فلسطين قضية زمان كوني..بقلم : الحسين بوخرطة

كانت ولا زالت فلسطين أرض قداسة وحضارة عربية عريقة. حماها السيف بسواعد الأفذاذ زمن الأنبياء والرسل والزعامات الحضارية. تعسف الوقت في زمن تنكر لزمان تاريخ أمة. تعددت فبركة الصور المضمحلة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل في لحظات العدوانية. 

تحولت فلسطين إلى قضية عربية، فألبسوها في عجلة حلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتم التهافت المباغث بإثقال كينونتها بحلة ثقيلة عربية بقياسات عرقلت حركيتها وانتفاضتها. سميت القضية المقدسة بخلاف سياسي وتاريخي، وتوالت المقاومات والمفاوضات، وتطورت الخطابات في مدلولها مبتعدة شيئا فشيئا عن قوة الحقوق التاريخية. تم تطويع فحواها المرتبط بعمق الزمان الوجودي والمكان المقدس. تغطرس الزمن واستلب بلذة الأوقات العابرة، ليلوذ رواد الانقسام من النخبة إلى معانقة الوقت خارج التاريخ زمن العتاد الفتاك والقنابل النووية.

تسلطا على مجريات التاريخ الطبيعية، واغتناما للحظات التفوق العلمي والتكنولوجي، تم إعلان المؤتمر الصهيوني سنة 1897، وامتد الزمان في المكان رغما عن الطغاة بنوستالجيا الأمجاد والمقدسات إلى الماضي العريق. انتفض المستخلفون فيه بصدق، وتمت التضحية بالأرواح غيرة على مصائر الأجيال. دونت صفحات تاريخ مبهم صراعا عربيا إسرائيليا. اشتدت الأزمات والحروب، واستسلم مؤقتا تصالح الحضارات والثقافات والديانات لأطماع الصهيونية المتغطرسة.

برز مرارا إشكال الشرعية بسواعد الشباب الفلسطيني والعربي بعد إعلان نشوء الصهيونية، وارتقت المحنة إلى قضية أوطان. تسابقت الأيام والشهور والسنون، ولهث بنو إسرائيل، بحماية مبطنة، وسارعوا إلى ركوب البواخر والطائرات رافعين الشعار المبتذل “العودة إلى أرض الميعاد”. استرجع الزمان تاريخ عروبة أرواح بناة المسجد الأقصى ومعجزات سيدنا إبراهيم عليه السلام.

بغطرسة مدججة بالسلاح والإعلام طمع المنقض على التراب في بهت القضية في أذهان الأجيال. خطط لمراحل تكريس حلم اضمحلال تاريخ الزمان في الحاضر والمستقبل القريب، ليحل محله أوقات المراجع التاريخية الغامضة أو المبعثرة.

فحذاري، ستستنهض الهمم، وتنجلي الغشاوة على العيون، لتتوالى الأسئلة المصيرية:

أين الذاكرة، أتم نسيان متعة السباحة في البحر الميت المالح جهة أريحا وبيت لحم والخليل، وطلي جلود الأهالي بطينه المنعم لبهاء الوجوه والأبدان العربية القحة؟

أتم تناسي لذة التنزه في بحيرة طبرا جهة صفد والناصرة والجليل؟

ألم يشتد في النفوس الحرمان من التمتع بشواطئ عكا وحيفا ….؟

العجب كل العجب من هجومات يوم العيد المقدس في بداية صيف 2021. العجب كل العجب من طبيعة أحداث طامعة في طمر حلم سفر باحث عن لحظة التمتع بانتماء ترابي بشرعية وجود عربية وفلسطينية. لا ثم لا، في زوابع البحث عن مقومات التساكن والتعايش المضنية، النفوس متحشرجة، والقنوط يتراكم، والميول لإحداث انفجار عظيم للأنفس الرافضة للاعتداءات المتكررة غير مستبعد. التقوقع في المساحات الضيقة ليس من شيم العرب. فثقافتهم لا تحتمل موضع زماني على المقاس، بل تتجاوز رهاناتهم التاريخية الألفة بأمكنة الإهانة.

سجل التاريخ بصرامته قيادات الزمان، ولبس التعاقب عن الزعامة حلة الزمن بمحض إرادة. أما استسلام رواد الانقسام إلى متعة وقت لا ذوق له ولا دوام، فلا يكاد يكون إلا غلسا مؤقتا ستنيره بمنطق السلام قدرة الرحمان بسواعد الأجيال أمثال شباب فلسطين المبتسمين والشهيدة راشيل كوري المتباهية في قبرها برسالة العلامة الدكتور علي القاسمي.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...