مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الفاركونيت الثانية
نص قصصي: محمد صولة
((شيء مضحك أن تجد الانسانية مكانا لها بين قضبان السجن..))
الممكن من المستحيل. عيون المقالات.ط الثانية/88 .ص26.
هكذا تكلم ذات لحظة عبد الجبار السحيمي، إلى روحه الطاهرة.
1ـ أرى لي وجها …
في ما مضى كان لي هناك حنين إلى المستقبل، لم يلبث هذا الإحساس أن كان غير تنطع في الزمان وفي المكان ليس إلا، مكثت زهاء برهة أو حول، هاهنا، وهنالك، لست أدري البتة، وقطعا فهمت أن الأمور تسير وفق خواتمها، فكرت مليا في نفسي علني أتغير من حالة إلى أخرى، ومن طبيعتي أنني لا أبقى على توهمي للأشياء التي أصبو إليها بعد كلل ممل أتلذذ به، وبعد كل هذا العنت الذي لا أقبله بالمرة، ها أنا أستفيق من صحوي، وألج لغط نومة تبين لي أنها تمشي مشية نعامة، أخفت رأسها في دبابير الرمال المتحركة نحو ثقب في، وما من شك أني سأتحمل هذا السخط الجميل، هذا المنظر الذي لا خوف علي منه، هاهي قد جاءت بلعلعة زمارتها، وقفت برأس الدرب تترقب طيفا ما يخرج من مسام االجلد، نفشت دجاجة ريشها على حين غرة، فرت لتوها، تبعها سلوقي يبصبص بذيله خائفا ومرتج الرأس، لم أكن هناك، هنالك، أنا الذي انحشرت في بالوعة البيت القديم، وتواريت عن الأحداث المرة، وكسابق عهدي بها، وحين تأتي على بغتة، أحس بأن هناك شيئا ما سيحدث، ” وها هي جات”، أضفت: “ومالها آش غ يوقع كاع؟” لكني تسمرت في مكاني، في قلب الغرفة بالضبط، كان صوتها المزعج يحاصر مخيلتي، يستفزني، لأني لا أتحمل سماعه، هذا الوجه الباهت الذي يخرج من عتمات الليل بلا استئذان، يدفعني إلى نبذه بعنف، إلى مقته وكرهه واستهجانه، لاأحد يمكنه اللحظة أن يحببه لي، نزلوا من السيارة الواقفة هناك، يتأبطون ملفات كطلبة يتأهبون لاستقبال لحظة الامتحان الأولى، كان الدق على الباب، أسمعه كتساقط النصال على النصال، بدأت معركة داخل دماغي، لم أستطع تحمل رأسي الذي أصبح ثقيلا، ليس كما عهدته، ولا حتى وجهي الذي امتقع لونه، يكاد أن يفقد بريقه الأسمر المخلوط بالخمري، هكذا كانت تصفه لي أمي حين أنام بين فخذيها فتروي لي بعضا من حكاياتها لأنام،
تقدم أحدهم إلى الباب ودفعه، لم ينفتح، أدار المفتاح في الأكرة الضيقة، عجبت أن العلاقة بين المفتاح والأكرة غير مفهومة، ربما أن المزلاج هو الآخركان معروفا لديهم، لأنهم يبحثون كل شيء عن أي شيء في كل هذا الشيء، يارأسي العاصي الثقيل المثقل بالمآسي، ” ياراسي وما داز عليك وباقي”، حتى وجهي المدفون في أتون صمت البيت، يكاد أن يندلق من مكانه كسائل مخاطي حامض، دخلوا إلى عمق البيت، فتشوا الثياب البالية والغرفة الكابية، والكتب الحمراء وأواني المطبخ القليلة، ورقعة المرحاض المرقطة المرمية تحت عنق الأدراج الخارجية، كنت أشعر بأحدهم يبصق على الأرض، ويدعك برجليه على بصاقه بتلذذ نشوي، وكأنه يلقمني لكمة قوية على صدغي، وعلى أسفل بطني المترهل، دنا مني وتحاشى أن يكلمني أول الأمر، لكنه توثب وانبرى يلامس يدي ويدقق في ملامح وجهي الذي أصبحت أمقته بالكاد، قال بعد صمت قاس:
ـ واش انت هو اللي …
أجبت بسرعة ودون أن أتردد في إعطاء نفسي الحق في الكلام.
