حسون بين كلية الطب ودسائس العمل الليلي (الجزء الأول) بقلم / الحسين بوخرطة..

مباشرة بعد حصوله على شهادة الباكالوريا، علوم رياضية، بميزة ممتاز جدا، تجند حسون ليل نهار لسبر أغوار معارف شعبة العلوم الطبيعية، أي كشف أسرارها ليتعرَّف عن عمقَها ومقدارها، لأنه لم يسبق أن درسها في الثانوي. هيأت له أمه للافاطنة مكانا هادئا داخل منزل الأسرة الهش. أفرشت الأرض بحصير من البلاستيك، وغطته بزربية مصنوعة من بشرويط المستخلصة من الملابس القديمة. وضعت على حائط الغرفة المتواجدة في عمق المنزل، والملفوف بعجين الطين والتبن اليابس، وسادة ممتلئة بكمية كافية من الحلفاء. كان انشغال أم حسون المؤرق هو أن توفر لابنها شروط الراحة الدنيا، التي ستمكنه من العمل لوقت طويل بدون أن يتعب. لقد أرست على بعد عشرين سنتيمترا من الوسادة طاولة من الخشب القديم، المتهالك بفعل انتفاخه بالماء، وغطته بقطعة من البلاستيك اقتنتها من السوق لهذا الغرض. كما وضعت جانيا بطانيتين من الصوف الخالص، ليستعمل الأولى كفراش لخدي مؤخرته يغطي قطعة إسفنج، والثانية ليتدفأ بها من الرطوبة والبرودة ليلا.

في اليوم الأول، قبل بداية أشغال الاستعداد لامتحان الولوج إلى كلية الطب، وما يتطلبه من إلمام عميق بدروس علوم الحياة والأرض وبيولوجيا الأحياء، أقبلت عليه للافاطنة بوجه مبتسم، تغمره سمات الأمل والانفتاح، التي أحجبت تجاعيده المتناثرة على جبينها وجنبات عيونها وخديها، قائلة: “عندما تجوع ابني ناديني لأحضر لك بعض الطعام الذي تحبه. أما الآن، فلقد أعددت لك كأس قهوة مطبوخة بالزعتر والفلفل الأسود، لكي ترفع حدة نباهتك ولا يداهمك النوم مبكرا. كما راعيت قدر المستطاع في تأثيث مكان عملك شروط الراحة. فعندما تتعب عزيزي، وترغب في الاستراحة لبعض الوقت، ما عليك إلا تسريح رجليك تحت الطاولة، وتتمدد على ظهرك لبعض الدقائق”. ابتدأ الكدح بدون هوادة، ولا ينقطع لثوان معدودات إلا عندما يقفز حسون من مكانه لتقبيل يد أبيه العائد منهكا من العمل، وأثناء التهامه للوجبات الخفيفة التي تعدها له أمه. لقد تعود من أجل خلق نوع من التوازن في تغذيته مرافقة لقمه بحبات من الزيتون الأخضر المنغمسة في زيت الزيتون الحر.

