مخاطر الصحة والسلامة في المصانع

 *فؤاد رفيه باحث في قانون الشغل والعلاقات المهنية

لاجرم أن قاعدة الأجر مقابل العمل َ أصبحت متجاوزة إلى حد ما حيث أضحى من اللازم توفير توابعه وكذا تهيىء ظروف للعمل تستوفي جميع شروط الصحة والسلامة، تحت طائلة المسؤولية الجنائية، لهذه الأسباب أسندت مدونة الشغل مسؤولية تفتيش أماكن العمل إلى أجهزة مختلفة تابعة لوزارة التشغيل وتتمثل في جهاز تفتيش الشغل العام ُالقانونيً وجهاز المهندسين الخاص بالحفاظ على سلامة العمال وجهاز الأطباء الذي يتولى مسؤولية الحفاظ على صحتهم .

وإذا كان الإعتقاد السائد أن مفتشي الشغل العام تسند إليهم جميع الإختصاصات المسندة إلى باقي الأجهزة فإن المادة 535 نصت على أنه تمتد الأحكام المتعلقة بصلاحيات و التزامات الأعوان المكلفين بتفتيش الشغل والمنصوص عليها في المواد 530 و 532 و 533 أعلاه،وكذا أحكام المادة 539 أدناه الى لأطباء و المهندسين المكلفين بتفتيش الشغل،كل في نطاق تخصصه ،وبالإعتماد على هذه المقتضيات فإن مفتشي الشغل العام بعيدون كل البعد عن كل ماله علاقة بتفتيش ظروف الصحة والسلامة واعتبارها دورا حصريا لمهندسي وأطباء الشغل كل حسب اختصاصه ،وأضافت الفقرة 2 من المادة 535 على أنه يرخص لأطباء تفتيش الشغل من أجل الوقاية من الأمراض المهنية بأن يقوموا بفحص الأجراء وأن بأخذوا معهم وفق الشروط المنصوص عليها ،عينات من المواد الأولية ومن المواد التي يستعملها الأجراء أو يعالجونها بالأيدي ومن المواد العالقة بمكان الشغل وبسراديب المناجم قصد إجراء تحليلات عليها على نفقة المشغل ويقوم مفتشو الشغل بمعاينة هذه المخالفات وتثبيتها في محاضر يوثق بمضمونها إلى أن يثبت عكس ما فيها ،وذلك بعد اللجوء إلى تنبيه المشغل وانصرام الأجل المحدد له إذا كانت المخالفة لا تعرض صحة الأجراء أو سلامتهم لخطر حال ،وإلا تم تنبيهه باتخاذ جميع التدابير اللازمة فورا ،ويحرر محضرا يثبت فيه امتناع المشغل عن الإمتثال لمضمون التنبيه تم يتم توجيه أمر إلى رئيس المحكمة الإبتدائية بصفته قاضيا للأمور المستعجلة والذي يأمر بكل التدابير التي يراها ملائمة لإيقاف الخطر الحال ،وله أن يأمر بالإغلاق عند الإقتضاء ،مع تحديد المدة الضرورية لذلك .

ونظرا لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى سواء من الناحية الإقتصادية أو الإجتماعية  فإن منظمتي العمل الدولية والعربية أعارتاه اهتماما كبيرا ،فقد نصت المادة 12 من الإتفاقية العربية رقم 7 بشأن السلامة والصحة المهنية على وجوب إيجاد جهاز تفتيش خاص بالسلامة والصحة المهنية وكذا وجوب تدعيمه بالكوادر المتخصصة و بأجهزة ومعدات القياس وغير ذلك مما يلزم للقيام بعمله ويجب  إعطاء هذا الجهاز سلطة الضبطية القضائية كما يجب إشراكه في وضع اشتراطات السلامة و الصحة المهنية للترخيص بإقامة المنشآت ،ونصت الإتفاقية الدولية رقم 81 في مادتها 9 على أن تتخذ كل دولة عضو التدابير التي تكفل مشاركة خبراء تقنيين ومتخصصين مؤهلين بينهم متخصصون في الطب والهندسة والكهرباء والكيمياء في أعمال التفتيش بالطريقة التي تراها مناسبة للظروف الوطنية من أجل ضمان إنفاذ الأحكام القانونية المتعلقة بحماية صحة وسلامة العمال أثناء قيامهم بالعمل،وبحث آثار العمليات والمواد وأساليب  العمل على صحة العمال وسلامتهم كما أضافت المادة 10 منها على أن يكون عدد المفتشين  كافيا لضمان الأداء الفعال لواجبات ادارة التفتيش ،ويحدد هذا العدد مع مراعاة أهمية الواجبات التي تكون على المفتشين أداؤها …والإمكانات المادية الموضوعة تحت تصرفهم والشروط العملية التي ينبغي أن تجري بها زيارات التفتيش حتى تكون فعالة ،ولتكون كذلك ألزمت هذه الإتفاقيات الحكومات الموقعة عليها بتوفير جميع الإمكانيات المادية ووضعها تحت تصرف هذه الأجهزة المكلفة بجميع أنواع التفتيش ،تزويدها بوسائل النقل اللازمة لأداء واجباتهم عند عدم وجود تسهيلات عامة مناسبة مضيفة ضرورة تحمل الدولة رد ما يتحمله المفتشون من نفقات ومصروفات عارضة قد تلزم لأداء هذه الواجبات.

