كتبت ليلى أشملال :الحلقة 36 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975-1991)..

بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي ،الحلقة 36 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975 ،1991)..

بعد ساعتين و نصف، وجدت نفسي وحيدا في مدينة لا أعرفها ولا أدري تحت أي حكم أتيت إليها و كأنما القدر جرني إليها جرا وهو كذلك بالفعل، جئت هربا وعن تخطيط مسبق، لكن أجهل سبب اختياري لهذه المدينة بالذات، قد تكون صدفة وقد تكون اختيار القدر ليجعلني أعيش فيها قصة أخرى غير قصتي.

لجأت لمقهى شعبي قريب للمحطة الطرقية، كنت جائعا فطلبت طبقا من البيض و الطماطم و كأس ماء، بعد أن أنهيت من تناول وجبتي البسيطة تقدمت نحو عامل المقهى لدفع ثمن ما قدم لي كغداء، بعدها سألته عن مكان لاستئجار بيت صغير أو ما نسميه “كرصونية”، علم أنني جديد في هذه المدينة، نظر لي بعمق وكأنه يود حفظ تفاصيل وجهي ثم دخل ناحية مطبخ المقهى و نادى على طفل صغير ، أمره بالذهاب معي عند “السي خالد”.

رافقني الطفل إلى المكان المعلوم، شكرته و منحته بضع دراهم جزاء معروفه معي.

تعرفت على السيد خالد الذي يملك شققا صغيرة للكراء الجماعي المخصص في غالب الأحيان للطلبة أو الفتيات و النساء اللواتي يشتغل في المقاهي أو المعامل، ولا طاقة لهن على دفع ثمن إيجار شقة بأكملها،  فيلجأن لكراء بيت واحد بثمن أقل، بعد نقاش لم يتجاوز ربع ساعة اطلع فيها خالد على بطاقتي الوطنية وسألني بعضا من الأسئلة محاولا التأكد من هويتي و بعض المعلومات خاصتي، قال أنه اجراء لا بد منه كي لا يقع في مشاكل مع المستأجر فيما بعد، خاصة وإن كان مبحوثا عنه من طرف رجال الشرطة، طمأنته بعد أن أخبرته بأصلي و فصلي دون أن أطلعه على تفاصيل حكايتي، بعدها تسلمت مفاتيح البيت الكائن بالقرب من المحل، وقبل أن أصعد للشقة قمت بجولة صغيرة مع خالد عرفني فيها على السوق و الجزار و بعض الأماكن العمومية التي قد أحتاج للذهاب إليها من حين إلى آخر، و رغم أنني كنت متعبا إلا أنني كنت بحاجة لهذه الجولة القصيرة التي أظهرت لي أنني سأقطن في مكان قريب من كل شيء، أو على الأقل غير بعيد عن الأماكن التي يتردد عليها الناس كثيرا كالسوق و متجر البقالة مثلا.

بعد زيارة الحي وإلقاء نظرة على مرافقه العمومية، شكرت “السي خالد “الذي أنهى حواره معي بأن له شرط واحد فقط حتى تظل علاقته جميلة مع زبنائه و هو عدم التأخر في دفع إيجار البيت، أكدت له أنني سألتزم آخر كل شهر بدفع مستحقات الكراء في الموعد المحدد دون تسبيق أو تأخير، هز رأسه شاكرا ثم صعدنا سويا للشقة التي تتكون مساحتها من مطبخ و مرحاض و أربع بيوت، بدا لي أنه يوجد من سبقني إليها، ولحسن الحظ تبقى بيت واحد فقط كان من نصيبي، شكرت خالد مجددا ثم ناولته الدفعة الأولى من الإيجار الذي يحتسب لهذا الشهر، أنهى حواره معي ب “الله يجيب الرزق” ثم غادر لشأنه.

كنت بحاجة للاستلقاء، لكن الغبار المنتشر على باب وجدران الغرفة، جعلني أرغب بالقيام بعملية تنظيف سريعة، لم أكن أملك مستلزمات التنظيف لذا وضعت أمتعتي جانبا و خرجت لشراء بعض الأغراض  التي من بينها حصيرا أنام عليه وبعض أدوات المطبخ، النقود التي بحوزتي يقل عددها شيئا فشيئا، كان لزاما علي أن أذهب للبحث عن عمل صباح يوم الغد حتى أتمكن من دفع مستحقات الإيجار وغيره من الأساسيات و ضروريات العيش.

