الرأسمال اللامادي: الحاضر الغائب في معادلة التنمية..بقلم/ مفتي الحسين..

حرصت على زيارة منطقة “واواللوت” بضاحية مدينة بركان، على هامش زيارتي لشرق المغرب، لآخذ صور مكان إقامة زعماء من إفريقيا وعلى رأسهم الزعيم نيلسون مانديلا، ربما لم أكن محظوظا أنا وزميلي الذي رافقني، أن نجد المكان مباشرة بعد وصولنا لمنطقة واولوت الذي أقام فيها مانديلا، وفوجئنا عندما سألنا شباب في سن المراهقة على المكان وعلى نيلسون مانديلا لم يعرفوه ولم يعلموا عن المكان شيئا، ولا على نضالات بني زناسن، وربما لو سألناهم عن لاعب كرة قدم بأحد الأندية الأوربية لوجدنا الجواب الكافي، لنكتشف أن المكان المقصود لم يكن يتجاوز ثلاثمائة متر عن مكان تواجدهم رغم أنهم من أبناء المنطقة، مما يعكس أنهم وأمثالهم ضحايا طمس لذاكرة ورموز ورأسمال لامادي للمنطقة وللمغرب، تحتاج إلى إحيائها وبعث الروح فيها، واستثمارها سياسيا وتربويا وثقافيا وسياحيا واقتصاديا…، في إطار ما يسمى بالتسويق الترابي marketing territorial، وجعل المنطقة مزارا وطنيا وإفريقيا بل ودوليا.
هذا المكان وغيره يؤرخ لفترة زمنية وحقيقة تاريخية ومواقف إنسانية، لتعاون “جنوب-جنوب”/ وتحديدا تعاون “إفريقي-إفريقي”، فوق تراب المغرب، بمدينة بركان وضواحيه بمنطقة واولوت وجبال تافوغالت وقبائل بني زناسن وغيرهم.
شهدت هذه المناطق دور المغرب في استقبال زعماء أشهرهم “الزعيم نيلسون مانديلا Nelson Mandela” كرمز للوفاء للمبادئ والنضال والكفاح ضد الظلم والقهر والميز العنصري، تلقى بهذه الأرض تدريبات عسكرية، فضلا عن الدعم اللوجيستيكي والمالي، والذي صار فيما بعد رئيسا لدولة جنوب أفريقيا، وجمعته هذه الأرض مع “الزعيم الأنغولي António Agostinho Neto Kilamba” الذي صار أيضا رئيسا لبلاده سنة 1975، وزعيم غينيا بيساو Amílcar Cabral، والزعماء الجزائريين الذين صاروا رؤساء بلدهم كـ “أحمد بن بلة والهواري بومدين ومحمد بوضياف”، كان للحسن الثاني رحمه الله عليه فضل في احتضانهم بالمغرب ودعمه لهم ماديا ومعنويا.
وقد أخلف بعض الزعماء الجزائريين موعدهم عندما تنكروا لمغربية الصحراء رغم علمهم بذلك، منهم من لم يستطع الصمود في وجه لوبيات عسكرية والتي تستفيد من غنائم الدعم المالي المخصص لرعاية مرتزقة البوليساريو، ومن صفقات التسلح وأموال الدعم لاستمالة داعمين دوليين وغيرهم، بل وجعلوه جنرالات عسكر الجزائر مسوغا لاستمرار التحكم في السياسة الجزائرية، أما الرئيس محمد بوضياف الذي أحب المغرب وعاش بمدينة القنيطرة، اغتالته اللوبيات التي رأت أن مواقفه لا تتوافق مع توجهاتهم، ومنهم من اعتبر استقدامه لرآسة الجزائر فرصة للانتقام منه وتصفيته جسديا، أدى بذلك ثمن مواقفه، وجعلوا من اغتياله عبرة ورسالة لكل من قبل أو رغب في الجلوس على كرسي الرئاسة بالجزائر.