ورغم التزام الحكومة بتطبيق مقتضيات الدستور الجديد فإنها تجعل من أجهزة تفتيش الشغل الإستثناء للقاعدة العامة ،.حيث لازالت أحكام القانون الأساسي مخافة لمقتضيات الإتفاقيات الدولية لخلوه من أي شق مادي ،بل حتى التعويض عن الجولان الذي وإن استفاد منه مفتشو الشغل ٌالتفتيش العامً بتمييز غير مبرر فقد استثني منه الأطباء والمهندسون المكلفون بتفتيش الشغل رغم أن مدونة الشغل أوكلت إليهم القيام بزيارات التفتيش والتي تتطلب على الأقل صرف أموال عن التنقل ،فقد نصت المادة 31 من المرسوم المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بهيئة المهندسين والمهندسين المعماريين المشتركة بين الوزارات على أنه لايمكن الجمع بين التعويضات الممنوحة بمقتضى هذه المادة وتعويضات أو مكافآت أخرى إلا إذا كانت تتعلق بمصاريف وعن مزاولة بعض المهام،كما سارت المادة 28 من المرسوم بشأن النظام الأساسي الخاص بهيأة الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان المشتركة بين الوزارات التي أكدت على إمكانية الإستفادة من تعويض عن التجول أو التعويض الجزافي عن استعمال السيارة الخاصة لأجل المصلحة، وإحجام هؤلاء عن القيام بهذه الزيارات له ما يبرره من الناحية القانونية ,هذا الجهاز وبكل مكوناته أصبح  يتلقى الضربة تلو الأخرى فمن سابقة الحكم على أحد أفراده بالسجن 10 سنوات قبل أن تتم تبرئته بعد انتفاضة الجهاز برمته ,تطرح على الساحة نازلة مماثلة ضحيتها مفتش متقاعد منذ حوالي 3 سنوات والذي يتابع أمام إحدى الإستئنافيات بالزور في محرر رسمي والذي سببه تحرير محضر للمخالفات والجنح ضد أحد المشغلين المخالفين لقانون   الشغل حيث أضحت هذه المحاضر تنتهي في غالبيتها بتبرئة المشغلين  [وفي بعض الأحيان ]بواسطة شهادة إدارية تسلم من رجال السلطة بناءا على بحث[المقدم] كما في النازلتين المذكورتين وهذه الوثائق نفسها التي اعتمدت في المتابعة الجنائية ويبدو أن هذا الأخير أكثر حجية ومصداقية من هذا الجهاز [إن الله قد يجعل قوته في أضعف خلقه]. فشتان ما بين المفتش الذي يحرر محضرا يحمي به الأجراء وبين [المقدم] الذي يقوم ببحث لحماية المشغل فلا غرابة فعون السلطة هو الذي يسلم شواهد الحياة دون أن تثار ثائرة الأطباء وخصوصا منهم الشرعيون فكيف لا يساهم في قتل جهاز له دوره في المحافظة على قوت ولقمة عيش الأجراء اليومية،

إن هذا الجهاز جرد من جميع صلاحياته خصوصا الصفة الضبطية المنصوص عليها في الإتفاقيات السالفة التي اعطت محاضره القوة الثبوتية  في الوقت الذي حكم عليه التشريع المغربي بالموت السريري ،وانتفاضة الجهاز لهذه الأسباب تحت شعار [رد الإعتبار للجهاز] يعتبرونها مصيرية فالمتابعة الثانية لايتقبلون منها الثالثة حتى لاتكون تابثة ،فالتكرار يزيد من الإحتقار فمن يحمي الأجراء من الأضرار والأخطار؟

فالتأمينات ورغم الإلتزام بأدائها فإنها لاتحمي من وقوع الحوادث والأمراض واستفادة الضحايا من التعويضات لن تعيد لهم ما أفسدته الآلات والمواد والعائلات التي فقدت أحد أفرادها لهذه الأسباب سواء أكان معيلا أم فلذة كبد ، لن تفيدها التعويضات في إرجاعه ,فكفى من المآسي وأطلقوا سراح هذا الجهاز بجميع تخصصاته ليقوم بواجبه الوطني المتمثل في تطبيق القانون وحماية صحة وسلامة الأجراء والوقاية من الأخطار والأمراض ،ووفروا له الحماية ،فمحرروا هذه المحاضر في الدول الأخرى يحصلون على نسب من المبالغ المالية المضمنة فيها حرصا على نفاذها ,أما ببلادنا فمحررها لايستفيد من قيمتها ولن ينجو من نقمتها ،ودعوات الأجراء المساكين تدخلك جنة الفردوس مع الأنبياء والصديقين وتحرير محاضرضد المشغلين تدخلك الزنزانة رفقة القتلة والمجرمين.قال صلى الله عليه وسلم […إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...