المناصفة لتكريس العدالة الاجتماعية..! بقلم/ علال المراكشي..

ابعاد الدين عن السياسة،لا تعني عدم الايمان بقدسيته أو وجوده أو أهميته في بناء المنظومة الأخلاقية للمجتمع،لأن المفهوم العلماني في بناء الدولة المتحضرة الحداثية هو الحياد، أي الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، لأن الدين لله والوطن للجميع.

ونحن نعيش في عالم، تفاقمت فيه المظاهر الليبرالية المتوحشة،في نظام رأسمالي معولم أدئ الى تمركز القرارات وتعميق التبعية واتساع الفوارق الاجتماعيةوالمجالية، وتدمير البيئة وكثرة الحروب الاقليمية وتنامي الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية.

أما في بلادنا المغرب، فالواقع السياسي والحزبي والنقابي،يتميز بالتشرذم والمزايدات بين الاحزاب السياسية، والتيه وتفكك الكتلة الوطنية،وتنامي ظاهرة الاسلام السياسي، وتزايد الحركات الاجتماعية العفوية،مع عدم قدرتها على الظهور،بشكل منظم،وارتفاع العزوف عن العمل السياسي، وخاصة لذى الشباب.

ومن أجل بناء مجتمع ديموقراطي حداثي،مبني على المساواة والعدالة الاجتماعية،والتوزيع العادل للثروة،في مواجهة الفوارق الاجتماعية والمجالية، المتولدة عن الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، ومظاهرها المتمثلة في الامبرالية،واستغلال الانسان للانسان، واقتصار ملكية وسائل الانتاج على فئة محدودة من الأغنياء وأصحاب النفوذ والامتيازات.

والديموقراطية روح،يحتاج الى تاريخ راسخ وممارسات لتنميتها وتكريس معناها، والتدريب على معناها، وتقبل نتائجها مهما كانت،وبعض المقتضيات التي تضمنها مشروع القانون التنظيمي للانتخابات المقررة خلال هذه السنة، جاءت بعيدة كل البعد عن التطبيق الامثل للدستور المغربي لسنة 2011 ،ولا سيما الديباجة في الفصول 6و19و30و115و164، وهي المواد التي تقر بالالتزام ببناء دولة ديموقراطية،يسودها الحق والقانون،كخيار لا رجعة فيه،وتشدد على حماية منظومة حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني،والنهوض بهما،والاسهام في تطويرهما مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق،وعدم قابليتها للتجزئ،وحظر كافة أنواع التمييز بسبب الجنس،واقرار الاتفاقيات الدولية،كما صادق عليها المغرب، وسموها فور نشرها، على التشريعات الوطنية.

وقد جربنا في بلادنا عدة أنواع الانتخابية،وقد تأرجحت نتائج ذلك بين الجيد والسئ،وهذه المرة في الاستحقات المزمع اجراؤها في هذه السنة، على الشعب المغربي ،أن يكون يقظا وحذرا من الانتهازيين والوصوليين في اختياراته لممثليه في المؤسسات المنتخبة،وأن لا تنطلي عليه مرة اخرى حلية “شعار محاربة الفساد والمفسدين”،الذي كانت تنادي به حركة 20 فبراير،وخاض به حزب العدالة والتنمية حملته الانتخابية، التي أكسبته تصدر نتائج الانتخابات التشريعية،ومن تم مهدت له الطريق ليترأس الحكومة وقيادة الأغلبية البرلمانية،التي تحكم فيها لتمرير القرارات والقوانين التي أجهزت على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعموم المواطنين، وخاصة فئة الشباب الطامح الى الاستفادة من فرص الشغل والتعليم والصحة والسكن،وكذلك الفئة الوسطى من الموظفين والأجراء، عكس ما كان ينتظره المغاربة بعد ترؤسه للحكومة،من قرارات شجاعة في حق المفسدين وناهبي المال العام ، لكنهم فوجئوا بشعار “عفا الله عما سلف”، وبالقرارات اللاشعبية التي لم تجرؤ أي حكومة سابقة من اقرارها، كتحرير أسعار المحروقات،مما أشعل النار في أثمنة المواد الاساسية الى مستويات قياسية، اضافة الى توظيف موردبيه وأتباع أحزاب الأغلبية،بدون الشروط المطلوبة لتلك المناصب، الى جانب فرض التوظيف بالتعاقد على باقي المواطنين،وتجميد الترقيات والغاء الترقي بالشهادات العليا والديبلومات،ورهن مستقبل البلاد والعباد للبنوك الدوليةبالقروض التي اقترضها دون ان يظهر لها أثر ايجابي على معيشة المواطنين.

