مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في مشهد غريب أثار الدهشة، انفجر النظام الجزائري في احتفالات هستيرية عقب فوز مرشحته بمنصب نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، وكأن الأمر انتصار شخصي له وليس مجرد انتخاب مسؤول لخدمة مصالح القارة. هذا السلوك يكشف أبعادًا سياسية ونفسية أعمق، ترتبط بعلاقة الجزائر بالمؤسسات الإقليمية وهوسها المرضي بالصراع مع المغرب، وهو ما يستوجب تحليلًا معمقًا من منظور علم السياسة.
في العلاقات الدولية، تعتمد الدول على المؤسسات الإقليمية لتعزيز مصالحها الاستراتيجية، لكن الجزائر تحوّل هذه المؤسسات إلى ساحات معارك سياسية تستنزف فيها مواردها وجهودها فقط من أجل تسجيل نقاط ضد المغرب، بدل التركيز على تطوير دورها الفعلي في القارة. الاحتفال المبالغ فيه بفوز المرشحة الجزائرية يؤكد أن النظام لم يكن مهتمًا بمستقبل الاتحاد الإفريقي أو فعالية قيادته، بقدر ما كان يرى في النتيجة انتصارًا دبلوماسيًا في معركته الوهمية ضد المغرب، وهو منظور ضيق يُضرّ بالمؤسسة الإفريقية بدلًا من أن يقويها.
يمكن فهم هذا السلوك ضمن إطار أزمة الهوية السياسية التي تعيشها النخبة الحاكمة في الجزائر. فعلى مدار عقود، اعتمد النظام على صراع مفتعل مع المغرب كآلية لإعادة إنتاج شرعيته الداخلية، في ظل غياب مشروع تنموي حقيقي يحقق الاستقرار والرفاهية للشعب الجزائري. بدلًا من بناء سياسات خارجية متوازنة تعزز التعاون الإقليمي، اختارت الجزائر التمترس خلف عقلية الحرب الباردة، حيث يُنظر إلى كل تحرك مغربي على أنه تهديد وجودي يستدعي رد فعل عدائي. هذه العقلية لم تعد تتناسب مع منطق العلاقات الدولية الحديثة، حيث تركز الدول الناجحة على تحقيق المصالح الاقتصادية والتنموية، بدلًا من استنزاف طاقاتها في نزاعات عبثية.
المؤسسات الإقليمية تُبنى على أسس التعاون المشترك، لكن النظام الجزائري يحاول استخدامها كأدوات لخدمة أجنداته الخاصة، وهو ما يُضعف الاتحاد الإفريقي ويُحوّله إلى ساحة صراعات سياسية بدلًا من كونه آلية لتعزيز التنمية وحل النزاعات في القارة. إذا استمرت الجزائر في هذه المقاربة العدائية، فإن ذلك سيؤدي إلى تقويض فعالية الاتحاد الإفريقي، ودفع العديد من الدول إلى فقدان الثقة في مصداقيته.
السياسة الجزائرية الحالية قائمة على مزيج من الشعارات الأيديولوجية والممارسات غير الواقعية التي لم تعد قادرة على تحقيق أي مكاسب حقيقية. وإذا لم يحدث تغيير جذري في طريقة تفكير النظام، فإن البلاد قد تواجه مستقبلًا محفوفًا بالتحديات، ليس فقط على مستوى علاقاتها الخارجية، ولكن أيضًا في استقرارها الداخلي. الثورة الفكرية التي تحتاجها الجزائر ليست مجرد تغيير في الأشخاص، بل تحول في طريقة التعاطي مع السياسة، من منطق العداء المستمر إلى منطق بناء التحالفات وتحقيق التنمية.
إذا أرادت الجزائر أن تكون لاعبًا حقيقيًا في القارة الإفريقية، فعليها أن تتحرر من عقدة المغرب، وأن تدرك أن القوة الحقيقية للدول تُقاس بمدى قدرتها على تحقيق الاستقرار والازدهار، وليس بعدد “الانتصارات” في معارك إعلامية ودبلوماسية لا تأثير لها على الواقع. استمرار النظام في سياسة الهروب إلى الأمام قد يؤدي إلى عزلة متزايدة، في وقت أصبحت فيه إفريقيا بحاجة إلى شراكات حقيقية تعزز مكانتها عالميًا بدلًا من صراعات عقيمة لا تخدم أحدًا.