وهو يعتبر نجاحه في هذه المباراة بمثابة فرصة العمر التي لن تتكرر أبدا، كان حريصا على العمل لأكثر من سبعة عشرة ساعة في اليوم. يستيقظ صباحا قبل الفجر بنصف ساعة، يتوضأ ويصلي، ليلتحق مباشرة بالمكان الذي خصصته له أمه. يتكئ على الوسادة الممتلئة بكمية كافية من عشب الحلفاء، ويطلق رجليه تحت الطاولة، ويداهم بتركيز شديد محتويات صفحات كتبه وملخصاته والتمارين النوعية وحلولها التي دونها في دفتر من الحجم الكبير. حرص بكل ما لديه من جهد لترسيخ الفهم العميق لمدوناته في ذهنه. يخصص بعض الفترات الصباحية، التي تبتدئ من الفجر كالعادة إلى منتصف النهار، للحفظ والاستظهار خارج البيت متجولا في الحقول الخضراء المجاورة لمدينته المهمشة. في بعض الأحيان، نظرا لضغط الوقت واقتصاد استهلاك الطاقة في منزل الأسرة، يخرج لإتمام عملية الترسيخ المعرفي لمحتوى هذه المادة تحت الأضواء الكاشفة، التي توفرها الإنارة العمومية. إلا أنه كان يفاجئ من حين لآخر بالظلام الدامس يخيم على الشوارع التي تعود الخروج إليها. تألم حسون بسبب تكرار هذه الوضعية ولما يضيعه من دقائق معدودات ما بين الخروج والعودة إلى المنزل. انشغل بضرورة معرفة السبب في ذلك، ليتجه بعدما أنهى واجباته الصباحية إلى رفيق له في الدراسة اسمه عبد الحليم. والد هذا الأخير يشتغل مسؤولا في مصلحة البنيات التحتية بالجماعة الحضرية. لقد أسر له رفيقه، بعدما طلب منه الحفاظ على خصوصية المعلومة، أن انقطاع التيار الكهربائي في بعض شوارع المدينة ليس مرده تكرار حدوث أعطاب تقنية، بل يتم ذلك بأمر من رئيس المجلس لتقليص مبلغ الفاتورة الشهرية. وأضاف: “أنت تلاحظ كذلك انقطاع الماء الصالح للشرب في النافورات العمومية بالأحياء الهامشية لنفس الغرض. أكثر من ذلك، تم إعطاء التعليمات لتقليص عددها، بدون الأخذ بعين الاعتبار عامل بعد الأسر عن النوافير التي تم إقرار اعتمادها.”

استمر في العمل بنفس العزيمة إلى أن اقترب موعد إجراء الامتحان. لقد خصص يومين للنوم الجيد ومراجعة مجمل خلاصات دورسه وحلول التمارين التي هضمها بشكل جيد ودقيق. في يوم الامتحان، استيقظ كعادته قبل الفجر، وأنهى كل طقوسه الصباحية المعتادة. وقبل خروجه ليستقل الحافلة رقم 11 المتوجهة إلى كلية الطب والجراحة، طلبت منه للافاطنة شرب كأس قهوته المنبهة، وتناول ملعقة من العسل الحر للرفع من مستوى حيويته. 

بعد دخوله إلى مدرج “الفرابي” داخل الكلية، جلس في الصف الأول، حاملا في يده مقلمة أدواته فقط، التي وضعها أمامه. مباشرة بعد تسليمه أوراق الامتحان، حملق بشكل متتالي في كل الأسئلة، لينكب على تحرير الأجوبة بخبرة عالية وخط جذاب. لقد أنهى الواجب قبل متم الوقت المخصص للامتحان بنصف ساعة. وخصص الوقت المتبقي للمراجعة. عند سماعه جرس النهاية سلم الورقة لأستاذ الحراسة، وخرج فرحا ومبتسما ومتيقنا أنه أجاب على كل الأسئلة بكل إتقان ودقة. 

عند وصوله إلى منزل الأسرة، وجد للافاطنة جالسة على ركبتيها أمام الباب، ولا هم لها سوى النظر في محيى ابنها وقراءة تقسيماته وارتساماته. لقد أقبل عليها والنور ينبعث من جبينه، ووجنتيه محمرتين، وعينيه براقتين. لقد فهمت للافاطنة أن ابنها تجاوز مفترق الطرق في مشوار حياته بنجاح تام. عانقته بحرارة، وطلبت منه أن تطلق زغرودة خاصة احتفاء به، لكنه توسلها أن تؤجلها إلى يوم إلصاق لوائح الناجحين في الصبورة الحائطية بالكلية. 

