عبدالله ستيتو، ناقد من القنيطرة يكتب.. التضامن بين الموروث الثقافي وسلطة القانون

تتبدى هذه المفاهيم المترسخة في تجليات كثيرة: مثلا نجد في البادية مفهوم “التويزة ” كعمل جماعي ذو صبغة اجتماعية، يتنافس فيها الأهالي بغية تقديم المساعدة لشخص ما، سواء في موسم الحصاد، أو في أعمال مماثلة. ويتبادلون الأدوار كلما نودي فيهم. ومن تجلياته كذلك تواجدهم المكثف في تقديم خدماتهم لحظات الأفراح والأتراح. ويبقى أرقى أشكال التضامن في البادية هو ضمان استمرارية الوجود الاجتماعي للفقيه بينهم ، الذي يؤم بهم في صلواتهم ، ويعلم أبناءهم القراءة والكتابة. وهو ما يسمى في عرفهم ” الشرط” أي شرط الفقيه، حيث يتعاقبون على تقديم الوجبات الغذائية . وعند عطلته السنوية يحملونه نصيب ما جادت به أرضهم من غلل، ليذهب مثقلا إلى أهله بجود القرية وكرمها.


التضامن سلوك إنساني نبيل، وقيمة أخلاقية تنم عن شخصية مفعمة بالمشاعر الإنسانية، والحس الإنساني الهادف ، إضافة إلى أنه يساهم في تمتين الروابط الاجتماعية بين الأفراد والجماعات. إنه علامة فارقة في البعد الحضاري للشعوب منذ المجتمعات البدائية.

تأسيسا عليه ، فالمجتمع المغربي بدوره عرف أشكالا متعددة، وامتاز بمجموعة من الممارسات المشبعة بهذه الأبعاد الحضارية للتضامن. تحيلنا المدونة السردية للموروث الثقافي على كم هائل من هذه الممارسة الإنسانية، والتي شهدتها مدننا وقرانا، ولا زالت مستمرة إلى اليوم.

تتبدى هذه المفاهيم المترسخة في تجليات كثيرة: مثلا نجد في البادية مفهوم “التويزة ” كعمل جماعي ذو صبغة اجتماعية، يتنافس فيها الأهالي بغية تقديم المساعدة لشخص ما، سواء في موسم الحصاد، أو في أعمال مماثلة. ويتبادلون الأدوار كلما نودي فيهم. ومن تجلياته كذلك تواجدهم المكثف في تقديم خدماتهم لحظات الأفراح والأتراح. ويبقى أرقى أشكال التضامن في البادية هو ضمان استمرارية الوجود الاجتماعي للفقيه بينهم ، الذي يؤم بهم في صلواتهم ، ويعلم أبناءهم القراءة والكتابة. وهو ما يسمى في عرفهم ” الشرط” أي شرط الفقيه، حيث يتعاقبون على تقديم الوجبات الغذائية . وعند عطلته السنوية يحملونه نصيب ما جادت به أرضهم من غلل، ليذهب مثقلا إلى أهله بجود القرية وكرمها.

في المقابل ، عرفت المدينة بدورها أشكالا متنوعة من التضامن بين الجيران ، ومآزرة الفقراء بضمان أضحية العيد للمعدمين اجتماعيا وكفالة اليتيم ، والأرامل خصوصا في مناسبات الأعياد كشكل اجتماعي وإن تداخل فيه الديني ، فعنوانه العريض هو مبدأ التضامن.

بناء عليه ، ومع تطور المجتمع العصري، كان لزاما من إيجاد صيغ تنظيمية لاستمرار هذه الأشكال . فكان معطى طبيعيا إفراز جمعيات مدنية إلى جانب مؤسسات رسمية ترعى الجانب الاجتماعي التضامني. في المقابل وجدت مجموعة من القوانين والمراسيم تقنن هذه الممارسة في بعدها المجالي ، مع ضمان الشفافية والنزاهة بعيدا عن الاستقطاب، والحد من مظاهره السلبية الحاطة من كرامة الإنسان، التي كانت ترافق العملية التضامنية في مجموعة من المحطات.

بالتأمل في التاريخ المغربي القريب،  نجده قد تعرض لبعض الكوارث الطبيعية ، نذكر منها  فيضانات سهل الغرب، زلزال الحسيمة، التي حضرت فيهما الدولة في شخص مؤسساتها الاجتماعية لتوفير إمكانية العيش من مستلزمات غذائية وأفرشة تخفيفا من معاناة المتضررين. كما سجلنا تدخل المجتمع المدني في شخص جمعياته الحيوية، لتقديم المساعدات الاجتماعية للفئات المتضررة. إنها في نظرنا أشكال المجتمع العصري في إبراز قيمة التضامن التي يجسدها الفاعلون في الحقل الاجتماعي بمختلف أطيافه. والتي يعتبرونها قيمة ثقافية متجدرة  في الوجدان الشعبي للمغاربة.

وبالعودة إلى الوضع الحالي وما نعيشه من أضرار اقتصادية واجتماعية، لحقت الفئات الهشة من جراء تجليات وباء كورونا المستجد، والذي رافقه حجر صحي طويل الأمد حرمت خلاله فئات عريضة من قوتها اليومي، كان جواب الدولة على المعضلة اعتماد وصفات اجتماعية مختلفة حاولت استهداف عمق الهشاشة.  حيث تسارع المواطنون بمختلف فئاتهم لضخ مساعدات مادية في الصندوق المخصص لهذا الغرض، عربونا للحمة الاجتماعية. أضف تدخل هيئات المجتمع المدني على الخط التضامني للتنفيس على الأسر المعدمة اجتماعيا. إلا أن الشكل الذي أعلنت عنه الحكومة ببلاغ حكومي، القاضي باقتطاع يوم عمل على مدى ثلاثة أشهر الموالية ، خلق جدلا واسعا بين مؤيدين،  ومعارضين للقانون، الطاعنين في الشكل وليس في المبدأ.  اعتبروه قرارا أحادي الجانب، وبالتالي لم يشمل كافة أفراد المجتمع على قدم المساواة، خاصة أصحاب الامتيازات في الدولة بمختلف تدرجاتهم الاجتماعية، عملا بالقاعدة الفقهية ” المواطنون سواسية أمام القانون” هذا الوضع فجر نقاشا من موقع إمكانية التابع  الذي يستطيع أن يعبر عن رفضه لأي قرار لم يساهم فيه، ولم يستشار من أجله. مما أفسد عليهم الممارسة التضامنية بنخوة المغربي وشهامته طواعية، من أجل إرساء أسس ولبنات المجتمع المتآزر والمتكامل فيما بين أفراده. معتبرين أن سلوك التضامن الطوعي سواء كان فرديا أو جماعيا يساهم في دعم الاستقرار والأمن الجماعي ويحقق نصرة القضايا المجتمعية ، في أفق بناء مغرب الغد، مغرب آخر ممكن.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...