نور الدين لشكر يكتب ..الحياة في زمن كرونا وفق مقاربات متعددة: أول إصدار جامعي بالمغرب

بقلم نور الدين لشكر/ باحث سوسيولوجي 

دفعت جائحة “كورونا” العديد من الباحثين والكتاب إلى تناولها كموضوع ومشروع للبحث، وبعيدا عن اللغة التبريرية لعدم الكتابة التي يتخذها البعض بدعوى الحذر وعدم التسرع، فقد تناولت عدد من الأقلام الجائحة انطلاقا من مبادرات فردية في عدد من البلدان، كالمساهمة التي قدمها فريدريك لفيبفروبيرنارد شوسجرو،بعنوان «وماذا بعد كوفيد- 19؟ الوصايا العشر لعقد إنساني جديد»، ثم مساهمات كل من إدغار موران وميشيل مافيزولي وحسن رشيق وأحمد شراك، هذا الأخير الذي وسم منجزه بعنوان: “كورونا والخطاب، مقدمات ويوميات”.غير أن الكتابة حول الجائحة سيخطو فيها بعض الباحثين خطوة أخرى من خلال تقديم مساهماتهم بشكل مؤسسي مما جعلها تتخذ طابعا أكاديميا، وساعد على ذلك وعززه الرؤية الاستراتيجية لتطوير الجامعة المغربية وتأهيلها للانخراط الإيجابي والفعّال في مجتمع المعرفة.

من هذا المنطلق أشرفت جامعة بن طفيل بالقنيطرة على إصدار أول كتاب أكاديمي يتناول جائحة “كورونا” وفق مقاربات متعددة تنتمي لحقول معرفية متعددة، اقتصادية سوسيولوجية تاريخية جعرافية… الكتاب كان بعنوان ” الحياة… في زمن الفيروس التاجي “كوفيد-19″، وقد شارك في هذا المنجز34أستاذا جامعيا قدموا 29 مساهمة حظيت بقراءة لجنة مكونة من 26 أستاذا باحثا من أربع جامعات مغربية. وقد أشرف على تنسيق وجمع المساهمات كل من الأستاذين الباحثين جمال الكركوري وأحمد الفرحان. وقد بين رئيس الجامعة عزالدين الميداوي أنّ هذا الكتاب يسعى إلى “فهم الحاضر وتوثيقه وتقديم مادّة علمية رصينة”، كما يستشرف المستقبل “من خلال تقديم مقترحات ومناهج ومفاهيم ورؤى قادرة على إغناء النّموذج التنمويّ المرتقب”.

ولأن فهم الحاضر لايكتمل إلا باستدعاء دروس الماضي، فقد كانت أول مساهمة لأساتذة باحثين من شعبة التاريخ، قدموا فيها أبرز محطات الأوبئة والحجر الصحي في تاريخ المغرب منذ القرن الرابع عشر الميلادي إلى اليوم، من خلال عناوين بارزة يذكر من بينها: “تاريخ الأوبئة من الطّاعون الأسود إلى كورونا” ل د. محمد حبيدة، ثم د. سعيد البوزيدي من خلال”المؤرّخوالجوائح” وكذا الجائحة بيت المؤرخ والفقيه”…، و”تأثير الأوبئة وتأثيرها على السّكّان”.

وحيث أن المجتمعات وضعت بقوة تحت التهديد والخطر فقد كانت للباحثين السوسيولوجيين مساهمات كتلك التي حاولت الكشف عن الروابط الاجتماعية و تدبير الأوبئة في مجتمع المخاطرة، ثم كيف يتم تجاوز القلق والخوف من الجوائح في المجتمع، ناهيك عن معيش الأسرة المغربية خلال جائحة كوروناوآثاره في المستقبل. ناهيك عن المرافعة التي قدمها د عبد الغني شفيق في ثنايا مساهمته يناقش فيها طروحات وتبريرات الرافضين للكتابة في الجائحة بدعوى المنافحة عن العلوم الاجتماعية. ذلك أن ترك الجائحة بين يدي التفسير العلمي ذي المقاربة الأحادية هو طمس للرهانات الاجتماعية والثقافية، خاصة إذا تعلق الأمر بصناعة القرار.

ولايختلف أحد أن للجائحة آثار نفسية فقد كانت مساهمات الأساتذة من شعبة علم النفس في هذا الإطار، من خلال قراءة انعكاسات قلق كورونا على الفرد والمجتمع، ثم الأثار النفسية للحجر الصحي.

   ولعل المقاربة الاقتصادية للموضوع كانت حاضرة بقوة منذ لحظات الجائحة الأولى، وقد برز ذلك من خلال التغطية الإعلامية للقنوات العالمية والكتابات الصحفية التي استحضرت لغة الاقتصاد، ولذلك ساهمت كل من إلهام الرحاوي وزهرة منصوري وهشام وكيل وغيرهم في تحليل الآثار الاقتصادية لوقع كورونا على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المغرب، ثم سلوك المستهلك المغربي في ظل الجائحة، ناهيك عن العلاقة بين القيود الاقتصادية ومتطلبات الصحة العمومية.

ولم تقتصر المساهمات على ماهو اقتصادي وسوسيولوجي وتاريخي فحسب، بل امتدت إلى الفلسفة، الجغرافيا، علوم البيئة، العلوم القانونية، علوم التدبير، علوم التربية، العلوم التطبيقية والهندسة، واللسانيات، وغيرها، خاصة تلك المساهمات التي حاولت رصد العلاقات القوية للجائحة بالتعليم والحكامة والتنمية… وهو ما عزز تفعيل التكامل في مجالات البحث العلمي من خلال مقاربة الوباء مقاربة متعدّدة التخصّصات.

إن القراءة للكتاب هي سفر معرفي بين تخصصات متعددة، حيث تحسب لجامعة بن طفيل من خلال باحثيها هذه البادرة، وكان بودنا أن تدمج الجامعة مقاربات أخرى، ذلك أنه إذا كانت كل من كليات الآداب والعلوم الاقتصادية والقانونية والإجتماعية حاضرة بمساهمات باحثيها، فإنه يلاحظ غياب مساهمات من كلية العلوم خاصة من حقول البيولوجيا والكيمياء هذا دون إغفال كلية الطب والصيدلة وإن كانت غير حاضرة مؤسساتيا بالجامعة… وهذا الذي يدفع بقوة للتأكيد على ضرورة التنسبق بين الكليات، “فلاعلم إلا بالكليات” كما قال أرسطو.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...