من تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب ” عام الجوع “.. 

عانى المغرب خلال القرون السابقة من سنين عصيبة وقاسية جدا , مرحلة عاش فيها المغرب كابوس ورعب حقيقي , أعوام طبعها الجفاف والقحط والجراد وسنين عجاف ” الطاعون ” و ” التوفيس ” وجل الأمراض الفتاكة , ولم تخف وطأة هذه الامراض والمجاعات حتى النصف الثاني من القرن 20 .

سنة 1945 قام المغاربة ببيع اراضيهم باثمنة بخسة , وهناك من تنازل عليها مقابل الطعام لمواجهة وحش الجوع , واحيانا كان المغاربة يقدمون أبناءهم قربانا لهذا الوحش , واضطر آخرون لافتراس الكلاب والقطط , ولاول مرة في التاريخ قاموا بتناول لحم الخنزير, رغم علمهم بتحريم الديانة الإسلامية له , والضرورة تبيح المحظورات , والغاية تبرر الوسيلة , كان السبب الوجيه لهذه المجاعات والاوبئة التي مر منها المغرب , اضافة الى استنزاف المستعمر الفرنسي لجميع الموارد الغذائية للمغرب , ليقوم بتمويل جيشه في الحرب العالمية الثانية .

وسميت هذه المرحلة بالعديد من الأسماء , ومن الوهلة الأولى تظهر المعاناة والظروف القاسية التي مر منها المغرب في هذه الفترة مثلا ك عام ” الجايحة ” و عام ” البون ” وعام “الحفا والعرا ” وعام ” الصندوق ” , ولماذا هذا الاسم عام ” الصندوق ” بسبب الجوع القاسي , كثرت السرقة وخوفا من سرقة الخبز كان المغاربة يضعون الخبز في الصندوق ويقفلونه باحكام .

عرفت هذه المرحلة , نزيف ديمغرافي كبير لان المغاربة أجبروا على القيام بالترحال من أجل البحث عن الطعام , وكثرت كذلك الهجرة من الأرياف الى المدن , وفي هذه الفترة كان المغاربة يلجأون للدين , لانه يمثل ملاذا او يمكن تشبيهه بترياق او اكسير الحياة الذي يزودهم بالصبر, لكن للأسف جل الصلوات الاستسقائية والتضرع , لم يشفع في إيقاف تلك الكارثة التي وقعت , وببساطة أن الصلوات الاستسقائية عادة ما تقام عند ” الوقفة ” وفي مفهومها الأنثروبولوجي هو ذلك الوقت الذي يكون بالامكان انقاذ الزراعة لأنها تنطلق زمنيا من فصل الشتاء وبداية الربيع , ولكن هذه الفترة يقابلها وقت آخر ويسمى ب ” اليبسة ” وهو الوقت الذي يكون فيه الجفاف قد تواصل زمنا طويلا , ودمر المحاصيل ولم يعد هناك امل في استدراك الامر او انقاذ تلك المحاصيل التي ضاعت .

وهنا غيرت المجاعة , العادات الاستهلاكية للمغاربة بشكل كلي وفرض عليهم الأمر أن يبحثوا عن الأعشاب والنباتات من كل حدب وصوب, وهو ما يسمى ب ” الترميق الغذائي ” ومن بين النباتات التي كان عليها اقبال كبير وهي نبتة ” ايرني ” او جذور ” ايرني ” وهي نبتة معروفة جدا جذرها يشبه لحد كبير حبة البطاطس , كانت تغسل وتجفف ثم تطحن ويصنعون منها الخبز للبقاء على قيد الحياة , وبالرغم من معرفتهم بمضاعفات هذه النبتة على صحة الانسان ك ” قرحة المعدة ” و ” الاسهال الحاد ” الا انها اهون من الجوع .

قاوم المغاربة , هذه الفاجعة بالعديد من الوسائل ولعل أبرزها عملية الادخار وكانت من اهم الطرق النضالية في ذلك الوقت , مثلا كتأسيس ” المطمورة ” من أجل ادخار القوت اليومي .

في هذه الفترة , أصبح المغاربة نباتيين واصبحوا يلجئون للطبيعة باكلهم ” الحميضة ” و ” البقولة ” و ” الخروب ” وفي المناطق الشرقية كانوا يتناولون ” الجراد ” وكذلك ” ثمرة الدوم ” و ” الترفاس ” وهي نبتة شبيهة بالبطاطس , حيث قامت السلطات الفرنسية , باستهلاكها وأمرت جميع المغاربة بجمعها مقابل حصة قليلة من السكر بحكم ندرته في تلك الفترة.

وفي ظل غياب السكر, اتجه المغاربة للعديد من الوسائل والطرق لتحلية الشاي واشهرها تحليته بالتمر والعسل, بالنسبة للطبقة النبيلة والميسورة , أما بالنسبة للطبقة الكادحة الفقيرة كانوا يلجئون لتحلية الشاي عن طريق الجزر , ووصل بهم الامر الى اكل الشمندر المجفف, والقنافذ, والكلاب, والثعالب, والقطط, والطيور بشتى انواعها … لدرجة أن سكان المدن لم يعد باستطاعتهم أن يعثروا على الكلاب والقطط الضالة في الشوارع والأزقة .

أصبح المغرب في حالة يرثى لها, حيث بدأ العديد من الأشخاص يفقدون حياتهم على قارعة الطريق , وتفترسه الكلاب ولا يستطيع اي احد ان يتدخل او يساعد , وبسبب قلة المأكل والملبس لجأ المغاربة لظاهرة ” نبش القبور ” ويستعملون الكفن كلباس .

وجل هذه الأحداث والوقائع الشنيعة تطرق لها – محمد الأمين البزاز – في كتاب ” تاريخ الاوبئة والمجاعات بالمغرب ” بالتفاصيل ودقة كبيرة .

ونتيجة لهذه الأحداث المرعبة, الى جانب التدهور الاقتصادي والسياسي والديمغرافي … تدهورت حتى الحالة الصحية بالمغرب , وشهدت سنة 1942 انتشار فضيع لوباء ” التيفوس ” وهو مرض خطير, يبدأ بزكام قوي , ثم ارتفاع درجة الحرارة , وبعد فترة قصيرة يظهر طفح جلدي على المريض, وفي النهاية ينتهي به المطاف ثم يموت .


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...