أحلام قفص،أستاذة في علوم الاقتصاد بجامعة ابن طفيل وباحثة بالمركز العربي للأبحاث تكتب ..كورونا، تلك الفوضى الخلاقة

ستعود الأمور لتهدأ، في غضون أيام، أسابيع، أو أشهر على أبعد تقدير، فحالة الاستقرار عائدة لا محالة، و تطور الجائحة يتبع قانون التوزيع الاحتمالي الطبيعي حيث تتبع الدالة منحنى الجرس ( la loi normale) ، فمن المُتوقع بعد الوصول الى الذروة أن تنخفض المعطيات الى مستويات متدنية. إنه الرجوع الى الاستقرار إذن، لكنه استقرار جديد ينبني على توازن مختلف وليد واقع مُبتكر، واقع ما بعد الفوضى.

 

” قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير” هكذا قالها العلامة ابن خلدون في مؤلفه الشهير المقدمة، في زمان لم يكن ليعلم خلاله أن جوزيف شومبيتر سوف يأتي بتوصيف للفوضى الخلاقة ( destruction créatrice ) . كل في سياقه، وكل حسب استنتاجاته خَلُص الى ان الخير قد يكون الإبن الشرعي للشر.

و جدير بالذكر أن الفكرة ذاتها قد تبلورت قبل شومبيتر في كتابات الفيلسوف نيتشه حيث يتقاسمان فكرة كون القدرة على الخلق و الابداع قد تجد اساسها في تحرير فائض القوة الذي يراه نيتشه مصدرا فوق أخلاقي لتطور الحياة. أما شومبيتر، فيستعير تشبيه الإعصار المستمر الذي يأتي على الأخضر و اليابس في طريقه، لكنه في ذات الآن يؤثث لبناء جديد على أسس أمثن و أقوم.

فهل نستطيع اليوم، على الرغم من بشاعة ما يعيشه عالم ال 2020 ان نرى في جائحة الكورونا تلك الفوضى الخلاقة التي قد تعيد ترتيب الأوراق؟

استفاقت البشرية في كانون الأول ديسمبر 2019 على خطر قادم من الشرق (الصين) ، خطر سرعان ما تجاوز سورها العظيم. كانت مدينة ووهان البؤرة الأولى، لكن سرعان ما ادرك الجميع مدى السرعة الهائلة التي ينتشر بها الوباء. و بتاريخ 11 مارس 2020 ، صنفت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا Covid-19 جائحة عالمية حصدت الى حدود 29 مارس 2020 ما يفوق 30900 من الارواح (أي بنسبة 4.65 بالمئة من اجمالي المصابين) ، و الحصيلة ما تزال مرشحة للارتفاع.

بات اليوم إذن خطر الكورونا محدقا و معروفا سواء من قبل هم بأعلى ناطحات السحاب أو ممن هم في المداشر و الأرياف ، فالعدو واحد. و لعل من “محاسن” هذه الجائحة انها ذكرت العالم بأننا نركب ذات السفينة، قد ينخرها البعض لإغراق غيره، لكنه سرعان ما يستفيق على حقيقة أن جميع من في المركب سوف يؤدي الفاتورة. و بالرجوع الى أحد أساسيات فكر أدم سميث، نجد أن المصلحة العامة ما هي إلا نتاج لبحث الأفراد عن مصالحهم الخاصة في ظل نظام أخلاقي لا يُسمح فيه للفرد بالمساس بسلامة باقي الأفراد، فإذا انتفى هذا الشرط اختل التوازن. ان الحقيقة الأولى اليوم هي أن العالم، قارات، دولا، مجموعات و افرادا لا يستطيعون النجاة فرادى. لقد اهتز النظام العالمي الحالي و ابان عن هشاشته خاصة بعد الوضع الكارثي الذي جعل بعض الدول تقف على حقيقة كونها تُركت لتواجه بمفردها مصيرا مبهم الملامح.

