إبادة فرح مقدس..بقلم / الحسين بوخرطة

إبادة فرح مقدس

الحسين بوخرطة

في بداية ليلة آخر يوم إمساك عن شهوتي البطن والفرج، فرح عبد العال فرحا مشوبا بقلق وانشغال مؤمن بقضية وطن ومصير. بعدما ازدرد ما لذ وطاب من الطعام، استلقى على إحدى أرائك صالون بيته المتألق المطل على شارع عريض من أعرق الفضاءات التجارية في مدينته الشاطئية. بشاشة الفرح انبعث من عينيه ووجنتيه وهو يتابع إعلان يوم العيد.

التفتت إليه زوجته الشقراء علياء، ذات الجمال العربي الخلاب، مبتسمة ومباركة المناسبة المقدسة. أما أطفاله الثلاث، أيمن ونسيمة وفيصل، فهرعوا متدافعين إلى الدولاب. انتظموا أمام بابه، والغبطة كاسحة فضاء المنزل بكامله، وممتدة بطاقتها المشعة إلى الشارع العريض. أخذ كل واحد حلته الجديدة الغالية، وارتدوها محملقين في منظرها الجميل أمام مرآة محاطة بمصابيح منيرة.

أما الزوجة علياء، بعدما أعدت صينية الشاي المغربي والحلويات اللذيذة ووضعتها على منضدة مزخرفة من الخشب الأصيل أمام زوجها المصون، ولجت بهدوء لا يلفت الأنظار إلى الحمام، وتطهرت وتعطرت بماء الورد. ارتدت لباس الحمام الناعم، ودخلت مباشرة إلى غرفة النوم في سرية تامة. توارت عن الأنظار للحظات متأملة أدواتها التجميلية، فاتحة كعادتها مناجاة فردية لإبداع لوحة حياة جديدة تليق بمقام الليلة. بعدما اختارت بعناية فائقة حلة مباركة بألوانها الزاهية، غاصت في تفكير عميق لتحديد وتجديد مقومات الجمال المهيج لمخيال الحواس الأسري. أخذت كالعادة وقتها الكافي، وحولت محياها وجسدها المنحوت بعناية ربانية إلى لوحة فنية جذابة بمنطق تصارع الكواكب، مصممة تعبيد مسار تجديد لذة ساعات المتعة العارمة وتمديد أمدها صحبة بعلها عبد العال. أتمت الترتيبات بإتقان معهود، وترسب الإبداع الجمالي متراكما بمعنوياته الفائقة في بيت الزوجية.

بعد إنهائها للمساتها الأخيرة، فتحت باب ورشة صناعة الحب والبهجة والحياة، وأقبلت على عبد العال بضياء القداسة، وببراعة إبداع عباقرة الفنون التشكيلية. قفز من مكانه قفزة فاقت اللحظات المشابهة في الماضي القريب ذهولا، مصدوما أمام روعة لوحة فنية زادها الابتكار عذوبة. غادر بسرعة البرق وضعية الارتخاء والامتداد والاستلقاء. انتصب جالسا، وكأنه شحن بطاقة مجسدة لنسبية أنشتاين وأحلامه. جلست ورائحة عطرها الثمين طافحة، والحب يتطاير من عينيها كرذاذ مطر يوم عاصف. ألصقت الجانب الأيمن من أردافها الناعمة بفخذ رمز الوحدة والرعاية الذكورية. نط الأطفال من أمكنتهم منجذبين بهذا المنظر المبهر، ليكملوا عناقا معالم لوحة أسرة مغربية تزخر حبا وحنانا وإنسانية.

دخل عبد العال بدوره الحمام، استجابة لرسائل ودروس وعبر زوجته المعتادة. انتصب بمخيال تجويد معاني الحياة تحت الرشاش متجاذبا مع رذاذه الكثيف. خرج باعثا ابتسامة روح مبتهجة تعجز حواس البشر عن وصفها. تفاعلت المشاعر، وارتقت الروح إلى أسمى مستويات الشغف بحرارة الولع الملتهبة، توردت الخدود، واحمرت الشفاه والوجنات المتقابلة، وابتدأ العد العكسي لاستنفاد الوقت المخصص لينام الأطفال ملء جفونهم ومعانقة أحلام لذة الانتماء الأسري.

