حصيلة سنوية هزيلة ودون التطلعات..المؤشرات العشرة لفشل الحكومة في ورش الأمازيغية..بقلم/ ذ.عبد الله بادو

مرت اليوم اكثر من سنة كاملة على تنصيب حكومة أخنوش، بعد انتخابات أجريت في سياق خاص ووفق منهجية خاصة وافرزت لنا قسرا تركيبة خاصة للمشهد السياسي خلقت نوعا ما قطيعة مع ما كان يطبع العقد الأخير من هيمنة حزب العدالة والتنمية على الانتخابات الذي اندحر بشكل غير متوقع، حكومة يقودها حزب يرفع شعارات كبيرة بطموحات واعدة جيش لها ما استطاع من العدة والعتاد، والتهم ما تيسر له من الفعاليات الأمازيغية المندفعة للانخراط في العمل السياسي بدون بوصلة سياسية واضحة، حيث عمل على دمج بعضهم وتطويع الاخرين لينخرطوا في دينامياته التنظيمية والحزبية بتلاوينها المختلفة. لكن يا للأسف اليوم نكتشف ويكتشفون معنا وعلى مضض وبعد انقضاء سنة كاملة أن حزبهم وحكومتهم ماتزال عاجزة على تقديم حصيلتها في علاقتها مع الأمازيغية وأنها تفتقد الى استراتيجية عمل واضحة ولا خارطة طريق لديها لتنزيل شعارتها والوفاء بالتزاماتها، هل تكون الظرفية السياسية والمناخ الاقتصادي الدولي نتيجة حرب أوكرانيا، وكورونا، … و …، سببا وعذرا كافيا لتتنصل الحكومة ورئيسها من مسؤوليتهم في سوء التدبير والتقدير وانعكاسات ذلك على الشعب المغربي الذي يكتوي يوما عن يوم بحرارة الأسعار الملتهبة وقلة ذات اليد؟ اما عن الامازيغية فلم تقدم الحكومة الحالية الا إجراءا يتيما بخلق صندوق مازالت الى يومنا هذا تائهة في طريقة تدبيره واوجه صرف ميزانيته خلال السنة الأولى.

كما تكون اليوم مرت أيضا على دسترة اللغة الامازيغية أكثر من عقد من الزمن، دون أن يتحقق للأمازيغية ولو الجزء اليسير مما كان منتظرا لها في ظل وضعها الدستوري الحالي، فجميع الحكومات التي “حكمت” المغرب خلال هذا العقد الأخير أمعنت في التسويف والمماطلة في أجرأة طابعها الرسمي بدواعي ومبررات لا يقبلها العقل والمنطق، استهلكت ما يقارب العقد لإصدار القانون التنظيمي 16-26 والذي لن يحقق الغاية الدستورية من اقراره، وهي الرقي بالأمازيغية لتكتسب الطابع الرسمي، حيث وللأسف الشديد كل السياسات العمومية والترابية كرست دونية اللغة الامازيغية وثانويتها في التراتبية اللغوية التي أقرتها الدولة المغربية في مختلف المجالات التي كان من المفروض أن تحرص على ان تمكن اللغة الامازيغية من المكانة والوظائف التي ستخول لها ملء وظيفتها وادوارها كلغة رسمية فعلية الى جانب اللغة العربية.

تفاءل الكثيرون بأن الحكومة الحالية ستعمل على الدفع بالملف من أجل تدارك التأخير الذي لحق الملف ابان الحكومات السابقة، وان الحكومة ستسهر على تبني سياسات قادرة على النهوض باللغة الامازيغية وحمايتها بناءا على تصريحات ووعود رئيس الحكومة في اللقاءات والأنشطة التي كان يشارك فيها منذ إطلاق الحملة الانتخابية الى يومنا هذا. وللأسف اليوم وبعد ما يزيد على ثلاث سنوات من صدور القانون التنظيمي بالجردية الرسمية، نشر بالجريدة الرسمية يوم 12 شتنبر 2019 لا وجود للأمازيغية من بين أولويات البرنامج الحكومي، كما أنها لم تعد مخططات قطاعية كما ينص على ذلك القانون التنظيمي 26-16 في مادته 32 والتي تقول بالحرف ”تقوم القطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات والمنشآت العمومية والمؤسسات والهيآت الدستورية بوضع مخططات عمل تتضمن كيفيات ومراحل إدماج اللغة الأمازيغية، بكيفية تدريجية، في الميادين التي تخصها، وذلك داخل أجل لا يتعدى ستة أشهر ابتداء من تاريخ نشر هذا القانون التنظيمي بالجريدة الرسمية” والغريب ان الحكومة لحدود اليوم لم تكشف عن تصورها ورؤيتها لتدبير الملف كما انها لن تحدد درجة التزامها باحترام الدستور والقانون التنظيمي، والادهى ان السيد الرئيس في لقاء مع الفعاليات الامازيغية يوم 18 أكتوبر 2022، مع كل التحفظ على حيثيات ومنهجية إعداد وتدبير اللقاء ومخرجاته، لم تبرح مستوى الاعراب عن النيات دون المرور الى مستويات الالتزام بالأجرأة والتفعيل الحقيقيين للغة الامازيغية، اذ لحدود كتابة هذه السطور لم تعلن عن مخططها الحكومي لتفعيل الطابع الرسمي كما ينص على ذلك القانون التنظيمي في مادته، وهو كاف لنفقد الثقة في الحكومة الحالية.

