يوسف مرصود محام بهيئة الدار البيضاء يكتب : أسئلة التشريع والترقيع

المحاولات الجارية والمتسارعة لإخراج مشروع قانون الوسائط الالكترونية في هذه الظرفية..هذا المشروع الذي بُثر بشيء من التشويه من مسودتي مشروعي قانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية إبان محاولة تنزيل توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة..

 

مما لاشك فيه أن الأمم والحضارات الإنسانية لا تبلغ رقيها..ولا تقوم لها قائمة..إلا عندما يكون العدل أساسها..فبالعدل تبلغ مجدها..

كما أن هذه الحضارات تتمظهر عظمتها في عظمة القوانين التي تسود فيها..و مدى قدرة هذه القوانين على الاستمرار ومواكبة التغيرات والتطورات على جميع المستويات..

والأكيد..أنه لكي تعم العدالة لابد من وجود نصوص تشريعية عادلة  يشارك في صياغتها الجميع..مادام هو المعني بها..بعيدا عن أية عصبية وأنانية وتحكم..وبذلك كانت العدالة عكس الظلم والجور..ومن بين أهدافها..المساواة، والتوازن، وعدم التعدي، وحماية المصالح الفردية والعامة..

ولعل المقاربة التشاركية التي دعى إليها دستور 2011..تهدف إلى ذلك..وتسعى إلى خلق ترسانة قانونية تكون قادرة على تحقيق العدالة المطلوبة..حيث أولى الدستور أهمية كبرى للمقاربة التشاركية..قصد إرساء الآلية التشاركية للحوار والتشاور..وذلك بغية إنخراط جميع المعنيين والفاعلين في النقاش..للوصول إلى نتائج وقرارات ترضي الجميع..وتفعيل التنمية الشاملة والمستدامة..

بكل تأكيد..إذا تم التشريع في هذه الظروف..وباحترام تلك الإجراءات..وبالإلتزام بإشراك جميع الفاعليين الأساسيين في المجال القانوني والحقوقي..والحرص على الإستماع لهم والأخذ بآرائهم..وتفادي إقصائهم وتهميشهم..فإننا سنكون أمام تشريع حقيقي وهو ما نصبوا إليه جميعا..

وإذا كان الأمر غير ذلك..من مثل حجب الآخرين عن المشاركة بالرأي في التشريع..أو الإستماع إليهم على مضض دون الأخذ برأيهم..والفرق جلي بين الإستماع والإنصات طبعا..أو بعدم منحهم الوقت الكافي للدراسة والبحث والتمحيص والتدقيق..أو اختيار الوقت غير المناسب لكل ذلك..فإننا نكون أمام ترقيع بكل تأكيد…وهذا ما نرفضه جميعا..

وهذا ما تحاول وزارة العدل أن تقترفه..من خلال  المحاولات الجارية والمتسارعة لإخراج مشروع قانون الوسائط الالكترونية في هذه الظرفية..هذا المشروع الذي بُثر بشيء من التشويه من مسودتي مشروعي قانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية إبان محاولة تنزيل توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة..

وبررت وزارة العدل بأن الظروف الآنية أصبحت أكثر إلحاحا لإخراج مثل هذا قانون..

صحيح..نحن لا نختلف مع وزارة العدل في ذلك..ونتأسف على عدم توفرنا على إطار قانوني للمحاكمة عن بعد واستعمال الوسائط الالكترونية في التقاضي..

ولكن كان لنا من الوقت ما يكفي..قبل الجائحة لمحاولة تنزيل قانوني المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية..ونتساءل فعلا عن أسباب ذلك..وعن هذا التأخر في تنزيل جميع مشاريع القوانين التي جاءت استجابة للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة..

الظرفية الآنية بقدر ما هي في حاجة إلى قانون الوسائط الالكترونية..إلا أنها غير مناسبة أيضا لتنزيل قانون إجرائي بالأهمية بما كان..يلامس مجموعة من الحقوق وأهمها الحق في المحاكمة العادلة..

وزارة العدل فعلا أشركت جمعية هيئات المحامين بالمغرب في الحوار وطلبت رأيها في المشروع..إلا أن منحها أياما معدودة لا تتجازو أسبوعا..فذلك يفرغ الحوار من محتواه..ويحيد بنا عن الهدف المنشود..فالوقت غير كافي قطعا..وغير مناسب تماما أمام هذه الظروف..لا ماديا ولا ذهنيا..

التشريع في أمور دقيقة وحساسة..يحتاج إلى ذهن صافي..بعيدا عن الضغوط والإكراهات النفسية..وما نعيشه جميعنا في هذه الظروف..فإنه بكل تأكيد عكر صفو المزاج..فالقاضي عندما يصدر حكما وهو متحرر من جميع الضغوطات ويكون ذهنه صافيا خاليا من أي شوائب..باستثناء القواعد القانونية..فإن هذا الحكم يكون عنوانا للحقيقة..فما بالنا بالمشرع الذي يصنع القاعدة القانونية التي يسعى القضاء لتطبيقها لإحقاق الحق والإنتصار للعدالة..

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...