عودة إلى الزعيم الانساني نيلسون مانديلا:
بقي الرجل وفيا لمواقفه ونضاله كلفه ضريبة سبعة وعشرون سنة من الاعتقال، ولما تقلد منصب رئاسة دولة جنوب إفريقيا، بعد خروجه من السجن، لم ينسى في كل مناسبة للتذكير بدعم ومساندة المغرب له في كفاحه ونضاله ضد الاستعمار والميز العنصري، وقد رفض الاعتراف بالبوليساريو رغم الضغوطات التي تعرض لها من قبل حزبه المساند لهم، واستقبل مانديلا الدكتور عبد الكريم الخطيب رحمه الله بجنوب إفريقيا في أحد المحافل ببلده، معرفا به أمام الجميع على الدور الذي لعبه في الدعم المادي واللوجيستيكي، على اعتبار أن الدكتور الخطيب كان المخاطب الرئيسي له، لتقلده في تلك الفترة منصب وزارة الشؤون الافريقية، وقد أشار جلالة الملك محمد السادس في برقية عزائه لنيلسون مانديلا بما يلي: “خلال فترة توليه مهام رئاسة بلاده، على احترامه لشرعية المغرب في صحرائه، ولم يقبل أبدا لا بالاعتراف ولا بدعم تقسيم أو تجزئة بلدي”.
◄ والتساؤل المطروح كيف يمكن أن يتسنى لنا استثمار ذلك في التنمية؟
أقترح أنه من الممكن أن نجعل من عودة المغرب للاتحاد الافريقي واسترجاع كرسيه بالمنظمة فرصة للفاعلين وخاصة المنتخبين المحليين، بتثمين رأسمالهم اللامادي وتنظيم حدث سنوي دولي، تتعدد الطرق التقنية لجعله قبلة دولية، يعلمون أساليبه أهل الاختصاص، يحتاج فقط إلى إرادة وقرار سياسي، وقدر معتبر من الذوق والأفق الواسع، ويكفي أن أعرض مثال لحدث عالمي، مرتكزاته لا ترقى في تقديري للمرتكزات التي أشرت إليها، في يد مالكي القرار السياسي وخاصة المؤسسات المنتخبة المحلية بالمنطقة والاقليم والجهة التي تتواجد بترابها هذا الرأسمال، وهناك من خلق أحداث من دون رأسمال حقيقي، أما نحن فإننا نهدر فرصا سياسية واقتصادية وثقافية ثمينة.
● نموذج لحدث عالمي بدولة السويد:
كان وزير التعليم السويدي “Olof Palme” الذي صار فيما بعد رئيسا للوزراء، وزعيم حزب العمل الاجتماعي الديمقراطي، المناضل اليساري من أسرة أرستقراطية، كان يأتي عندما كان وزيرا للتعليم إلى ساحة بحديقة “ألميدال Almedal” بجزيرة غوتلاند، ليقوم بفتح حوارات مباشرة مع المواطنين، اشتهر بمناهضته لسياسة الفصل العنصري بإفريقيا السوداء وجنوب إفريقيا، ساند القضية الفلسطينية، وانفتح أكثر على ياسر عرفات وصدام حسين وفيدل كاسترو، وقام بتنظيم حملات طلابية مناهضة للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، ومكن الطلاب الأفارقة من الحصول على البعثات الدراسية في السويد، اغتيل سنة 1986 ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الأمريكية والبريطانية والموصاد الاسرائيلي.
● أصحاب القرار السياسي السويدي، لم يفوتوا الفرصة متجاوزين الحسابات السياسية الضيقة، وجعلوا من الساحة التي كان يرتادها الزعيم السويدي للتواصل السياسي، فضاء للحوار السياسي والثقافي لمدة أسبوع بشكل سنوي آواخر شهر يونيو وأوائل شهر يوليوز، وحولوه إلى محفل ومهرجان دولي يرتادها السياسيون ومختلف الفاعلين ليس من داخل السويد فحسب، بل من مختلف دول العالم، يحضره آلاف الزوار ومئات الصحافيين وتنظم فيه مئات من الأنشطة المتنوعة، بحيث صار منتدى سياسي عالمي ومعرض للمؤهلات السياحية والاقتصادية، وحدث إعلامي بامتياز، منحه القائمون على الملتقى مسحة احتفالية وجمالية.
أليس بالإمكان أن نستثمر في رؤوس الأموال المعنوية واللامادية، لفائدة التنمية الوطنية والمحلية، والإسهام بها وتثمينها لفائدة الثقافة الانسانية العالمية، فاعتبروا أيها المنتخبون لعلكم تبصرون .

▪ صور تذكارية لكاتب المقالة الأستاذ مفتي الحسين بأحد الأمكنة التي أقام فيها نيلسون مانديلا وقيادات جزائرية وغيرهم وخضعوا فيها للتدريب العسكري:

▪ صورة تاريخية لزعماء من الجزائر والزعيم مانديلا وآخرين من إفريقيا الجنوبية

▪ صورة نموذج لعرض سياسي بملتقى الجزيرة السويدية


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...