لماذا لم تتضامن أي جهة خارجية مع النظام الجزائري في مقتل مواطنيه الثلاثة؟ بقلم عبد الهادي مزراري

استغرب النظام الجزائري صمت الدول والمنظمات حيال مقتل ثلاثة من مواطنيه، بعد الضجة الإعلامية التي أحدثها، متهما المغرب بارتكاب ما أسماه “الهجوم الغادر على شاحنات جزائرية لنقل البضائع في الطريق الرابط بين ورغلة ونواكشوط، بسلاح متطور، وقتل ثلاثة من المواطنين الجزائريين بالتزامن مع احتفالات الشعب الجزائري بثورة الفاتح نونبر”.
بينما نحن في الأسبوع الثاني للخرجة الإعلامية للنظام الجزائري، التي رافقها بمراسلات إلى عدد من الدول والمنظمات يتهم فيها الجيش المغربي بقتل مواطنيه، لم تصدر أي إدانة ضد الرباط، بل أكثر من ذلك لم يتوصل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأي برقية تعزية أو مواساة في هذا الموضوع، لا من الاتحاد الإفريقي، ولا من جامعة الدول العربية، ولا من منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا من الأمم المتحدة.
يعتبر الصمت الإقليمي والدولي حيال حادث مقتل الجزائريين الثلاثة، مؤشرا قويا على شيء ما، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار تصريح نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، يوم الجمعة 5 نوفمبر، الذي قال فيه “إن الشاحنتين الجزائريتين، كانتا متواجدتين في الجزء الشرقي من الصحراء بالقرب من بير لحلو، أي بالمنطقة العازلة”، مضيفا أن البعثة الأممية رصدت شاحنتين مسجلتين في الجزائر متوقفتين بجانب بعضها البعض”.
تصريح المسؤول الأممي يستوجب قراءة جيدة للعبارات التي وردت فيه، وفي مقدمتها، العبارة المفتاح الأولى، وهي “كانتا (أي الشاحنتان) متواجدتان في المنطقة العازلة”، أي بمعنى “ماذا كانت الشاحنتان الجزائريتان تفعلان في ذلك المكان، وهما في منطقة عازلة يمنع الدخول إليها، وليست حتى بطريق بري مفتوح في وجه حركة التنقل؟”.
سؤال لم يتمكن المسؤول الأممي من الجواب عليه عندما سأله صحافي أثناء الندوة التي أقامها بخصوص هذا الموضوع، وكان رده كالآتي “أنا لا أعرف ماذا كانت الشاحنتان تفعلان هناك”.
وفي العبارة المفتاح الثانية نجد قول نائب الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة فرحان حق يقول “البعثة الأممية رصدت شاحنتين مسجلتين في الجزائر متوقفتين بجانب بعضها البعض”، حيث لا يصعب على أي محقق أمني أن يبدأ التحقيق بطرح السؤال “لماذا كانت الشاحنتان متوقفتين بجانب بعضهما البعض، ولم تكونا في وضعية واحدة في الأمام والأخرى في الخلف، كما يفترض أن تكونا وهما في الطريق، باستثناء ما إذا كان طاقم الشاحنتين توقف ليحتسي كؤوس الشاي في منطقة عسكرية محظورة”.
بلا شك تنتظر الأمم المتحدة أجوبة مقنعة من النظام الجزائري لتفسير روايته حول مقتل ثلاثة من مواطنيه بسلاح متطور استعمله الجيش المغربي، وتمكن بواسطة هذا السلاح من نقل الشاحنتين الجزائريتين من الطريق الذي يفترض أن تسلكاه بين تندوف ونواكشوط، ووضعهما في رمشة عين داخل المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني داخل التراب المغربي، ثم حرقهما حتى تفحمتا دون أي أثر لقصف صاروخي أو انفجار لغم.
لم يفصح النظام الجزائري عن شكل هذا السلاح المتطور الذي يحرق ويقتل ولا يترك أثرا، وربما كان تنينا عملاقا يخرج من فمه نارا، ولا يظهر إلا في الليل وفي المنطقة العازلة ولا يعرف بأمره إلا النظام الجزائري.
وضع حكام الجزائر أنفسهم في ورطة تتجاوز إصدار اتهام باطل ضد دولة أجنبية، ففي حال فتح تحقيق دولي في مقتل الجزائريين الثلاثة في المنطقة العازلة، والوصول إلى الفاعل الحقيقي، سيكون من الصعب على النظام الجزائري تقديم تبرير لافتراءاته، أو تقديم اعتذار للمغرب، أو مواجهة الرأي العام الجزائري، الذي يذهب أبناءه بمناسبة أو بدون مناسبة ضحية لمخططات النظام.
حتى هذه اللحظة فالعقاب المتوفر ضد النظام الجزائري هو تجاهل اتهاماته، وعدم التفاعل معها، وهذا هو ما قرره المجتمع الدولي، في انتظار ما سيحدث في المستقبل، حيث أخذ علما خلال الشهور الماضية بسلسلة من الاتهامات المشابهة والباطلة، التي أطلقها هذا النظام ضد المغرب، مثل حرق الغابات في الجزائر، وقتل المواطن الجزائري جمال بن إسماعيل، والتجسس على الشخصيات القيادية، ودعم حركة إرهابية.
أنتج النظام الجزائري سلسلة من الأكاذيب المدعومة بالبيانات النارية، والأفلام الوثائقية سيئة الإخراج، وشهادات العملاء، ولم يقدم ولا دليلا واحدا على افتراءاته، في الوقت الذي تؤكد المؤشرات الآتية من داخل الجزائر أن النظام بصدد إدخال البلاد في مواجهة خارجية للهروب من الانتفاضة الداخلية، التي تهدد بالزحف على أركانه ومحاسبته على هدر أموال الشعب في الإنفاق على مصالحه الخاصة وتمتيع المقربين منه في الوقت الذي لا يجد الشعب المواد الغذائية الأساسية مثل الزيت والبطاطا والدقيق.
يضاف إلى الأزمة الداخلية في الجزائر، الاشتباك الديبلوماسي الذي دخلت فيه مع دول في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا، ولا يستبعد حدوث أزمة في علاقاتها مع إسبانيا أيضا بسبب خفض نسبة صادرات الغاز، جراء قرار النظام الجزائري التوقف عن استعمال الأنبوب المغاربي الأوروبي الذي يمر عبر المغرب. كما أن محاولاتها استبدال الشريك الفرنسي بالإيطالي أو الألماني سيخلق لها متاعب مع كافة دول الاتحاد الأوربي.
على الصعيد الإفريقي، أخطأ النظام الجزائري كثيرا في لعب ورقة الزعيم القاري بالتدخل في مالي، وفي الأزمة الإثيوبية المصرية السودانية، وحشر أنفه بالاعتراض والتحريض ضد قرار الاتحاد الإفريقي بضم إسرائيل كعضو مراقب.
عربيا، لم يعد للنظام الجزائري من مكان في جامعة الدول العربية، خاصة بعد تأييد الدول العربية الموقف المغربي في قضية وحدته الترابية، بل أصبح حكام الجزائر ملاحقين بتهمة تمثيل التيار الإيراني في المنطقة والدفاع عن مصالحه ضدا على دول الخليج العربي التي توجد في وضعية المواجهة مع طهران.
الخلاصة أنه لم يعد من شريك للنظام الجزائري في كل ما يحيكه من اتهامات وأباطيل ضد المغرب، ولن يتلقى أي تأييد أو مواساة، لأنه هو الجاني في حق شعبه وجيرانه.
طابت أوقاتكم.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...