Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

بنكيران وسؤال سبتة .. حين يصبح السؤال الدستوري أهم من الجواب السياسي

في السياسة، ليست المشكلة دائما في السؤال، وإنما قد تكون في الجهة التي يوجه إليها السؤال، وفي الصفة التي يطرح بها، وفي السياق الذي يخرج فيه إلى الرأي العام.

ومن هذه الزاوية تحديدا ينبغي أن نقرأ التصريح الأخير لعبد الإله بنكيران، حين كشف أنه طلب من الملك تفسيرا حول ما جرى في أحداث سبتة، وأنه ما يزال ينتظر جوابا.

والحقيقة أن الرجل أثار سؤالا مشروعا من حيث الجوهر: ماذا وقع؟ ومن يقف وراء ما جرى؟ وهل كانت الأحداث مجرد انفجار اجتماعي عابر، أم أن وراءها تدبيرا منظما؟ ولماذا اتخذت الأحداث هذا الحجم وفي توقيت بالغ الحساسية؟

هذه كلها أسئلة مشروعة، بل ضرورية.

لكن السياسة، كما يعلمنا الفقه الدستوري، لا تقاس فقط بمشروعية السؤال، وإنما أيضا بموقع صاحبه من منظومة المؤسسات، وبطبيعة الجهة التي يفترض أن تقدم الجواب.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فدستور 2011 لم يضع المغرب أمام ملكية مطلقة، ولم يحوله في المقابل إلى نظام برلماني صرف؛ وإنما أقام نظاما مركبا يقوم على الملكية الدستورية، وفصل السلط وتوازنها وتعاونها، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذا ليس تفصيلا تقنيا، بل هو جوهر الهندسة السياسية المغربية الحديثة.

الفصل الأول من الدستور يقول بوضوح إن النظام الدستوري للمملكة يقوم على «فصل السلط وتوازنها وتعاونها»، وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وهذا يعني أن السؤال عن الدولة لا ينبغي أن يكون بلا صاحب مسؤولية، كما أن الجواب لا ينبغي أن يكون بلا مؤسسة مسؤولة.

ثم يأتي الفصل 42 ليضع الملك في موقع مختلف تماما عن موقع رئيس الحكومة أو الوزير أو الإدارة. فالملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي.

وهنا تحديدا ينبغي أن نتوقف.

هل يمنع الدستور عبد الإله بنكيران من أن يوجه سؤالا إلى الملك؟

لا.

ولا ينبغي لأي كاتب رأي جاد أن يذهب إلى هذا الاستنتاج بلا سند دستوري صريح.

لكن هل يعني عدم وجود منع صريح أن كل طريقة في مخاطبة الملك تصبح متساوية من الناحية السياسية والمؤسساتية؟

أيضا لا.

فالفقه الدستوري لا يقرأ النصوص بمعزل عن هندسة المؤسسات، ولا يفصل الاختصاص عن المسؤولية.

وهنا تصبح المسألة أكثر دقة.

الفصل 89 يقول إن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما أن الإدارة موضوعة تحت تصرفها.

بمعنى آخر: إذا كان السؤال متعلقا بتدبير حكومي، أو أمني، أو إداري، أو بملف الهجرة والحدود، فإن النظام الدستوري يوفر قنوات ومؤسسات مسؤولة عن تقديم المعطيات والتفسيرات.

ومن هنا، فإن المشكلة في تصريح بنكيران ليست أنه «سأل الملك»، وإنما أنه نقل سؤالا يتعلق في جانب كبير منه بتدبير الدولة إلى مستوى المؤسسة الملكية، ثم جعله قضية معلنة أمام الرأي العام.

وهذا فرق كبير. لأن السؤال عندما ينتقل من قناة مؤسساتية إلى فضاء عمومي، يتوقف عن كونه مجرد طلب للمعلومة، ويصبح فعلا سياسيا ورمزيا.

والسياسي المخضرم يعرف جيدا أن الرموز في السياسة قد تكون أحيانا أقوى من الكلمات.

مونتسكيو، أحد الآباء المؤسسين للفكر الدستوري الحديث، لم يكن يتحدث عن المغرب ولا عن الملكيات الدستورية المعاصرة، لكنه ترك قاعدة ما تزال صالحة لفهم السياسة الحديثة: السلطة لا تكون مأمونة إلا عندما توجد بينها وبين السلطة الأخرى حدود وتوازنات.

وقد كتب في روح القوانين أن اجتماع السلطات في يد الشخص أو الهيئة نفسها يقود إلى ضياع الحرية.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم ليس: هل يحق لبنكيران أن يسأل؟

بل: من يتحمل المسؤولية الدستورية والسياسية عن الجواب؟

إذا كان السؤال عن أداء الحكومة، فالحكومة مسؤولة.

إذا كان السؤال عن الإدارة، فهناك إدارة ووزارة ومؤسسات مسؤولة.

إذا كان السؤال عن تدبير أمني، فهناك أجهزة وقطاعات مختصة.