الحقيقة الثانية هي تبلور الوعي بضرورة إعادة ترتيب الأولويات، يقول ابن خلدون ” الأيام الصعبة تُخرج رجالا أقوياء”، و نحن على يقين أن القوة تأتي من التدبر و النقد الذاتي البناء. أسفرت هذه المحنة العالمية عن بروز أفراد و جماعات قادرة على تنظيم ذاتها لتدبير الأزمة سواء على المستوى العلمي البحثي، أو السياسي و الاجتماعي. ظهر ابطال من نوع آخر، لم نعهدهم، و اصبحنا نُسائل دور الرياديين، و اولهم السياسي… من هو؟ و ما الذي يؤهله لاتخاذ القرار؟ و لماذا لم نَلحَظ سوى الان ان العالم (في شتى المجالات العلمية) هُمش و استُبعد في عمليات اتخاذ القرار. قد تنم هذه الفوضى عن خلق معالم جديدة لعمليات اتخاذ القرارات تأخذ فيها نتائج الابحاث و الخبرات حيزا أكبر بدل ان تزين الرفوفَ اطروحاتٌ لها من القيمة ما قد لا يتخيله البعض. ان هذا الشرخ الحاصل بين عالمَي العلم النافع و السياسة كان و لا يزال السببَ الرئيس للعديد من الأزمات، فالحلول الترقيعية التي لا ترمي الى تحقيق الأهداف على المدى البعيد هي اقصى ما يمكن للسياسي ايجاده، هو الذي يرمي إلى البقاء في ظل ما يفرضه عليه سوق الأصوات من تخادم و تحالفات … و شباك عَنكبية تصنعها البيروقراطية.

حقيقة أخرى تضاف الى القائمة و هي قدرة بعض الأنظمة، على عيوبها، على التكيف و إعادة تنظيم ذاتها في وقت الشدة أكثر من قدرتها على ذلك في وقت الرخاء. فنظام التعليم الجامعي في المغرب مثلا كان يتخبط (و ما يزال) منذ زمن في أزمات و اختلالات كبيرة، فقد خرت قواه تحت وطأة الجحافل الهائلة من طلاب العلم. من المؤكد أن هذا السبب ليس الوحيد خلف التعثرات التي يعرفها النظام إلا أنه يبقى من بين المشاكل التي أضعفت الإنتاجية العلمية و الأكاديمية.

حاول البعض الخروج من المأزق، لكن الأمر بدا شبه مستحيل، فعدد المسجلين في جميع التخصصات لا ينفك يرتفع سنة عن سنة. و فجأة، تأتي عشية الجمعة 13 مارس لتعلن السلطات دون سابق انذار عن توقيف عملية التعليم داخل الحرم الجامعي و ضرورة استكمال ما تبقى من محتوى أكاديمي باستعمال الوسائل الرقمية المتاحة. لم يمض من الوقت سوى عطلة الأسبوع الموالية، ليتأقلم العديد من الأساتذة الباحثين و الأطر و الإداريين، و لعل ما قد يستدعي التفكير العميق في الأمر أن من بين هؤلاء من كان ينتقد نقدا لاذعا استخدام الشبكة العنكبوتية لهذا الغرض.  أيكفي القول “رُب ضرة نافعة؟” بات من المؤكد اليوم استحالة رجوع نظامنا التعليمي الجامعي الى سابق عهده بعد استقرار الاوضاع.

ستعود الأمور لتهدأ، في غضون أيام، أسابيع، أو أشهر على أبعد تقدير، فحالة الاستقرار عائدة لا محالة، و تطور الجائحة يتبع قانون التوزيع الاحتمالي الطبيعي حيث تتبع الدالة منحنى الجرس ( la loi normale) ، فمن المُتوقع بعد الوصول الى الذروة أن تنخفض المعطيات الى مستويات متدنية. إنه الرجوع الى الاستقرار إذن، لكنه استقرار جديد ينبني على توازن مختلف وليد واقع مُبتكر، واقع ما بعد الفوضى.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...