الامر الذي يستوجب على مجلس البرلمان، بغرفتيه،استحضار الحس الوطني وروح المسؤولية،لاعادة النظربعيدا عن المزايدات السياسية الضيقة،خدمة للمصالح العليا للوطن والمواطنين، وتجويد منظومة قانون الاستحقاقات الانتخابية المزمع اجراؤها خلال هذه السنة، الذي أحالته الحكومة عليه، سواء المتعلقة بالأحزاب السياسية أو النقابات أو مجلس النواب أو مجالس الجماعات الترابية أو الغرف المهنية، وتكييفها مع مقتضيات تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء، وجعل قضية تعزيز المشاركة السياسية للمراة في صلب مشاريع القوانين المؤطرة للاستحقاقات القادمة، عنصرا محوريا لاسترجاع ثقة المواطنين في الدينامية التي يعرفها المجتمع المغربي،لتوسيع دائرة اشراك المرأة في العملية السياسية، سواء داخل المؤسسات المنتخبة او في هياكل الهيئات السياسية والنقابية،باقرار الثلث ،كحد أدنى لفائدة النساء في ادارة وتسيير مختلف الاحزاب السياسية والنقابية، والزام الهيئات التي ستخوض الحملة الانتخابية، بتقديم نصف مرشحيها من النساء،لاعطاء دفعة جديدة للدينامية التي يعرفها المجتمع المغربي،وتفعيل الفصل التاسع عشر من الدستورالمغربي،الذي يقر بمبدأ المساواة في أفق تحقيق المناصفة،وتجاوز التردد الذي وسم اشراك المرأة في الحياة السياسية،وأثر سلبا على تموقع المغرب في مؤشرات الدول الديموقراطية الحديثة.

صحيح ان المناصفة لن تتحقق بين عشية وضحاها،ولكن تخصيص 30 في المئة من المقاعد للنساء داخل المجالس المنتخبة،سيكون دفعة قويةلتمكين المرأة من المشاركة الفعلية في الحقل السياسي،لأن تراجع الدور ألتأطيري للهيئات السياسية والنقابية،وقدرتهما على تعبئة المواطنين،انعكس سلبا على عمل البرلمان والحكومة، في المشهد السياسي، وكرس لذى المواطنين صورة سلبية عن المؤسسات الدستورية المنتخبة،وضاعف نسبة عزوف المواطنين من المشاركة السياسية.

وعلى الاحزاب السياسية والنقابات،التي ستلج حلبة المنافسة للحصول على المقاعد في الانتخابات القادمة، اعادة النظر في تشكيل هياكلها،وتجويد عروضها السياسية،وتغيير خطاباتها الشعباوية الطوباوية،بخطاب واقعي حداثي،يستجيب لتطلعات وانتظارات المواطنين،سواء في التدبير الجماعي أو الجهوي أو الوطني، والعمل على ترشيح الأشخاص الاكفاء، ذوي التكوين الحداثي الرصين، القادرين على تنزيل وتطبيق برامجها على أرض الواقع ،في حالة نجاحها، لتغيير الصورة المألوفة لدى المواطنين على أعضاء هذه المؤسسات الدستورية المنتخبة.

كتب:علال المراكشي


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...