بعد مرور أربعة أيام، التحق بمنزله كل أصدقائه وصديقاته معبرين عن فرحهم واعتزازهم بصداقته. لم يخجل حسون من أوضاعه المعيشية، وطلب منهم الدخول إلى الغرفة التي اتخذها فضاء للاستعداد لهذه المباراة، مفتخرا بدعم أمه وحنانها ورعايتها له، معترفا أنه يطمع في رحمة وعون الله عز وجل ليمكنه من تعويض والديه وإخوته خيرا، ينسيهم قسوة الحياة اليومية. لم تصبر رميساء، صديقته المقربة في الثانوية، ذات الجمال الباهر والجسد الجذاب الذي تكسوه آخر ابتكارات الموضة، لتبشره أنه حصل على ميزة ممتاز جدا وعلى الرتبة الأولى وطنيا.

قبل إقدام رميساء على خطوة الاتصال بكل الأصدقاء من أجل القيام بهذه الزيارة المفاجئة، كانت قد استأذنت أباها السيد عبد الكريم الفاطمي، أحد أكبر الأغنياء والأطر الوطنية السامية في السلطة بالبلاد، والمعروف بنزاهته وكفاءته ونضاله في الحياة والسياسة، أنها ترغب بالاحتفاء بنجاح حسون ونتيجته القياسية بحديقة فيلا أسرتها. لم تمر إلا هنيهات من الزمن حتى تلفظت بصوت أنوثي شجي بالمفاجئة أمام كل الحاضرين، لترتفع زغرودة للافاطنة، لتتوالى كالعادة الزغاريد من كل منازل جيرانها. وهي واضعة يدها الناعمتين على كتف حسون، صدحت رميساء ببشرى دعوة كل الجيران، رجالا ونساء، أطفالا وشبابا، لمشاركة أطباء مستقبل البلاد في احتفائهم بالنتيجة القياسية التي حققها هذا الشاب الطموح والاستثنائي. ويد رميساء فوق كتفه، الحركة التي لم يتعرض لها طوال حياته، أحس حسون بقشعريرة قوية، لكنها هذه المرة لا ترادف رعْدَة وتقبُّض أو رعشة أو رجفة ناتجة عن خوفٍ أو رهبةٍ أو اضطراب، بل شعور بفرح ولذة لا تقارن في سجل شعوره بالابتهاج المتراكم طوال حياته. لقد شعر أن كل أعضائه تتكلم خطابا تمتزج فيه اللذة والعنفوان والكرامة، ليبادر عقله على الفور بإعطاء تعليماته الصارمة للأعضاء التي تتوسط جسده بالتحلي بالحذر والاستسلام بقناعة لمبدأ مقاربة النوع والرغبة المتبادلة، واحترام الآخر الأنثوي بملفه المطلبي الشرعي الكبير. لأول مرة يغمره هذا الإحساس في اليقظة بعدما داهمه ليلا لأكثر من مناسبة، ليستيقظ من شدة اللذة، ويجد نفسه مبللا بسائل مُبْيَضٌّ غليظ. لقد استوعب حسون معنى ذلك وطبيعته عندما ألم بشكل جيد بدروس التوالد والتناسل عند الكائنات الحية. لقد علم أن الأمر يتعلق بسائل تسبح فيه الحيوانات المنويَّة، ينشأ من إفرازات الخصيتين ويختلط به إفراز الحوصلتين المنويتين والبروستاتا، يخرج من القضيب إثر جماع أو حلم رومانسي أو نحوه.