ـ إيه أنا هو اللي …
كان يتابع حركات شفتي، أتكلم في صمت مبين، يكاد لا يسمعني إلا قليلا، أفتح فمي وأنسج دوائر منحرفة، تخرج الأصوات مترنحة ومنعزلة عن بعضها البعض، يقول بعجرفة وتأفف:
ـ ياك ما حسيت بالمفاجأة.
ـ راه هي النيت.
ـ وزعما؟
ـ لا، ماكاين والو.
ـ كيفاش؟
بغيت نقول، حتى حاجة…
تحلقوا حولي جميعهم، طافوا بالمكان، لم يتركوا به أي ثقب إلا اكتشفوه ودونوه وصوروه، أحسست بتلعثم بدأ يجمد عضلة لساني، هم كعادتهم كلما يأتون، يريدون التأكد من أن لا أحد معي، وأن لا شيء يمكنه أن يضبطهم، أو يترك لهم أثرا، كان من المفروض أن يحضروا ذات لحظة، بعد أن يدققوا وقتهم جيدا، إلى البيت ليجدوا أن ما كان لهم فيه غير شبيه بي يحمل جسدي ومعه وجهي.
2 ـ الواشمة التي هناك
في الثامنة ليلا إلا قليلا، فتحت النافذة الزجاجية وأشرعت الفدريش الذي يغطيها، كانوا داخل سيارة موشومة بلون دموي، يتناوبون على شفط سيجارة، أتبين جمرتها التي تشع ثم تختفي حمرتها، تأكدت من لون السيارة بفضل سقوط ضوء المصباح الباهت عليها، أما وشمها فقد تراءى لي من خلال انعكاس ضوء السيارات الجانبي، إذ كلما انحدرت واحدة صوبها إلا وبرق الوشم ساطعا من بعيد، تأكد لي كل هذا، وأنا داخل الغرفة كنت أحاذر أن يراني أحد منهم، أو يراني وجهي الذي لم يعد كما كان، قلت في نفسي: ” هذي هي الواشمة الملعونة”، لم يبرحوا مكانهم بالمرة،كلما كنت أهم بإطلالة إلا وأجدهم يرقبون شيئا ما يتماثل لهم نحوي، أتوارى بسرعة فائقة حتى لا يرون طيفي، كانت الليلة شديدة السواد، وما تبقى من أضواء المصابيح الخافتة، تغلفها غلالات عتمات منتشرة هنا وهنالك، متسكعون يزيحون أغطية أسطال الفضلات ويبحثون عما يسدون به رمقهم، سكارى آخر الليل، بعد أن أفرغوا ما في جيوبهم، ولربما تركوا بيوتهم خالية الوفاض، يذرعون الشارع ويكنسون أرضيته الموتورة، كلاب، قطط، هوام، أشباح أشياء و لا أشياء في الزمان وفي المكان إلاهم الجالسون في السيارة، يرقبون انفتاح النافذة وانغلاقها، جمرة السيجارة لا تنطفئ واسوداد الليل تزداد بهمته.
