الحلقة 34 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع(أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975-1991) بقلم ليلى أشملال

بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي. الحلقة 34 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع(أسر شهداء حرب الصحراء المغربية 1975 ،1991).

استيقظت باكرا، كان كل ما في المنزل لايزالو نائمين، أحسست بجوع شديد لأنني لم آكل أي شيء منذ أمس البارحة، غسلت وجهي و ذهبت للمطبخ لأحضر إبريق شاي بالنعناع، ثم توجهت إلى البقال القريب من منزلنا كي أشتري بعض الخبز، التقيت في الطريق مع جارنا علي، تبادلنا تحية السلام بعد ما رمقني بنظرات وكأنه يشفق علي من حالي وحال أختي، أراد أن يفتح معي موضوع شجار ليلة البارحة لكنني تظاهرت بالإنشغال وانسحبت من الحوار الذي كان سيزعجني إن استمر، بعض الجيران يستغفلونني وبعضهم يلح في أسئلته وهو يعلم كل شيء من بداية القصة إلى نهايتها، وقد يكون أدرى بتفاصيل لا علم لي بها أنا شخصيا، لكنهم يتظاهرون بأنهم لا يعلمون أي شيء حتى يستفزوك بأسئلتهم أو طمعا منهم في معرفة أحداث وتفاصيل القصة بالتسلسل كما هي، حتى يبدعوا في إيصالها لجيران الأحياء الأخرى القريبة منا والمجاورة لنا، هي فرصتهم للإنشغال بأحاديث طرية عوض التكلم في ما أكل عليه الدهر وشرب.

هذا الخروج القصير الذي لا يتعدى الذهاب عند البقال، جعلني أخرج بقرار العزم على الرحيل حيث أبدأ حياة جديدة مع أناس غريبين عني وغريب عنهم، فور رجوعي للمنزل تناولت فطوري بتأن ثم ذهبت لأجمع ملابسي في حقيبة جلدية متوسطة الحجم اتسعت لجميع الأغراض التي أنوي أخدها معي، تذكرت شجار الأمس من جديد وعاد إلى ذاكرتي أن جزءا من الطاولة أو “الكروصة” التي أعرض عليها مأكولاتي، يلزمها تصليح وبما أنني لن أبقى في هذه المدينة بعد الآن فكرت في بيعها على حالها، والذي سيشتريها يتكلف بإصلاحها فهي لا تزال جيدة وصالحة للإستعمال، ينقصها عمل يدوي بسيط من النجار كي تعود مثلما كانت، كنت أنوي الخروج من المنزل حينما استيقظت أمي و نظرت إلى حقيبة الثياب متسائلة، قبلت رأسها و وعدتها بأنني سأخبرها بكل شيء فور عودتي مساءا للبيت.

قصدت أحد المعارف الذي يبيع الأشياء القديمة و المستعملة، وضعت عنده الطاولة التي فقدت أحد عجلاتها الصغيرة، قمت بإعادة تركيبها عنده في “المحل”، منتظرا الزبون الذي قد يأتي ليشتريها وخلال فترة الإنتظار التي استمرت حتى الساعة الثامنة ليلا، تبادلنا أحاديث كثيرة بشأن مشاكل أرامل و أبناء ضحايا حرب الصحراء، و الأزمات الإقتصادية والإجتماعية للبلد، بعدها تكلمنا عنه وعن قرار الطلاق الذي اتخده في حق زوجته التي لم تقبل أن يأتي بضرتها، حاولت نصحه بالتراجع عن قراره رأفة بأبناءه، لكنني لم أستطع تغيير أي شيء لأنه كان عازما على قراره، و نقاشنا حول موضوعه ومشكلته انتهى بجملة واحدة منه ” أنا لم تهن علي العشرة ولم أخنها أو أتزوج عليها بالسر، هذا حقي الشرعي وهي أرادت حرماني منه وهي من أصرت على الطلاق وليس أنا “، بعد هذه الجملة العنيفة التفت إلي سألني عن إخوتي و والدتي، طمأنته عن أحوالهم ثم أبديت له رغبتي في السفر وترك هذه المدينة كليا، لم ينصحني كما كنت متوقعا ولم يبدي رأيه في الموضوع بتاتا، لكنه إكتفى بالقول أنني يجب أن أكون حيث أرتاح لأن الراحة والصحة أشياء مهمة بينما الباقي يمكن تعويضه، كان السيد عمران لا يحب التدخل في حياة الناس، كنت أجده حكيما في كثير من المواقف، إلا أن عيبه الوحيد هو أنه “زير نساء” وهذه هي الصفة الوحيدة التي أنقصت من قيمته شيئا ما، فرجال المدينة تخاف على نسائها و بناتها منه وكأنه مغتصب، فمغازلته للنساء كلما تسنت له الفرصة جعلته يقع في مشاكل عديدة خاصة وإن تغزل بسيدة ما يجهل أنها متزوجة.

على الساعة الثامنة والخمس دقائق، حينما كنت سأغادر المحل بسبب الضجر، دخل شاب يبدو من هيئته أنه في عقده الثالث، سأل عن “الكروصة” كانت له النية التامة في شرائها ولكنه لم يكن يريد التنازل عن المبلغ الذي رسمه في ذهنه، وبعد مفاوضات عديدة تدخل فيها حتى صاحب المحل، استطعنا التوصل لثمن مناسب يرضي كلانا ثم أتممنا عملية البيع والشراء، تسلم هو بضاعته وأخدت أنا مبلغي المحترم، حينما غادر الزبون توجهت نحو السيد عمران أعطيه حصته من النقود إلا أنه رفض أخدها بحجة أنه لا يستحق أي شيئ منها، مكتفيا بقوله أنه صاحب المتجر وليس صاحب طاولة المأكولات التي بيعت، شكرته و أوصيته بالإعتناء بنفسه، بعدها غادرت المتجر متوجها نحو المنزل.

في الطريق حاولت التحكم في نفسي كي لا أضرب أي أحد من جديد، لا أريد الدخول في شجار مع أناس يتعمدون الأذية لمرض في قلوبهم فقط، حينما وصلت لبيتنا وجدت بعض النسوة تخرج من عندنا، لازالت خدعة “تشوافيت” تنطلي على سيدات هذه المدينة، وهذا إن دل على شيء فهو مقدار الجهل الذي يغطي سماء هذه المنطقة ويعيش في ثناياها وداخل أذمغة ساكنيها، لا أدري إن كانت أمي ذكية لحد يسمح لها بأن تستمر في هذه الحرفة القديمة حيث تتهافت النساء على منزلها كل يوم مما يكسبها بعض النقود بسهولة، أو قد تكون والدتي مثلها مثلهن تصدق فعلا أن الخزعبلات التي تقوم بها تحل مشاكل النسوة مع أزواجهم الذي كان الله في عونهم، أختي أعدت “السفة”، لا أحبها كثيرا لكن اشتهيت اللمة العائلية هذه الليلة فنحن نادرا ما نجتمع على مائدة الأكل، من الأشياء التي توجعني حينما أفكر بالرحيل، هو أنني سأفتقد هذه اللمة الأسرية قريبا، في الحياة هكذا تأتي الأشياء، لتكسب يجب أن تضحي، أنا أردت كسب راحتي وسعادتي وربما الصمعة التي لطختها أختي، في مقابل الحصول على هذا كان لزاما علي أن أغادر هذا المنزل وهذه المدينة التي ترعرت فيها دون رجعة.

حلقة كل خميس
من توقيع ليلى اشملال


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...