على العموم تبقى حصيلة الحكومة جد باهتة في شتى المجالات التي نص عليها القانون التنظيمي باعتبارها ذات الأولوية، رغم الشعارات الرنانة التي اطلقها الحزب الحاكم، ورئيس الحكومة في خرجاته المعدودة والتي عبر فيها عن التزام الحكومة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية، ويمكننا تقديم عشر مؤشرات تبين مدى التراجعات والنكوص والتقصير الذي لحق الامازيغية في ظل الحكومة الحالية، وهي كالتالي:

أولا: الحكومة اجهزت واعدمت المخطط الحكومي السابق الذي أعدته حكومة العثماني وخارطة الطريق التي أعدها الوزير امزازي في آخر ولايته، ولم تكلف نفسها ان توضح الأسباب والدوافع وراء ذلك. مما يشكل هدرا للزمن السياسي، وغياب استراتيجية لرسملة الجهود والتجارب وترصيدها.

ثانيا: تجميد اللجنة البي-وزارية المكلفة بتتبع تدبير ورش تفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية والتي تشكلت خلال الولاية السابقة وعدم تفعيلها، ودون احداث اليات للتنسيق وتتبع الملف منذ تشكيل الحكومة الحالية الى يومنا هذا.

ثالثا: عدم احترام الدستور والتنصل من تفعيل القانون التنظيمي 16-26 بالتهرب من تنزيل مقتضياته الخاصة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية، وهذا يعد ضربا صارخا لدولة المؤسسات، ويعصف بكل الجهود والتراكمات التي حققتها الدولة والحكومات السابقة في صلة مع الامازيغية.

رابعا: عدم تفعيل القانون التنظيمي 04-16 الصادر بتاريخ 30 مارس 2020 الخاص بإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية والذي يعد مؤسسة دستورية وطنية مستقلة مرجعية في مجال السياسة اللغوية والثقافية، هذا التأخير والتماطل في احداثه فتح باب التأويلات وسمح بكل التجاوزات التي يشهدها مجال السياسة اللغوية والثقافية.

خامسا: غياب برنامج او خطة عمل واضحة تتبناها الحكومة لتنفيذ التزامات الدولة تجاه الامازيغية كما هو منصوص عليه في القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية، اذ لا يمكن الحديث عن توفر إرادة سياسية للحكومة في ظل غياب التزامات وإجراءات عملية وواضحة للنهوض باللغة والثقافة الامازيغية.

سادسا: التأخر في اطلاق مشاورات حكومية منذ تنصيب الحكومة الى حدود 18 أكتوبر 2022، مما يعد تسويفا ومماطلة من الحكومة عدم جديتها في التعاطي مع ملف الامازيغية، وهي منهجية ومناورة مفضوحة لهدر المزيد من الوقت. انها نفس سياسة التسويف والمماطلة التي وسمت سياسات كل الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام منذ دستور 2011 الى يومنا هذا.

سابعا: الحكومة الحالية لا تعتمد المقاربة التشاركية في تدبير ملف الامازيغية حيث عملت على استبعاد الجمعيات والمنظمات المدنية التي تترافع حول الملف وتتهرب من مأسسة اليات حوار وتشاور حقيقة وفعالة، تهربا من أي التزام قد يورطها في حال اشركتهم في التفكير في مستقبل اللغة الامازيغية.

ثامنا: ضبابية تدبير الصندوق الخاص بمواكبة ترسيم الأمازيغية وغياب استراتيجية حقيقة لتدبيره، مما نتج عنه تدني مؤشرات التنفيذ والانجازية والصرف بخصوص السنة المالية الحالية. كما أن الحكومة لم تعمل على تعزيز حكامة الصندوق بإحداث لجنة استشارية تضم ممثلي القطاعات الوزارية المعنية وتنفتح على شخصيات لها إلمام بالقضية الأمازيغية. كما سيتم دعم الحكامة بلجان استشارية جهوية يترأسها الوالة وتضم في عضويتها رؤساء الجهات ورؤساء المصالح الخارجية على المستوى الجهوي. كما تضمنه البرنامج الحزبي لرئيس الحكومة.

تاسعا: سعي الحزب الحاكم نحو تدجين مكونات الحركة الامازيغية حيث تمكنت من استقطاب عناصر من الجبهة قبل ان يتسبب في تفكيك الجبهة. وتعبئة بعضهم للترويج الاعلامي لمنجزات هلامية ووهمية، واستثمارها لشرعنة التراجعات والتمهيد للإجهاز على كل المكتسبات المحققة على هشاشتها.

عاشرا: هدر الزمن الحكومي في مجال تفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية، من خلال ضعف استمرار التراكمات المنجزة من طرف الحكومات والمؤسسات، الى جانب ضعف التنسيق بين مكونات الحكومة حول سبل وكيفيات تدبير ملف الامازيغية، وغياب الالتقائية بين مختلف المتدخلين القطاعيين مما يسهم في هدر الطاقات والإمكانات والجهود ويحول دون رسملتها وترصيدها ترشيدا للوقت والجهد والامكانيات.

ننتمى ان تلتقط الحكومة الحالية هذه الإشارات وان تتملك هذه المؤشرات لتتدارك اخطاءها لإصلاح ما يمكن إصلاحه، من خلال فتح باب مشاورات حقيقة مع كل الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين والاكاديميين المهتمين بالشأن الامازيغي لبلورة تصور مشترك ومتقاسم بين الجميع للنهوض بالأمازيغية وضمان حيويتها، وحمايتها من الاندثار.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...