3 ـ حكاية الصومعة والحجام
في نفس الزمان والمكان، كنت أتخيل قصة أخرى في زمان ومكان آخرين، دفعوا الباب الخشبي المحكم الإغلاق بقوة، بدأوا يصرخون أمام الرجل المسن وزوجته الطاعنة في السن، وابنة ابنه التي لم تكمل بعد زهرتها العاشرة، أمها تشتغل في معمل لتصبير السردين نهارا، وفي الليل تقضيه صاحية في فندق المدينة، ” الخبز وما يدير”، أما زوجها فلا يغادر المزرعة إلا في أوقات يستقطعها بمشقة الأنفس، و لا يتردد في إخبار الجنرال بذلك، لم يكن لديه الوقت الكافي للجلوس مع ” نضال” محبوبته الصغيرة، كلما تذكرته إلا وأخرجت ألبوم الصور وسرحت تقلبه يمنة ويسرة علها تشفي غليل تغيبه عنها، ولأن أباها لا يأتي إلى المنزل، فإن أمها هي الوحيدة التي تحاول جاهدة تحريك صمته، أما الجد اليفن فلا يشعر بها، أهي حاضرة أم غائبة؟ ! باستثناء الجدة الكريمة التي تحملها بين يديها، تحضنها بلطف، تغني لها، وتنومها بين فخذيها حاكية لها حكايات من الزمن الغابر، لكنه لما ترك المزرعة ذات ليلة، اغتيل الجينرال وزوجته الفرنسية، بحثوا في الأمر جيدا ولم يجدوا غير غياب ” كامل”، الحارس الأمين والخادم الخدوم الرزين، كان في ذات اللحظة “ناقصا”، قيل: “طاحت الصومعة قالوا علقوا الحجام”، تملكه خوف رهيب هو وعائلته، لأنه لم يظن أن هذا سيقع، غمرته وساوس وأوهام، انتهت بالزج به في غيبات السجن، بكته الزوجة والبنت، وافتقده الأب والأم إلى الأبد، لزم محبسه مدة عشر سنوات ونيف، خرج بعدها منهكا ومريضا بداء عضال لم يمهله الالتذاذ بطيب الحياة ونعيمها من جديد، أصيب بنزيف حاد في دماغه، وكان قدره أن يموت وهو في ريعان رجولته، هكذا قيل يومه، وهناك من قال بأن وفاته كانت نتيجة ورم خبيث تكون في رأسه فمات لتوه، وفي نفس الأسبوع، ولربما من شدة هول الفاجعة، سيموت الأب وزوجته تباعا، بقيت امرأته متشحة بوشاح أبيض كحمامة لا مرسم لها، أما الإبنة ” نضال” فداومت على حمل ألبوم صور العائلة داخل محفظتها، إذ كلما سئلت عن أبيها، كانت تخرج صورته وتقفز في الهواء مرددة: هذا أبي، سيعود يوما.
4 ـ الصوت و… الصدى
في الشارع الخلفي لا تزال جلبة أصوات صاخبة، وأمامي الآن، لما فتحت فدريش النافذة وحملقت في اتجاهات عديدة، رمقت نفس السيارة الموشومة باللونين الباهتين والمسمرة في مكانها المعلوم، أسمع نغمات وترية لرويشة وأخرى غيوانية متداخلة معها، تأتي من أقصى الزقاق، وهذا الشخص الذي يزورني مرات ومرات، يعز علي أن أفارقه ولو للحظة واحدة، صاحب نكت ومستملحات، لكن ما يعجبني فيه هو تحليله للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، وطنيا وعربيا ودوليا، يقرأ بنهم الكتب والمجلات والجرائد، أينما وضعت إصبعك تجد جرحا غائرا فيه يستحق التداوي، اسمه “عمر”، ويحلم أن يكون له ابن يسميه “المهدي”، أوابنة يسميها “سعيدة”، لا يأبه بالآخر، يعيش لذاته فقط، يجيء في وقته المحدد، وإن تطلب منه الأمر ذلك يمكنه أن يحضر بغثة، لا أدري لماذا كان حريصا على ضبط الوقت بكل هذه القساوة، وأنا أراقبهم بين الفينة والأخرى من خصاص النافذة، تحركت السيارة من مكانها واتجهت قليلا إلى الخلف، ثم إلى