في هذا المنعطف الزمني الحرج الذي لا يحتمل الانتظار، أطل عبد العال على الشارع العام المكتظ بالمارة. أصوات الباعة ترتفع هستيريا مشهرة الأثمنة المناسبة وجودة المنتوجات. كل تاجر بجانبه مذياع أقراص تنبعث منه عبارات الآيات القرآنية المتباينة المرتلة والمجودة بأصوات المقرئين الرخيمة، محدثة ذبذبات صوتية متداخلة يعجز العلم والتاريخ على تفسيرها. كاد أن يتعكر مزاجه بهذا الصخب والضجر المتلاحق. قمع عنقه المشرئب إلى الخارج، أغلق النافذة بحكمة، ملتحقا بسجادته الوثيرة، سابحا في فضاء رباني، وخاشعا بتركيز شديد معبرا بإيمان صاف وصادق عن أحقية الله في عبادة صوفية. ختم برنامج تعبده بصلاة استخارة استحضر فيها مستقبل أسرته ووطنه والأخوة العرب، وضائقة الفلسطينيين الأفذاذ.

دخل إلى غرفة النوم، وبرمج توالي ألحان فيروز على قناة اليوتوب بحدة ألحان منعشة. التحق بسارقة فراشه، المرأة الناعمة، زرقاء العينين، قرمزية الشفتين، حمراء وأسيلة الخدين، مقوسة الحاجبين، وهي توضب آخر أواني الليلة. لامس بنعومة أردافها المنتفخة الخارجة لحوضها المنحوت، واسترسل بشحنة حب لافحة في ملاحقة الفخذين الملساوين المملوءتين متلذذا رشاقة الخصر ورحابة البطن المنبسطة التي تعلوا منطقة سر اللوعة ومصدر تلاحق الأجيال. حلق ملتحما بمخيلتها بعباراته الشعرية مصوبا قافيته مجسدا بولع خارق غيداء عنقها، ونهد ثدييها، ودفء حضنها، وطهارة روحها. حملها بين يديه بحرارة قد تفوق لحظات يوم الدخلة ليلة زفافه، وارتميا معا في يم متعة الاطمئنان المشروعة. اشتعل الولع والشوق المتجدد بين جسمه بعضلاته المفتولة وقوامها برشاقته المرنة وخصلات شعرها المنسدلة. ارتقت الإثارة إلى أعلى مستوياتها وطوقت نفسيهما بحرارة الرغبة الملتهبة كالجمر، وصعدا إلى برج اللذة والارتعاش مقاومين الوصول إلى محطة النزول.

استيقظ في الصباح الباكر، مودعا للغسق ومستقبلا للصبح المشرق. وهو يستحم لأداء صلاة فجر يوم العيد، توالت عبارات المذيع العربي منددة بالاعتداءات الإسرائيلية في اليوم المقدس على الفلسطينيين. عجل إجراءات الاستحمام، وراح يتجول بين القنوات العربية والدولية، ليعم الخبر مدويا فضاء كل شعوب العالم ومؤسساتهم الرسمية وغير الرسمية. تألم كثيرا لهذا الاعتداء الشنيع في يوم مقدس. أفاق زوجته وأطفاله، وعم الغضب والحزن بيت السعادة. تابعوا، والأسى يتطاير من جفونهم المترقرقة بالعبرات اليائسة، انتشال الأطفال من تحت الأنقاض، والمنازل تتهاوى على الرؤوس جراء تهاطل القنابل والصواريخ على أسطحها، وأشلاء أجسام الأطفال والرجال والنساء تتطاير في السماء، والدماء الطاهرة البريئة تبلل أرض الأنبياء والرسل.

بعد مرور ساعتين أو ثلاث، أطل عبد العال مجددا من النافذة على الشارع المعتاد. لم يلاحظ أي تعبير سلوكي مغاير. على عكس ما توقعه، اشتد نشاز الصخب والضجيج منذ الساعات الأولى ليوم العيد. الباعة، مباشرة بعد الصلاة وتناول الفطور، انتشروا في الشارع المعهود. ازداد حماسهم لإشهار سلعهم، مرددين بصرخات حناجرهم المبحوحة قيمة تجارتهم الرخيصة. التحق بعد ذلك بالمقاهي المنتصبة بحواشي الشوارع الواسعة. الجالسون والجالسات، بألبستهم التقليدية ناصعة البياض، يقهقهون ويتبادلون الضحكات والتبريكات، ويرتشفون كؤوس القهوى والشاي التي افتقدوها طوال شهر رمضان.