أما إذا كان السؤال يتعلق بقرار ملكي أو باختصاصات يمارسها الملك دستوريا، فالأمر يدخل في مجال آخر تماما. وهذه الحدود هي التي تجعل الدولة دولة. لأن الدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص وحدهم، وإنما على توزيع الوظائف والمسؤوليات. ولعل بنكيران، بحكم تجربته الطويلة، كان أولى بأن ينتبه إلى هذه المسافة. فهو ليس مواطنا عاديا يسأل من باب الفضول السياسي، بل رئيس حكومة سابق، وأمين عام حزب سياسي، وشخصية تعرف جيدا أن الجملة التي ينطق بها يمكن أن تتحول في ساعات إلى قضية وطنية.

ولهذا فإن عبارة «طلبت من الملك تفسيرا وما زلت أنتظر الجواب» لا تبقى مجرد عبارة. إنها تنتج، شاء صاحبها أم لم يشأ، صورة عن علاقة بين سائل ومسؤول، وعن موقع كل مؤسسة من الأخرى.

وهنا تحديدا تظهر خطورة المسألة. لأن الدستور المغربي لم يبن العلاقة بين الملك والحكومة على منطق التراتبية الإدارية. الملك ليس «رئيساً إدارياً» لرئيس الحكومة، ورئيس الحكومة ليس «موظفاً» لدى الملك بالمعنى الإداري للكلمة.

إنها علاقة دستورية مركبة، تتداخل فيها وظائف الدولة مع المسؤولية السياسية للحكومة، وتفصل بينها مقتضيات الاختصاص والتوقيع والعلاقة بين المؤسسات.

ولهذا فإن استعمال لغة «الاستفسار» يحتاج إلى قدر كبير من الدقة.

فالاستفسار الإداري شيء، والمساءلة السياسية شيء، والمخاطبة الدستورية لرئيس الدولة شيء ثالث تماما.

وإذا كانت اللغة السياسية قد تسمح بالمجاز، فإن الدستور لا يسمح كثيرا بالخلط بين المفاهيم.

وهنا تظهر أيضا قيمة المدرسة الفقهية في قراءة الأحداث.

فالفقه الدستوري لا يسأل فقط: ماذا قال النص؟

بل يسأل أيضا: كيف تعمل المؤسسات وفق النص؟

وما الذي يحدث عندما تتقاطع المسؤوليات؟

ومن يتحمل القرار؟

ومن يتحمل التفسير؟

ومن يخضع للمحاسبة؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل من الدستور أكثر من مجرد وثيقة قانونية. إنها تجعله خريطة للسلطة.

ولذلك فإن أفضل ما كان يمكن أن يفعله بنكيران، لو كان يريد الوصول إلى الحقيقة، هو أن يضع الحكومة أمام مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية، وأن يطالبها بكشف المعطيات، وأن يسائل رئيس الحكومة ووزير الداخلية والمؤسسات المختصة.

فذلك لا ينتقص من مكانة الملك، بل يقوي الدستور نفسه.

بل إن مساءلة الحكومة، في نظام دستوري يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، أكثر انسجاما مع منطق المؤسسات من تحويل القصر إلى عنوان مباشر لكل سؤال سياسي.

وهنا يمكن استحضار جون ستيوارت ميل، الذي كان شديد الحساسية تجاه علاقة السلطة بالرأي العام، وحذر من أن الديمقراطية نفسها تحتاج إلى ضمانات ضد إساءة استعمال القوة، حتى عندما تكون القوة مستندة إلى الشرعية الشعبية. فالديمقراطية ليست فقط أن ترفع صوتك. الديمقراطية أيضا أن تعرف أين تضع السؤال. وأن تعرف من يملك الجواب. وأن تعرف من يتحمل المسؤولية.

وهذا بالضبط ما يجعل قضية سبتة أكبر من بنكيران وأكبر من الحكومة.

فالرجل نفسه، في حديثه، لم يكتف بالسؤال عن الجهة التي تقف وراء الأحداث، وإنما ربط ظاهرة الهجرة بفقدان الثقة، وانسداد الأفق، وما يعتبره اختلالات في التعليم والتوظيف والاحتجاجات وتضارب المصالح. وقد نقلت تصريحاته الأخيرة بهذا المعنى، مع تأكيده أنه لا يتهم رئيس الحكومة بتدبير الأحداث، وإنما يحمله مسؤولية سياسية عن «الجو العام».

وهنا، في الحقيقة، يوجد الجزء الأكثر أهمية في كلام بنكيران.

ليس «لماذا لم يجبني الملك؟».

بل: لماذا يريد جزء من الشباب المغربي الهروب من المغرب أصلا؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الدولة والنخبة السياسية والمجتمع. فالهجرة ليست دائما بحثا عن الخبز. أحيانا تكون بحثا عن الكرامة. وأحيانا تكون بحثا عن الاعتراف. وأحيانا تكون احتجاجا صامتا على المستقبل.