حينما عدت للشقة، لمحت شخصان يجلسان في البيت المقابل لي، يبدو من مظهرهما أنهما طالبان جامعيان استنتجت ذلك من كم الكتب المدسوسة في الغرفة، كان الباب مفتوحا عن آخره فظهرت لي معظم الأشياء المخبأة بالداخل، ألقيت التحية و وصلني ردها سريعا.

انشغلت ظهر هذا اليوم بتنظيف بيتي الصغير و تجهيزه بالقليل من الأشياء التي أملك، في انتظار شراء الحاجيات الأخرى التي تلزمني حينما أعثر على عمل.

مر الوقت بسرعة، عقارب الساعة تشير إلى السابعة مساءا، نمت قليلا حينما أنهيت التنطيف والتنظيم، وفور استيقاظي أحسست بجوع شديد، ذهبت للمطبخ الذي كان مشتركا بين جميع المستأجرين، و لحسن الحظ لم أجد أي أحد فيه وإلا كنت سأنتظر حتى ينتهي دور الذي سبقني لقنينة الغاز، ثلات بطاطس صغيرة  و بصلة واحدة مع عشرة دراهم من الدجاج و “طاجين” طيني صغير يسع لشخصين فقط وقليل من التوابل، هذا كل ما اشتريته لأجهز عشاء هذه الليلة، قطعت الخضر وتبلت الدجاج ثم وضعت الجميع دفعة واحدة داخل “الطاجين” الذي أغلقته بعد أن وضعته فوق النار، حينما خرجت من المطبخ صادفت وجوها جديدة غير تلك التي رمقتها خلال النهار، كان بي فضول للتعرف على كل من يشاركني سكن هذه الشقة ،في الوقت نفسه فكرت في الانشغال بحالي فقط و وضع حدود بيني و بين الآخرين حتى يظل الإحترام قائما بيننا وحتى نستمر في العيش داخل هذا المكان دون مشاكل أو نزاعات.

شعور الملل يتسلل إلي، لم أجد ما أشغل به نفسي، لهذا السبب قفزت الذكريات تتجسد أمامي فعادت الأحداث التي أريد أن أنساها للواجهة من جديد تسلسل المواقف التي مررت بها مؤخرا تظهر بثقل كبير داخل مخيلتي، وحده صوت النقير على باب غرفتي أيقظني من كابوس الذاكرة، نهضت لأفتح  فإذا بي أجد شابا عشرينيا يخبرني إن كنت أنا صاحب “الطاجين” فأجبت بالتأكيد، طلب مني الشاب الوسيم أن أنظر إن كان قد استوى حتى يتمكن هو أيضا من وضع عشاءه على النار.

توجهت للمطبخ ثم ألقيت نظرة خاطفة على الدجاج الذي وجدته قد استوى، رفعته من على النار مانحا للآخر فرصة طبخ عشاءه، غادرت لدقائق ثم رجعت للمطبخ محملا  بمناديل صغيرة حتى أتمكن من حمل عشائي الساخن من المطبخ إلى الغرفة حيث سآكل و أنام.

رائحة الطاجين الشهية لعبت بأنفي فجعلتني ألتهم وجبتي وهي لا تزال ساخنة، الأكل بسرعة وبشراهة يجعلاني أشبع بسرعة أيضا، تركت الطاجين على الحصير الصغير الذي خصصته لآكل عليه فقط، ثم توجهت ناحية المرحاض كي أغسل يدي من ما علق بها من مرق الطعام، رحل جو التوتر والصمت الذي كان سائدا نهار هذا اليوم وحل محله ضجيج صغير لأفواه تتكلم دفعة واحدة فينتشر أكثر من صوت في الفضاء ، حينما كنت عائدا لغرفتي كي أنام، نادني أحدهم متسائلا “خويا نتا هو الكاري جديد ؟”.

حلقة كل خميس

من توقيع ليلى اشملال


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...