عاد إلى منزله مكهرب المزاج. ذهل ودهش لما رآه وتابعه. احتار متسائلا بإلحاحية تائهة عن مصدر شيوع ثقافة اللامبالاة من المحيط إلى الخليج. انتابه قلق شديد وهو يفكر كيف يوضح لأطفاله وضعية الشعوب العربية الإسلامية زمن الاعتداءات بدون رادع. أحس برعدة تعم حنايا روحه، وأشله الخوف عن مستقبل بلاده. منشغلا بتتبع تطورات القضية والأنين المروع للشعب الفلسطيني، وهو يستعد للبحث عن القناة الإخبارية الأكثر مصداقية، ارتمى أطفاله في حضنه وفي عيونهم استفهامات مضنية. اتفقوا على سؤال مركب واحد، ساعدتهم أمهم على صياغته استجابة لإلحاحهم عندما كان خارج البيت : هل انهار العز العربي إلى هذه الدرجة، ألم يعد هناك ما يجمع الشعوب في دفاع مشترك عن الذات؟.

تطلع عبد العال بدفء إلى وجوه أطفاله المشرقة ملقيا نظرات متتالية ومتأرجحة على عيونهم منبهرا بقوة السؤال، مشدوها ومشدودا أمام حب استطلاعهم، فقال لهم : سأوضح لكم الأمر ببساطة لتستوعبوه. هناك فرق شاسع في الوعي الثقافي لدى شعوبنا زمنيا وجغرافيا.

عقب أيمن للتو : كيف ذلك، لم نفهم مقصودك يا أبتي؟

استرسل الأب في الكلام قائلا: “أنصتوا جيدا ولا تقاطعونني حتى أنتهي. في زمن طفولة جيلي وجيل أمكما، كان جارنا علال آنذاك نقابيا صلبا. يجتمع كل صباح ومساء مع جماهير العمال قبل الدخول إلى وحدات الإنتاج التي تعتمد أكثر على قوة العمل الجسدي. يطمئن بشكل مستمر على مستواهم المعيشي، ويستشف من أجوبتهم مدى صلابة ارتباط الحقوق بالأجور. في الستينات والسبعينات، ساد الكساد والفساد، وتجرأت الدولة وقررت رفع أسعار المواد الأساسية بسنتيمات قليلة. أتعرفون ماذا وقع؟”

تدخلت نسيمة معقبة: “استسلم الجميع لقرار الدولة السيادية؟”

ابتسم عبد العال، وعقد العزم على التبسيط والتوضيح مسترسلا في القول: “أتفهم جوابك، لكن حدث عكس ذلك. انفجرت الأوضاع الاجتماعية، وعمت الاحتجاجات مشمول التراب الوطني. تأثرت نسبيا القدرة الشرائية للأسر، تلاها تكتل قوي للطبقة العاملة والحرفيين والفلاحين. ارتفعت أصوات الحناجر، وتحركت الطبقة النشيطة وراء النقابات وأحزاب المعارضة، سقط عدد من الضحايا، وجمد القرار”.

أخذت نسيمة الكلمة مجددا: “أتريد أن توضح لنا أن الوضع اليوم في الأقطار العربية والعالم مغاير؟”

ابتسم الأب لذكاء بنيته معقبا: “فعلا، الحاضر والمستقبل يدخل في خانة مرحلة مغايرة في كل شيء. تعيش الإنسانية زمن التكنولوجيات المتطورة، وغزت الرقمنة والدقة مجالات الإنتاج وتحديد مواقع المنشآت وهويات الأفراد. فالشيخ ياسين مثلا، كزعيم فلسطيني بارز، استهدف عن بعد، وانفجر به وبمرافقيه كرسيه المتحرك. الحروب أصبحت اليوم تكنولوجية وكيماوية، والتصويب يصيب المستهدف على أساس قياسات دقيقة. استعمال الطائرات الإلكترونية بدون طيار أصابت الإنسانية بالهلع، ويمكن أن يعيش جيلكم زمن جيوش الروبوتات التي لا تتعب، ولا تصاب بسرعة، وتجيد استعمال الأسلحة الفتاكة”.

أصيب فيصل بالذهول وعبرات الصدمة تتهاطل من مقلتيه، ثم قال: “الحماس إذن لا ينفع ولا جدوى من وراءه، فما العمل في نظرك يا أبتي؟”

أجاب عبد العال بعبارة أخيرة : “المستقبل في التربية والتعليم والعلم؟ فالاستراتيجيات الدفاعية المختلفة لشعوبنا، إن وجدت، يجب أن تركز على السلمية وربح الوقت ومواجهة الهدر المعرفي، وأن تجعل من القراءة والترجمة ملاذا لإشراك الأجيال في بناء عالم النور والكمال والأمل المقاوم للانزلاق والاختناق في واقع الظلام الكئيب”.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...