وعندما يصبح البحر أقرب إلى الحلم من المدرسة، والمطار أقرب إلى الأمل من سوق الشغل، فالمشكلة لا تعود في الحدود وحدها. تصبح المشكلة في صورة الوطن داخل وعي أبنائه.

وهنا يصبح كلام بنكيران مهما، حتى عندما نختلف معه في الطريقة. لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالا أكبر من أحداث سبتة: سؤال الثقة.

والثقة، كما يعرف علم السياسة الحديث، ليست مجرد نتيجة للنمو الاقتصادي، وإنما هي نتاج علاقة المواطن بالمؤسسات، وشعوره بأن القواعد تطبق على الجميع، وأن المستقبل مفتوح أمامه، وأن الدولة تسمعه عندما يتكلم. ولهذا لا يكفي أن نسأل: من حرك هؤلاء الشباب؟

يجب أن نسأل أيضا: من جعل فكرة الرحيل تبدو لهم أكثر جاذبية من فكرة البقاء؟

وهنا أجد أن بنكيران، على نحو متناقض paradoxalement، كان يمكن أن يقدم خدمة أكبر للنقاش العمومي لو أنه جعل سؤاله موجها إلى الحكومة والمؤسسات السياسية بدل أن يجعله موجها إلى الملك.

لأن أقوى معارضة ليست تلك التي ترفع السؤال إلى أعلى نقطة في هرم الدولة.

أقوى معارضة هي التي تعرف كيف تنزل السؤال إلى المؤسسة التي تملك صلاحية الإجابة عنه، ثم تطالبها بالحساب أمام الرأي العام.

وهذا هو الفارق بين المعارضة التي تبحث عن الحقيقة، والمعارضة التي تبحث عن المشهد.

ثم إن تاريخ السياسة يعلمنا أن قوة الدولة لا تقاس بغياب الأسئلة، وإنما بقدرتها على استيعابها.

فمونتسكيو جعل الحرية رهينة بتوازن السلطة والسلطة المضادة، بينما نقل جون ستيوارت ميل معركة الحرية إلى مستوى آخر، حين جعل حماية الفرد مرتبطة بوضع حدود لتدخل السلطة ولضغط الأغلبية والرأي العام على استقلاله وحريته، بينما جاءت الدساتير الحديثة كلها تقريبا لتجيب عن سؤال واحد: كيف نمنع السلطة من أن تتحول إلى إرادة شخصية؟

ومن هنا، فإن الدفاع عن المؤسسة الملكية لا ينبغي أن يكون دفاعا عن الصمت. كما أن الدفاع عن المعارضة لا ينبغي أن يكون دفاعا عن كل أساليبها.

الدولة القوية هي التي تسمح بالسؤال. والمعارضة القوية هي التي تعرف كيف تسأل. والحكومة القوية هي التي تجيب.

أما تحويل كل سؤال إلى معركة حول الأشخاص، فليس إلا هروبا من السؤال الحقيقي.

لذلك، فإنني لا أرى في قضية بنكيران مجرد «زلة لسان»، ولا أراها كذلك مؤامرة سياسية تستحق كل هذا الضجيج.

أراها اختبارا صغيرا لمدى نضج ثقافتنا الدستورية.

اختبارا يطرح سؤالا بالغ الأهمية:

هل انتقلنا فعلا من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات؟

لأن المغرب بعد دستور 2011 لا يمكن أن يدار فقط بمنطق «من قال ماذا للملك؟».

ينبغي أن يدار بمنطق أكثر حداثة:

من يملك الاختصاص؟

من يتحمل المسؤولية؟

من يقدم المعلومة؟

من يخضع للمحاسبة؟

ومن يملك حق مساءلة من؟

هذه هي الأسئلة التي تصنع دولة المؤسسات.

أما سبتة، فينبغي ألا تتحول إلى مجرد مادة للمزايدة السياسية أو إلى مناسبة لتبادل الاتهامات.

سبتة جرح اجتماعي وسياسي وأمني ودبلوماسي.

والجرح لا يشفى بتبادل اللوم.

يشفى عندما نعرف كيف حدث.

ولماذا حدث.

وكيف نمنع تكراره.

ولذلك ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا في نهاية هذه القضية ليس: «لماذا لم يجب الملك بنكيران؟»

بل سؤالا أكثر عمقا:

متى يصبح السياسي المغربي قادرا على أن يطلب الحقيقة من المؤسسة التي تملك مسؤولية تقديمها، دون أن يحتاج إلى رفع السؤال إلى قمة الدولة؟

عندها فقط سنكون قد انتقلنا من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

وعندها فقط سيكون الدستور قد أصبح ثقافة سياسية، لا مجرد فصول مكتوبة في وثيقة.

فالملك ليس جوابا عن كل سؤال.

والحكومة ليست معفاة من كل سؤال.

والمعارضة ليست فوق النقد.

والمواطن ليس مجرد متفرج.

هذه هي المعادلة التي ينبغي أن نتعلمها.

وفي السياسة، كما في التاريخ، ليست العبرة فقط بمن رفع صوته أولا، وإنما بمن عرف أين يجب أن يوضع السؤال.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...