وبعد مغادرة رميساء وأصدقاء حسون منزله، بقي معه أهل حيه الهش. وبعد تعبيرهم عن فرحهم الكبير بهذا الإنجاز المستحق وبدعوة رميساء، اجتمعت النساء أمام منزل السيدة “مي كبورة”، القابلة التي يناديها كل أبناء وبنات الحي ب”أمي” لكونها أشرفت على ولادتهم جميعا، موزعين الأدوار فيما بينهن لإعداد طعام العشاء إحياء لليلة حصول حسون على الرقم القياسي في مباراة الولوج إلى كلية الطب. لقد التحقت كل امرأة بمنزلها، لتباشر كل واحدة منهن المهام التي كلفت بها. أما رجال الحي، فقد اتفقوا على قدر المساهمة المالية لكل أسرة من أجل كراء منصة الحفلة، ومكبرات الصوت حديثة الصنع، والفرقة الموسيقية، وفرقة “الدقايقية”، بطلب من مي كبورة وصديقاتها من نساء الحي اللواتي يحببن أداءها وكلماتها القديمة من نوع “العيطة”. أما الشباب والأطفال، فقد كلفوا بالخدمات التي تسهل مهام النساء والرجال، وكذا تقديم المساعدة لبناء المنصة وتجهيزها وإعدادها الجيد، واستقبال المدعوين، وتأمين الحي من دسائس الغرباء.

قصد حسون “مي كبورة” ملتمسا منها قبول دعوة رميساء إلى حفل هذه الليلة تعبيرا عن امتنان سكان الحي بمبادراتها الإنسانية اتجاهه، لترتسم على ملامح محياها ابتسامة جذابة، محركة رأسها مبرزة إشارة القبول. فرح حسون وهرع إلى أقرب مخدع هاتفي، ليبشر صديقته بهذه الدعوة غير المنتظرة.

قبل بداية الحفل بساعة تقريبا أقبلت رميساء رقفة أمها في سيارة فاخرة، يسوقها “باعلي”، الذي تجاوز عمره الستين، وهو من أصول قرية “السفاسفة” التي ينتمي إليها “سي الفاطمي”. فتح السائق لها باب سيارة الأسرة، سوداوية اللون، وأقبلت الفتاة على فضاء الحي وكأنها أميرة بكل المقاييس. بنظارتها الزاخرة بالحب والود، وبوجهها الجذاب، وبحلتها التقليدية باهضة الثمن، ارتفعت التصفيقات والزغاريد بذهول في كل مكان في الحي. 

إن جمالها الباهر، كأنها القمر المكتمل في السماء أو النجوم اللامعة في الليل الكاحل السواد، ووجهها المستدير وردي اللون، وعيناها الخضروان بلون أعشاب البحر، وشعرها الأصفر كأنه خيوط الذهب، دفع شباب الحي إلى التقدم إلى الأمام مشدوهين أمام هذا الإبداع الإلهي.

لقد وجدت في استقبالها حسون، الذي لم يدخر جهدا لتحسين مظهره في هذه المناسبة التاريخية. فعلا، لقد تلألأ حضوره وهو يخطوا خطوات سريعة لاستقبال صديقته. فبالرغم من وضعه الاجتماعي المتدهور، عبر عن لياقة ولباقة عالية. لقد شبهته فتيات حيه بالغصن المزهر، بوقفة كلها جلال ووقار، وعيناه فيهما طموح وتعال. لقد قالت حسناء لصديقاتها :” انظروا كم هم جميل المنظر، نجيب وذكي القلب بطلعة راقية وبهية، طويل القامة ثاقب النظر، له جسم رياضي بذراعين مفتولين، وعيناه سوداوين كحبتي زيتون لامعتان، وشعره جعد فاحم كقطع الظلام، ووجهه قمحي صبغته شمس بلاده بسمرة خفيفة محببة. إني أطلب من الله عز وجل أن يعوض ما بذله من جهد وتحمله من تعب بهذا الجمال الخلاب. لقد حبا الله رميساء بجمال وضاح وحسن زائد. انظروا كم هي مسرة للعيون ومبعث اعجاب لكل من يراها.”

لقد أخذ رميساء من يدها الناعمتين بعدما قمع كل البواعث الشعورية الحيوانية، وصاحبها وأمها والسائق “باعلي” إلى منزله أولا ليستريحا، ثم إلى منصة الحفلة بعدما ارتشفوا كؤوسا من قهوة للافاطنة المفضلة، التي حكا عنها حسون لأصدقائه لعدة مرات. 