الأمام، رميت ببصري من النافذة إلى الخارج، لم تعد تظهر منها إلا مؤخرتها، الليل جاثم على فضاء الشارع وينوء بكلكله المدلهم، دقات متتابعة على الباب، كنت كلما أفتحه أحس برهبة قوية، وكأنني أدفع جبلا تساقط فوق صدري، وأقتلع أحجاره حجرا حجرا، وقع أقدام أسمعه يصطفق وأدراج الخارج الملتوية كأفعوان، وشوشات تخرق مسامعي كأزيز نحل، أظن أنهم على مقربة من عتبة بابي، دق خفيف هذه المرة، أفتح، لا أفتح، بين الدقات والدق، وبينه وبينها، وما بينهما، بقيت حائرا في الأمر، لكني في الأخير أشرعت الباب على مصراعيه، لم أر أحدا، عجبا، كان البهو فارغا، ربما صعدوا الأدراج نحو الفوق وتوهمت أنهم طرقوا بابي، لا، هذا لم يكن، سمعت بأذني هاتين الطرقات العنيفة والدق الخفيف، أصغيت جيدا للوقع، أنا متيقن أنه وقع كل هذا، أعوذ بالله، قد يحصل في سرحة خيال، أو في إغماضة توهم، أغلقت الباب ورائي، ولذت بداخل الغرفة، استنفرت كل قواي، اتخذت لي مكانا محاذيا للنافذة، ولكي لا يبصرني أحد وأنا اتجسس على الخارج، غطيت صفحة وجهي بما انسدل من الستارة الموشاة بسفيفة أرجوانية منقوعة باللون الزعفراني، أراقبهم وأحاول أن أتتبع خطواتهم السريعة والبطيئة، لاشيء تراه غير تحركاتهم المشبوهة، انضغاط فرامل قوي يحدث صداعا في رأسي، أرمي بنفسي على زجاج النافذة، أزيح قليلا وبحذر ما تهدل من الستارة نحو الأسفل، أتابع إشاراتهم العنيفة التي تخفي أشياء تبدو لي مقززة، وبقوة زائدة تطير السيارة ذات الوشم المعلوم في الهواء مخلفة وراءها الفراغ والغبار، لكن، ماذا حصل بعد هنيهة من الزمان؟ تركن سيارة ثانية مكان الأولى، هذه الأخيرة كانت قديمة ووضيعة، أما الثانية فجديدة ومسيجة النوافذ بشبابيك حديدية، ينزل منها أربعة أشداء، استطعت أن أستبين عددهم، لايزال الليل ينشر عباءته الفحمية على أبهاء المكان بعناد قوي، هذه المرة سمعت وقع أقدام مدو، التواءات الأدراج تصيب الصاعد بالغثيان من جراء ضيقها واتساخها، يقتربون من بابي، أترقب النقر أو الدق أوشيئا آخر، يجتازونه، صمت يضج به الفوق، فرقعة معنفة وصراخات غير مفهومة، تكسير باب وهرج ومرج يعم الردهات، لم أتمكن من معرفة ما يحصل ، التصقت بالنافذة التي كانت ملاذي الوحيد الذي يفضح صمت الخارج، نزلوا به إلى الأسفل وشدوا بيديه إلى الخلف، لم يكن يصيح في وجوههم، أو يرد بحركات من جسده على دفعهم له، يجرونه من لباسه وقفاه، يدخلونه إلى السيارة من بابها الخلفي، لما كان يعبر الطريق رفع رأسه عاليا ينظر باتجاهي، نعم، أعرف كل المعرفة أنه تفقد نافذتي ليراني ويودعني، وددت لو لوحت له بيدي، بأصابعي، لم أتمكن من رد الفعل، اندفعت الفاركونيت الثانية نحو مكان مجهول، إنه عمرالذي يحلم بشيء يحمله لوحده في رأسه، هو هكذا صوت عنيد دائما، أما ما تبقى فقد كان رجع صدى.
5 ـ سيارة بيضاء
في الليلة الموالية، وقفت سيارة بيضاء من نفس حجم السطافيط، لم تكن موشومة هذه المرة، زمارها أزعج الساكنة وهدوء الليل، وما أن وقفت الفاركونيت حتى انطلقت سيارة السطافيط من غير أن تشعل أضواءها، ضحكت وخلت أنني كنت ربما في حلم.
08 ـ 06 ـ 2012
سيدي سليمان
السابق
التالي
