عبودية متنكرة..كتبها/ الحسين بوخرطة

عبودية متنكرة

الحسين بوخرطة

نصار البرغواطي، المعروف في أوساط ساكنة دوار واد راس الجبلية، مسقط رأسه، باسم “النية”. أصله قد يكون إما من البشارات أو غرناطة أو بول. مغربي متشبع بقيم الرجولة العربية والمغاربية. كان يتيم الأبوين، ومحبوبا لدى ناس قبيلته، ولدى رجال ونساء القبائل المجاورة. تعلق قلبه بفتاة من قبيلة أنجرة اسمها أسيل. كان متيما بها، ولم تفارق مخيلته أبدا منذ أن رآها لأول مرة. بعد عودته في منتصف التسعينات من هجرة عمل في صحراء دولة خليجية، واشتغل لمدة سنتين في تربية الجمال، عاد إلى مسقط رأسه، واشترى هكتارين من الأرض، وامتهن الفلاحة بعدما بنى في طرفها الشمالي منزلا متواضعا. توجه في الأسبوع الموالي لتاريخ انتهائه من أشغال البناء والتجهيز إلى أمغار قبيلته ملتمسا منه أن يصاحبه لخطبة محبوبته ويزكيه لدى أهلها. أقام حفل زفاف حسب طقوس وتقاليد المنطقة، وعمت الفرحة والبهجة والشغف المتواصل بيت الزوجية. عاشا حبا جنونيا، لكن سرعان ما أصابته براثين القدر الخبيثة. أصيبت سارقة فراشه وربيع وجهه بمرض عضال. باع المتيم كل ما يملك لينقذها، وجال القبائل كلها طالبا من الفقهاء بركة الشفاء بعدما قاوم مرضها وصفات الأطباء وتدخلاتهم الجراحية.

استسلم العاشق المكلوم لليأس جراء قوة الفاجعة وقساوة الفراغ وسواده الخانق. ضاق صدره وانتابه حزن شديد أبى أن يفارقه. لم يعد يحتمل الاستكانة وما ينتابه من شعور بالموت البطيء، فقرر الهجرة لعل الزمن والفضاء البعيد عن ذكرى جنة حبه يهونان كربه، وينجيانه من الحزن المزمن. في فجر يوم ربيعي، غادر قريته متجها إلى قبائل سوس. وصل إلى زناكة، ودخل مسجدها، فوجد الحاج تزيري، مستلقيا على زربية مغربية تقليدية، ماسكا سبحة سوداء يردد أذكار الظهيرة. قدم التحية، وجلس إلى جانبه، وحكى له قصته ومطافئ الحزن تذرف من عينيه. مسح وجهه، ونشف دموعه دون أن ينشف حزنه. تعجب الحاج من شدة وفائه وإخلاصه، فأخذه من يديه مرحبا به في داره. غادرا المسجد بسرعة، سالكين مسارب وعرة. مختال في مشيته، ومثبتا نظره بين الحين والآخر بعيدا في اتجاه منزله، عزم تزيري أن يتجاوز عتبة مسكنه المغربي التقليدي بدون أن يلتقي في طريقه، هو وضيفه “النية”، بأي شخص من رجال القبيلة. تناولا ما طاب من الطعام والشراب، ليسر له الحاج أنه لا يرى مانعا في تشغيله مساعدا في أنشطته الفلاحية. اقترح عليه أجرة يومية، وكلفه بمهام الغد. مرت ثمان ساعات من العمل الجاد بسرعة، ليتفاجأ الحاج بالحصيلة. لقد أنجز صابر ضعف ما تم تحديده، بل تجاوزه بكثير. انبهر تزيري من جدية ومردودية عامله الجديد. تناولا طعام العشاء، ومنحه أجرة أسبوع تشجيعا له، واصطحبه في الغد باكرا إلى سوق قرية بعيدة، واشترى كل احتياجاته، وتناول ما اشتهاه من طعام وفواكه. أحس البرغواطي بفرح شديد، واطمأن لحاله ومستقبله. بنى له الحاج منزلا صغيرا، ونصحه بالزواج من أخت محبوبته الصغيرة. سافرا سويا، وتم إحياء حفل متواضع لعروسته، أخت لؤلؤة حياته. اصطحبها لبيته الجديد، واستمرت الحياة في عالم تزيري وحقوله الشاسعة وأنشطته الفلاحية المتنوعة.

مع مرور الأيام والشهور، تضاعفت ثروة الحاج، وتراكمت ممتلكاته من بساتين ومزارع في قبيلته، وعمارات ومتاجر بالمدينة عاصمة الإقليم. أما نصار، فاستمر في العيش في الكفاف والعفاف، محروما من التجمعات واللقاءات مع أهل زناكة. أنجب طفلين توأمين، أنير ويور، وفتاة جميلة سماها أسيل. عاشت نور ذكراه في البيت الكبير، بيت مشغله، تساعد زوجته في شؤون البيت. أما أنير ويور، فاتبعا مهنة الأب مفتخرين ومتباهين بمهارته ومساهمته فيما راكمه حاضن وكافل أسرتهم من ثروات. بدون كلل ولا ملل، استمرا في تخصيب الأرض وزرعها، والاعتناء بالماشية وتسمينها، وبيع البراميل من الحليب واللبن والكيلوغرامات من الزبدة للتجار بالجملة.

ألم بالبرغواطي فجأة وجع شديد في رأسه، وشعر بالتعب والتراخي. أخذه الحاج في عجل إلى طبيب متخصص. أخبره سرا، بعد فحص دقيق وقراءة لنتائج تحليلات الدم والبول، أن تكلفة علاج خادمه مكلفة جدا. كان مصابا بقرح الفراش ولم يبالي بها إلى أن تحولت إلى قرح مارجولين، ثم إلى سرطان الخلايا الحرشفية. عادا إلى الدار الكبيرة، ليخبرهم الحاج أن نصار يشعر ببعض التعب، ويحتاج إلى راحة تامة لأيام معدودات. في الليلة الموالية، وهو يشعر باقتراب النهاية، ردد الحديث النبوي لعدة مرات “اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي”. عمت سكرات الموت أحشاءه. حضر ملك الموت، وسلم “النية” الروح لخالقها.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...