Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

بين المونديال والمستشفى… حين تتفوّق الأحجار على الإنسان

هل نحن أمة تُبهرها المظاهر وتُميتُها الجوائع؟

سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في طيّاته مأساة وطنٍ يُنفق المليارات على الملاعب فيما تُزهق الأرواح على أبواب المستشفيات.

في زمنٍ تتسابق فيه الحكومات لتلميع الصورة أمام “الفيفا”، تتوارى خلف جدران مستشفى الحسن الثاني بأكادير ملامحُ فاجعةٍ لا تُرى في نشرات الأخبار. هناك، لا تُمارَس الطبابة بل الطقوس الأخيرة للكرامة البشرية. أروقة متآكلة، أَسِرّة صدئة، أجهزة تتنفس بصعوبة، وأطباء يطاردون المستحيل في معركة غير متكافئة بين الحياة والموازنات العامة.

ومع ذلك، تتدفّق المليارات كالسيل في مشاريع “تُسابق الزمن” لبناء ملاعب عملاقة، وكأن العشب الأخضر أهم من العيش الكريم.

خمسمائة مليار هنا لتشييد ملعبٍ يُرضي “الفيفا”، وتسعة آلاف هناك لتوسيع “القطار الفاخر” الذي يمرُّ على مدنٍ لم تعرف بعدُ طريقًا إلى المستشفى الإقليمي.

أيّ منطق هذا الذي يجعلنا نُسرّع خطوات الإسمنت ونُبطئ نبض الإنسان؟

نُشيّد الملاعب بأرقام فلكية، ونُزيّنها بالأضواء الباهرة، بينما في المستشفيات تُضاء الهواتف المحمولة بدل المصابيح، وتُقاس حرارة المريض بحدس الممرضة لا بأجهزة معطلة منذ عام.

بلادٌ تُنفق على المقاعد أكثر مما تنفق على المرضى الواقفين على حافة المقابر!

هل هي مصادفة أن يتحوّل “المريض المغربي” إلى مجرد رقمٍ في إحصاءاتٍ صامتة، بينما تتحوّل الملاعب إلى كاتدرائياتٍ تُقدَّس فيها الجماهير وتُنسى فيها الجماجم؟

إنها الفلسفة الجديدة للسياسة: حيث يُقاس التقدّم بعدد الأضواء في المدرجات لا بعدد القلوب التي نجونا بها من الموت.

من قال إن التنمية تعني الإسمنت؟

ومن أوحى لنا بأن صورة “المدينة الذكية” أهم من مريضٍ في قريةٍ عطشى يبحث عن دواءٍ بسيط لا يجده؟

كل شيء صار قابلاً للتمويل، إلا الإنسان.

كل مشروع صار يجد له مبررًا اقتصادياً، إلا المستشفى الذي فقد مبرر وجوده.

ولأننا صرنا نؤمن بأن “الفرجة” هي الخلاص، صار الموت نفسه يُقدَّم في قالبٍ جمالي؛ موتٌ أنيقٌ خلف الجدران المعقمة للسياسات، ومآتم تُدار ببلاغاتٍ صحفية منمقة.

لكن ماذا بعد؟

كم من روحٍ يجب أن تُزهق حتى ندرك أن أولى مباريات الحياة تُقام في المستشفيات لا في الملاعب؟

إن الأمم لا تُقاس بما تبنيه من ملاعب، بل بما تُنقذ من أرواح.

وما لم نضع الإنسان في قلب القرار، فكل ما نُشيّده من عمرانٍ ليس إلا قبورًا من إسمنت تُزيّن وجه وطنٍ يحتضر ببطء.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...