه الإدارة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل هي حق دستوري أصيل، ومبدأ أساسي كرسته المواثيق الدولية التي التزم بها المغرب، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل.
ثم ماذا عن الصور التي تم تداولها على نطاق واسع؟
من أعطى الإذن بتصوير تلميذات وتلاميذ قاصرين داخل مراكز الامتحان؟ ومن سمح بنشر صورهم وتداولها على صفحات التواصل الاجتماعي دون موافقة أولياء أمورهم؟ وهل أصبحت حماية الحياة الخاصة للأطفال أمرا ثانويا إلى هذا الحد؟ هل أصبح انتهاك حقوق الأطفال القاصرين مباح لخدمة صورة الوزير الوصي على القطاع في إستعراض عضلاته في احكام قبضته الأمنية على القاصرين في إمتحاناتهم المصيرية؟
إن استغلال صور القاصرين ونشرها خارج أي إطار قانوني واضح لا يمس فقط بحقهم في الخصوصية، بل قد يعرضهم أيضا للتنمر والوصم والإحراج النفسي، ويحول لحظة يفترض أن تبقى مرتبطة بالتحصيل العلمي والاجتهاد إلى مادة للاستهلاك الرقمي والتعليقات والتأويلات.
وإذا تجاوزنا الجانب الحقوقي، فإن الجانب التربوي والنفسي لا يقل خطورة.
فالامتحان ليس مجرد أوراق وأقلام وأجوبة، بل هو أيضا توازن نفسي وتركيز ذهني وثقة بالنفس. وعندما يدخل التلميذ إلى قاعة الامتحان وهو يعيش أجواء التفتيش المكثف والتصوير والاشتباه والضغط، فإن أول ما يتأثر هو استقراره النفسي وقدرته على التركيز واستحضار معارفه. وكل المختصين في علوم التربية وعلم النفس يدركون أن التوتر والقلق والارتباك عوامل تؤثر مباشرة على جودة الأداء وعلى النتائج النهائية للمترشحين. فمن المسؤول على تدني جودة نتائج أولادنا؟
ما يحز في النفس أن كل هذا يحدث في صمت غريب للمجلس الوطني لحقوق الإنسان و جمعيات حقوق الطفل ؟
و الغريب أن كل هذه الإجراءات يتم الترويج لها باعتبارها وسائل فعالة لمحاربة الغش، في الوقت الذي تؤكد فيه شهادات عدد من الأساتذة والمراقبين العثور على هواتف وأجهزة إلكترونية بحوزة بعض المترشحين بعد مرورهم عبر أجهزة الكشف نفسها. وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول جدوى هذه الوسائل ومدى فعاليتها الحقيقية، وحول الأموال العمومية التي صرفت عليها، وحول تقييم نتائجها بعيدا عن الاستعراض الإعلامي وصناعة الصورة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الوزارة التي عجزت لسنوات عن توفير شروط تعليمية تحفظ كرامة التلميذ، وجدت الموارد والسرعة الكافيتين لاقتناء أجهزة كشف عن الغش بمبالغ مهمة، أثبت الواقع الميداني محدودية نجاعتها، بينما لا تزال آلاف المؤسسات التعليمية تعاني من أقسام متدهورة، وطاولات مهترئة، وبنيات تحتية لا تليق لا بمكانة المدرسة العمومية ولا بطموحات المغرب الجديد.
فالصور المتداولة لم تفضح فقط طريقة التفتيش، بل كشفت تناقضا صارخا ومؤلما بين مدرستين داخل الوطن نفسه: مدرسة تعاني من الاكتظاظ والتجهيزات المتقادمة والطاولات التي أكلها الزمن، ومدرسة أخرى تضخ فيها الأموال لاقتناء أجهزة متطورة لمحاربة الغش. وكأن المشكلة الحقيقية في التعليم المغربي هي التلميذ الذي قد يغش، لا المؤسسة التي فشلت الدولة في تأهيلها لعقود.
لقد جسدت هذه الصور ما يمكن وصفه بـ”مغرب السرعتين”: سرعة فائقة في اقتناء وسائل المراقبة والتفتيش، وسرعة أكبر في المساس بحقوق التلاميذ وخصوصيتهم، مقابل بطء مزمن في إصلاح المدرسة العمومية وتحسين جودة التعلمات وتأهيل الفضاءات الدراسية وتوفير شروط تحفظ كرامة المتعلم المغربي.
كان الأولى بوزير التربية الوطنية أن يشتري أجهزة تكشف أسباب فشل السياسات التعليمية المتعاقبة، أجهزة تكشف فشله في تطوير المدارس العمومية و فشله في خلق شروط دراسية تليق بكرامة أطفالنا.. كرامة جيل المغرب الجديد..
الأولى أن يستثمر في أقسام لائقة، وطاولات تحفظ كرامة التلاميذ، ومرافق تضمن الحد الأدنى من الجودة، بدل إنفاق الأموال على أجهزة لم تنجح في منع تسرب الهواتف إلى مراكز الامتحان، لكنها نجحت في إثارة غضب الرأي العام بسبب ما رافق استعمالها من انتهاكات لحقوق الأطفال.
فجيل المغرب الجديد لا يحتاج فقط إلى أجهزة تكشف الغش، بل يحتاج قبل ذلك إلى مدرسة عمومية تليق بذكائه وطموحه وكرامته، وإلى وزير يضع جودة التعليم وكرامة المتعلم في صدارة الأولويات، لا أن يجعل من التلميذ الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها ثمن فشل المنظومة.
ومن هنا فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع مباشرة على عاتق وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الذي يتحمل مسؤولية تفسير هذه الممارسات للرأي العام، وتوضيح الأساس القانوني الذي تستند إليه، والكشف عن مدى احترامها لحقوق الطفل، وعن حصيلة وفعالية الأجهزة المعتمدة في محاربة الغش.
إن المدرسة العمومية ليست فضاء للاشتباه الجماعي، والتلميذ ليس مشروع متهم إلى أن تثبت براءته.
ما يحتاجه المغرب اليوم هو مدرسة تبني الثقة والمسؤولية والوعي، لا مدرسة يشعر فيها الطفل بأنه مراقب ومتهم ومهدد قبل أن يجلس إلى ورقة الامتحان.
فنزاهة الامتحان قيمة أساسية، لكن كرامة الطفل وحقوقه وخصوصيته وسلامته النفسية قيم أعلى لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة.
لأن الدول المتقدمة لا تقاس بقدرتها على تفتيش أطفالها أكثر، بل بقدرتها على حماية حقوقهم أكثر.

شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...