وهي تستعد للجلوس على الكرسي الذي أعد لها بعناية قصوى، بادرت هامسة في أذن حسون أنها ترغب في تقديم كلمة في حقه وفي حق أهل حيه الرائعين. فعلا، قبل بداية الحفل، تقدمت إلى الميكروفون وكأنها ملاك، لتصدح بكلمات كلها إشراق، وذكاء متقد يغزل لسانها أجمل الأحاديث، أما عيناها الواسعتان، فكان جمالهما يضاهي جمال حبات اللوز، ملمعتان مثل اللؤلؤ النادر، وأنف دقيق صغير، وفم ضيق باسم لطيف، وشعر منسدل ملتمع حتى كأنه مغسول بماء سحري ومشط بمشط بفعل الأعاجيب. لقد عبرت في كلمة مقتضبة أمام سكان الحي أنها لم تصادف يوما شخصا نبيل الأخلاق كريم القلب والخلق وطروب وجذاب وكادح مثل حسون. هو شاب يحمل بين جنبيه قلبا يزخر بالعواطف الشريفة والإحساسات النبيلة وبرغبة صادقة ودائمة في النفع ومساعدة الآخرين. إنه مثال لكمال الأخلاق وحميد الصفات، بارعا في المعارف والآداب والعلوم والفلسفة…. إنه قنوع وفي نفس الوقت له أحلام كثيرة وكبيرة، يسعى إلى تحقيقها بالمشقة والعمل الدؤوب. بقلبه الطيب وكمال أخلاقه، وعطفه على الناس، وحبه لأهله حبا جما، عاش مقربا جدا إلى قلوب أصدقائه وصديقاته وأساتذته في الإعدادي والثانوي. إنه نموذج شاب يعبر بكل المعاني والمرجعيات الإنسانية عن طيبوبة أهل هذا الحي الرائع برجاله ونسائه وأطفاله.

مباشرة بعد انتهاء رميساء من إلقاء كلمتها، ارتفعت الزغاريد في بداية الحفل، ليترتب عن أول جرة على خيوط الكمان، وما تلاها من أنغام موسيقية مصحوبة باللطمات المدوية والمتناسقة على “البندير” و”التربوكة” و”الطعريجة” و”اسنيترة” و”المقص” و”الطبل”، قوة فنية انجذابية دفعت “مي كبورة” إلى الوقوف مرددة صيحة من الأعماق “الله الله، حافظوا على الميزان لأمكم كبورة”، لتستسلم للرقص والجذبة، محركة كل فضاءات جسمها، بما في ذلك بطنها، بحيث تطاير المنديل الذي يغطي شعرها الأبيض بأطرافه التي تميل إلى اللون البرتقالي بفعل تأثير الحناء البلدي. لقد عانقت حالا من أحوال النفس وغاب قلبها عن عِلْمِ ما يجري من أَحوال الخلق، ويتصل فيها بالعالم العُلْوي. لقد تعجبت رميساء وأمها من قوة هذا الجسم الهرم ومن انحناءاته التي تجذب الجسم نحو مركز الدوران أو محوره. كما أصيبت بالذهول جراء تمعنها في خطابها الفني وسردها للأقوال التي تستحضر قوة الماضي، وتبخس تفاهاته وخرافاته، وتدعوا للتوجه إلى المستقبل بالعقلانية المطلوبة. لقد التحقت بها في فضاء الرقص نساء الحي، بعدما قدمت لوحة فنية من التراث القديم، ليطلبوا من فرقة “الدقاقية” مواكبة الفرقة الموسيقية العصرية بترديد نداءات العيطة، يمتزج فيها الاعتزاز بالقبيلة، بأوصاف ترجع الذاكرة إلى تنظيمها، وأمجاد رجالها ونسائها، وحكاياتها في الحب والعمل الجماعي والفروسية “التبوريضة” والرماية. بملامح صوتية خلابة، بإيقاع يتأرجح بفنية ما بين الهمس والجهر، والتوسط والتركيب، ما بين الشدة والرخاوة والاستعلاء والانفجارية والاستفال، وما بين الإطباق والانفتاح والتفخيم والترقيق، تتدخل” مي كبورة” من مقطع لآخر معبرة عن حاجة أجيال اليوم إلى الاستنجاد بالسلف العقلاني لتحريك واستنهاض همم الرجال واستحضار ملكة الشعر والغناء والعلوم المختلفة والمتنوعة. 

