“حول مشروعية فرض جواز التلقيح…” بقلم المحامي والحقوقي: ذ.محمد الهيني..

أثار بلاغ الحكومة الصادر بتاريخ 18 أكتوبر 2021 بفرض جواز التلقيح كوثيقة معتمدة من طرف السلطات الصحية لتنقل الأشخاص، بين المدن وولوج الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمتاجر والمقاهي والمطاعم والفنادق والحمامات والقاعات الرياضية في إطار التدابير الاحترازية الجديدة، (أثار) نقاشا دستوريا وقانونيا جديرا بالمناقشة والدراسة حول مشروعيته.
ومما لا شك فيه، أن البلاغ يستند إلى ما تتيحه المادة الثالثة من المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية والتي تنص على أنه “بالرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة خلال فترة إعلان الطوارئ الصحية، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية أو إدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.
لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين”، وبالتالي، لا يمكن القول من الناحية القانونية، أن هذا البلاغ موضوع الدراسة، يجب أن يستند إلى نص قانوني أو مرسوم جديد ما دام المشرع ترك للحكومة حرية وهامش التحرك بالوسائل القانونية التي تختارها دون معقب عليها، لأن المرسوم بقانون الطوارئ الصحية، يعلو على كافة الأحكام التشريعية والتنظيمية الأخرى.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الموضوع يثير إشكاليات دستورية وقانونية هامة، تتعلق بضمان التوازن والتناسب بين مبدأ وجوب حماية الصحة الفردية والجماعية من خلال التلقيح ضد “كوفيد”، ومبدأ آخر لا يقل أهمية، يتعلق بحرية التلقيح وبالحقوق الأساسية للفرد بحماية كرامته وحرية ضميره وحرمة وسلامة جسمه، إذ أن التنازع مبناه المفاضلة بين التلقيح الإجباري والتلقيح الاختياري، أي بين الحقوق الفردية (المصالح الخاصة) والحقوق الجماعية (المصالح الجماعية).
وإذا كان القانون لا يفرض مسألة التلقيح الإجباري لحدود اليوم، فهل يجوز فرض تدابير إدارية أو تنظيمية تقيد ممارسة بعض الحقوق والحريات بضرورة إجراء التلقيح والحصول على جواز التلقيح، كالمنع من التنقل بين المدن وولوج المقرات العامة والخاصة ووسائل النقل العمومية؟
قد يعتقد البعض أن مثل هذه القيود تشكل انتهاكا لمبدأ حرية التلقيح وفرض التوائي وناعم للتلقيح الإجباري بغير سند من القانون؟ لكن من خلال وجهة نظرنا، نعتبر أن الأمر لا يشكل أي تضاد بين الأمرين أو المسألتين، ولا غبار على دستوريته أو شرعيته، ففرض القيود بشكل نسبي لا بشكل مطلق، لا يعني بتاتا فرض إجبارية التلقيح، بل نوعا من المرونة من داخل المبدأين بشكل يمكن من التوازن والتناسب بين الصحة الفردية والجماعية، وضمان الحقوق الأساسية للفرد بحماية كرامته وحرية ضميره وحرمة وسلامة جسمه، فالشخص الذي يرفض فكرة التلقيح حماية لشخصه، لا يمكن أن نقبل بأن تصل تلك الحرية للمساس بالصحة العامة، فحريته تنتهي حينما تبدأ حرية الآخرين، فلا يمكن المخاطرة بصحة جميع المواطنين بدافع أنانيات وحسابات شخصية.
ولقد صاغ نفس الفكرة، أحد الفقهاء الفرنسيين بقوله “أولئك الذين، باسم الحرية، لا يرغبون في الخضوع لأي فحوصات، سيتمكنون من البقاء في المنزل، لأن الأشخاص الذين يعانون من حساسية حزام الأمان، لهم الحرية في عدم ركوب السيارة، ستكون لدينا الحرية لاستعادة حرية الحركة وحرية حبس أنفسنا باسم الحريات”.
ولهذا اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي، أن المشرع لم ينتهك المتطلبات الدستورية لحماية الصحة من خلال فرض التزامات التلقيح، وبالتالي، يمكن للمشرع “تحديد سياسة التطعيم من أجل حماية الصحة الفردية والجماعية”، تماما كما يمكنه “تعديل الأحكام المتعلقة بسياسة التطعيم هذه لمراعاة تطور البيانات العلمية والطبية والوبائية “(Dec رقم 2015-458 QPC بتاريخ 20 مارس 2015)، لا سيما وأن هذا المجلس مستقر على إلزامية التلقيح وإجباريته ضد “الأمراض الخطيرة والمعدية للغاية، أو تلك التي لم يشتبه في استئصالها”، كما أقر مجلس الدولة الفرنسي أن “هذه الأحكام لها تأثير لتقويض مبادئ حرمة وسلامة جسم الإنسان التي يتذرع بها المتقدمون، لكن يتم تنفيذها بهدف ضمان حماية الصحة(…)، وتتناسب مع هذا الهدف(…)، لذلك، عدم تجاهل المبدأ الدستوري المتمثل في الحفاظ على كرامة الإنسان (ولا) حرية الضمير”، للقيام بذلك، يأخذ في الاعتبار خطورة الأمراض وفعالية هذه اللقاحات، وضرورة جعلها إلزامية من أجل تحقيق تغطية مرضية لجميع السكان.
وفي هذا الإطار، اعتبرت محكمة النقض المغربية، أنه “لما كان التلقيح الذي خضع له الضحية تلقيحا إجباريا، يهدف إلى حماية الصحة العامة من الأوبئة، ولا يطلب من الملقح أو ولي أمره – إذا كان قاصرا – القبول طواعية بالمخاطر المترتبة عن عملية التلقيح، فإن أساس تعويض من تضرر من هذه العملية، يكون هو التضامن بين أفراد المجتمع في تحمل الأخطار الاجتماعية بصرف النظر عن قيام الخطأ من عدمه” (قرار محكمة النقض تحت عدد 236 الصادر بتاريخ 11/04/2013 في الملف الإداري عدد 742/4/2/2012).
وصفوة القول: إن المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، نصت على أنه “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد، أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي”.
ولقد قيد المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية، الحكومة، بعدم إصدار تدابير احترازية تتنافى وضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين، وفرض جواز التلقيح لا يتعارض مع ذلك، لأنه لا يلغي الحقوق، بل يقيد الاستفادة منها وهو مسألة مشروعة، وتظل إمكانية استفادة غير الملحقين واردة منها بتوكيل من يتقدم للمرافق العمومية أو الخاصة باسمه لمباشرتها نيابة عنه.
وعليه، يمكن القول إن الإطار المسموح به دوليا أو على الصعيد الوطني قانونيا في ممارسة الحقوق والحريات خلال حالة الطوارئ الصحية، تقيدت به الحكومة في بلاغها الأخير بفرضها جواز التلقيح للولوج للمرافق العمومية والخاصة بتقييد الولوج لا منع الاستفادة أو تعطيل الحقوق المترتبة عن ذلك.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...