الحلقة 27 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع ..بقلم/ ليلى أشملال..

بما ان المؤسسات العسكرية تنكرت لمستقبلنا سنتحدث عن الماضي ،الحلقة 27 من سلسلة في زمن الحرب و الجوع (أسر شهداء حرب الصحراء المغربية)

اتصلت بصديقي ياسين، أخبرته بأنني لن أعود مجددا للعمل في الضيعة، وأنني سأبقى بجانب أسرتي، طلبته بأن يأتي لي بملابسي المتبقية هناك، حاول فهم السبب ولماذا اتخدت هذا القرار فجأة، كان من الصعب أن أشرح له عبر هاتف البقال، فأكدت عليه أننا حينما سنلتقي سأخبره بكل شيء.

مر أسبوع ولا أثر للشاب الذي أنجبت منه أختي طفلها، بحتث دون جدوى، أرهقني الانتظار ولم أعد أفكر الآن سوى في الجنين الذي يتخبط في بطنها، كيف سيعيش؟ لمن سينسب!

ماذا سنقول له حينما يكبر!! أن تكون طفلا لعلاقة غير شرعية مجهول أحد طرفيها هو بحد ذاته سببا في تكوين عقدة لك، وخاصة في المجتمعات التي تصون الشرف وتقتل من أجله وتتباهى به، أنا أشفق على هذا الجنين الذي سيصير في يوم من الأيام شخصا راشدا، سيفهم الكثير و سيجبر على تحمل كلام الناس القاسي الذي لا يرحم وهذا هو عيبنا نحن، نعاتب ونحمل الجريمة لمن لا ذنب له فيها، بينما نتستر على فاعليها، وخاصة الرجل العاهر الذي يلقى حماية من المجتمع لكونه رجلا فقط! ملكا يمشي على الأرض لأنه يمتلك عضوا ذكريا، يتفاخرون به لأنه المخلوق الأقوى والأسمى!! أنا لا أستغرب من وجود هكذا منطق في مجتمعات الجهل!

كان الوقت ما بين الظهر والعصر حينما سمعت طرقا خفيفا على الباب، نهضت لأفتح فإذا بي أرى صديقي ياسين، تفاجئت من وجوده لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة، ارتديت ثيابي على عجل ثم غادرنا نحو المقهى، تفاجئ هو بدوره حينما رآني أدخن السجائر، لكن اكتفى بالنظر فقط والدهشة بادية على وجهه، أنا أيضا لم أكلف نفسي بأن أشرح له لأنني مستغرب أيضا من الحال التي أصبحت عليها.

– على سلامتك، كيف دايرا الأجواء فالفيرمة؟

– كيف خلتيها حتا حاجة متبدلات

– شحال غادي تبقى هنا؟

– 15 يوم وغنرجع

– مزيان

– كبر عقلك وخلينا نرجعو بجوج، شنو لبدل رأيك؟

– عندي مشاكيل منقدرش نرجع

– اينا مشاكيل؟

– ختي حاملة

– شنو قلتي!؟؟؟

– هدر بشوية أصاحبي راه حنا فقهوة، اييه ختي حاملة

– صراحة معرفتش شغادي نقوليك، شنو غادير فهاد القضية؟

– معرفتش، غنديها لشي بلاصة حتا تولد، بلا ميعرفو الجيران الخبار ولا غنعيشو فالفضيحة

– شكون باه؟

– باه دارها وهرب، من نهار جيث ونا كنقلب عليه الأرض تشقات وبلعاتو

– عرف راسو كحلها اكيد غيهرب

– غنلقاه شحال قدو يهرب، ديكساعا غنصفيها ليه

– مديرش شي حاجة تندم عليها، هادشي خصو يتحل بالعقل

– معارف والو اياسين، الدقة ميحس بيها غا لمخبوط بيها

– وهي شنو كتقول؟

– آش عندها ما تقول، غير كتبكي حتى دارتها عاد تنادم معها الحال

– دابا لعطى الله عطاه، معدنا منديرو

– عييت أصاحبي والله حتى عييت…

– شوف خلينا دابا نوضو من هاد القهوة، يلاه معايا الدار و خلينا نفكرو فشي حل لهاد المشكل.

ما يقارب الساعتين ونحن نخمن معا في حل مناسب لما أصابنا، فكرنا في اجهاض الجنين، لكن تأخرنا عن ذلك، هذا ما قالته السيدة التي فحصت أختي في منزلها الذي يتردد عليه الأمهات العازبات لجهض وقتل ما في أحشاءهن بشكل سري، لم أتوقع يوما أن أصاحب أختي إلى مثل هذا المكان القذر وأن أشارك في جريمة بشعة إلى هذا الحد، لم أتوقع أن يموت ضميري يوما، لكنه مات بالفعل!

رسمنا في مخيلتنا حلولا أخرى، لكن سرعان ما تبخرت لصعوبة تنفيذ بعضها، ولاستحالة بعضها الآخر، لم نعد نركز في الجنين بقدر ما نصب اهتمامنا كله على اخفاء الفضيحة الذي يترتب عليها ظهور هذا الجنين، لم نعد معنيين بحياته أكثر من اهتمامنا بسمعتنا وسمعة العائلة، في أحيان كثيرة أحسست و كأنني تجردت من انسانيتي، أحسست وكأنني أعايش وحوشا لا بشر، لكن صوت المجتمع كان أقوى في كل مرة حاولنا التعايش مع فكرة أننا لن نفكر بكلام الناس و أننا غير مجبريين على تبرير وشرح أي شيء لهم، كان ذلك شيئا صعبا، تقوله وأنت مستيقظ لإسكات صوت الخوف الذي يتسسل لداخلك، لكن حينما تختلي بالوسادة ليلا يتمكن منك ذلك الصوت بطريقة تؤمن فيها وبقوة أنك لن تستطيع مواجهة كلام الناس وأنك لن تصمد طويلا أمام الفضيحة! فتعادو التفكير من جديد…….ومن جديد.

حلقة كل خميس

من توقيع ليلى اشملال


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...