أما الشباب والأطفال من الجنسين فلم يستريحا من الرقص طوال الليل. لقد أبدعوا في تحريك كل أجزاء أجسادهم بشرا وحبورا، وغمرت قلوبهم سعادة لا توصف. لقد انبسطت أساريرهم فرحا. لقد قال علال حفيد مي كبورة للراقصين من أقرانه: “حسون نموذجنا، حتى إن لم نستطع أن نتبع خطاه، فعلينا أن نهتم بأطفال الحي بمساعدته، ليكونوا في مستوى تطلعات آبائهم وأمهاتهم، وفاعلين في قيادة تنمية وطنهم. أنا أطير فرحا لأن جهوده كللت بالنجاح. بفضله انقشع عني الشعور بالهزيمة، وأصبحت أشعر بالنخوة والانتصار بالرغم من أوضاعنا المزرية”. أما محسن، ابن عم حسون من نفس الحي، فأضاف: “أما أنا، فلا أخفيكم سرا أن نفسي هذه الليلة قد فاضت غبطة وحبورا. يا لها من مفاجأة سارة خلفت في نفسي البهجة. لقد تهللت أساريري، والتمعت عيناي سرورا. كاد قلبي يقفز من بين أضلعي فرحا وافتخارا بحسون. انظروا وجوه أهل الحي كم هي طلقة وتفيض بشرا وحيوية وفرحا وانشراحا. الدنيا من حولهم نغم حلو ساحر، يسودها الإيناس والسرور وتغمرها الفكاهة والمزاح والانشراح، وتكتسحها السعادة. انظروا كيف يتبادلون الحديث فيما بينهم في ابتهاج. إنه مشهد رائع حقا أثار زخما من العواطف النبيلة ودفعهم تارة إلى القهقهة وجعل بعضهم يلتوي من كثرة الضحك. ومنهم كذلك من اعتراهم الذهول الشديد جراء إعجابهم أيما إعجاب بحسون وصديقته الحسناء. لقد راقهم ما كانا عليه من حسن وتناسب ونظام. إنهم يحدقون في الفتاة غير مصدقين أنهم فعلا أمام هذا الجمال الخلاب. إن هيأتها غاية في الإبداع والتنسيق. وقد أصغيت لكلمتها بقلبي وعقلي وكياني، وأول ما بهرني وملك عقلي هو ما أروع هذا الخلق وما أبدعه، سبحان الله، كل قلوب شباب الحي يتمنون رفيقة حياة مثل رميساء.”

الساعة تشير إلى الثالثة صباحا، فاجأت مي كبورة الجميع، ودعت الفرقة إلى التوقف عن العزف والغناء قائلة :” بعدما استمعنا في بداية الحفل إلى أقحوانة مدينتنا، النبتة الكريمة مِنَ الفَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَةِ، جاء دور عندليبنا الأسمر. ما شعرنا به من متعة النظر والاستماع إلى زهورها البيضاء التي تنبعث منها الروح الوطنية، وَرَحيقهاٌ الأصْفَرُ المعبر عن جمالية ربانية خارقة، له رَائِحَةٍ عَطِرَةٍ تعبر عن الإنسانية والروح الطاهرة، يحتاج إلى أنغام العندليب وتغاريده ومناجاته لرُؤُوسُ أغْصَانِ الأقحوانة الفاضلة الحاملة لزهُورها المنيرة بعطرها الطافح الذي عم الحي بكامله.” 

يتبع…………………


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...