Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

العدالة لا تقاس بمن يحاكم .. بل بكيفية محاكمته

ليست قوة الدول في كثرة قوانينها، ولا في صرامة العقوبات التي تنص عليها نصوصها، بل في قدرتها على إقناع مواطنيها بأن القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع. فالدولة التي يثق مواطنوها في عدالة مؤسساتها لا تحتاج إلى إقناعهم بأنها تطبق القانون، لأن سلوكها هو الذي يتكفل بذلك. أما حين يصبح تطبيق القانون نفسه محل نقاش، فإن القضية لا تعود قضية شخص، وإنما قضية ثقة في الفكرة التي تقوم عليها الدولة الحديثة: أن العدالة لا تتجزأ، وأن الحقوق لا توزع وفق ميزان الهوية أو الموقف أو الرأي.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية الصحفي علي المرابط مجرد ملف معروض على القضاء، بقدر ما تشكل مناسبة لطرح سؤال أعمق وأكثر إزعاجا: هل ما زالت دولة الحق تقاس بما تنص عليه القوانين، أم أصبحت تقاس بكيفية تنزيلها؟

لا أحد، في دولة تحترم نفسها، ينبغي أن ينازع القضاء اختصاصه في الفصل بين الناس. ولا أحد يملك حق مصادرة سلطة المحكمة في تقرير البراءة أو الإدانة. لكن ما يسبق الحكم لا يقل أهمية عن الحكم نفسه. فالإجراءات، كما يقول فقهاء القانون، ليست تفاصيل تقنية، بل هي جزء من العدالة ذاتها. لذلك لم يكن عبثا أن يعتبر الفيلسوف الإيطالي تشيزاري بيكاريا أن احترام الضمانات القانونية هو أول أشكال احترام الإنسان، لأن الظلم يبدأ غالبا من الطريقة التي يعامل بها المتهم قبل أن يدان.

إن قرينة البراءة ليست عبارة بروتوكولية ترددها المحاكم في افتتاح جلساتها، وإنما هي حجر الأساس الذي تقوم عليه المحاكمة العادلة. ولذلك، فإن أي خطاب إعلامي أو رسمي يسبق القضاء في تقديم رواية جاهزة عن الوقائع، أو يمنح أحد أطراف النزاع صفة الضحية والآخر صفة الجاني قبل صدور حكم نهائي، لا يمس بحقوق شخص بعينه فقط، بل يمس واحدة من أقدس الضمانات التي راكمتها البشرية بعد قرون من مقاومة التعسف.

لقد كتب الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو أن “الحرية هي الاطمئنان الناتج عن الثقة في القوانين”. غير أن هذه الثقة لا تبنى بمجرد وجود النصوص، وإنما بإحساس المواطن أن القانون لا يغير ملامحه بحسب الشخص الذي يقف أمامه. فالمساواة أمام القانون ليست أن يخضع الجميع للقانون فحسب، بل أن يخضعوا للإجراءات نفسها، وللضمانات نفسها، وللمعايير نفسها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز شخص علي المرابط: لماذا يشعر الرأي العام أحيانا بأن القانون يتحرك بسرعة في ملفات، ويتباطأ في أخرى؟ ولماذا تبدو بعض القضايا وكأنها تحظى باهتمام استثنائي، بينما تمر قضايا مشابهة في صمت؟ إن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها تشكيكا في القضاء، وإنما باعتبارها دفاعا عن صورته، لأن القضاء المستقل لا يخشى الأسئلة، بل يكتسب قوته من قدرته على الإجابة عنها عبر الممارسة.

ثم إن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن علي المرابط نفسه ظل، لسنوات، هدفا لحملات تشهير وقذف واغتيال معنوي، شاركت فيها منابر وأصوات معروفة، دون أن يتحول ذلك إلى قضية رأي عام بنفس الزخم. وليس المقصود هنا عقد مقارنة بين الملفات أو المشتكين، وإنما التذكير بحقيقة بسيطة: القانون الذي يحمي خصوم المرابط يجب أن يحمي المرابط أيضا. فالحقوق لا تبنى على المواقف، وإنما على المواطنة.

لقد صاغ الفيلسوف الأمريكي جون رولز معيارا بالغ الدلالة حين اعتبر أن العدالة هي “الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية”. ومعنى ذلك أن المؤسسات لا تقاس فقط بمدى احترامها للنصوص، وإنما بقدرتها على إقناع الجميع بأن النصوص تطبق عليهم بالقدر نفسه، وبالطريقة نفسها. وعندما يتسلل الإحساس بالانتقائية إلى الوعي الجماعي، تصبح المشكلة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية، لأن الثقة التي تفقد في العدالة يصعب استعادتها بالأحكام وحدها.

إن الدفاع عن حق صحفي في محاكمة عادلة لا يعني الدفاع عن آرائه، تماما كما أن الدفاع عن حق خصومه في اللجوء إلى القضاء لا يعني التسليم بادعاءاتهم. فالعدالة لا تطلب من المواطنين أن يحبوا بعضهم، وإنما تطلب من الدولة أن تعاملهم بالمساواة نفسها. ولهذا كانت الديمقراطيات الراسخة تقيس قوة مؤسساتها بمدى احترامها لحقوق من يختلفون معها، لا لمن يتفقون معها.

وقديماً قال الإمام علي بن أبي طالب: “العدل أساس الملك.” ولم يكن يقصد بذلك كثرة الأحكام، وإنما استقامة الميزان. فالملك، أو الدولة بلغة العصر، لا ينهار حين يخطئ قاض، وإنما حين يفقد الناس يقينهم بأن ميزان العدالة واحد للجميع.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب دولة القانون ليس وجود متهمين، ولا كثرة القضايا المعروضة أمام المحاكم، بل أن يتحول تطبيق القانون نفسه إلى موضوع للريبة. فالدولة الواثقة من عدالة مؤسساتها لا تحتاج إلى محاكمات إعلامية، ولا إلى روايات تسبق القضاء، لأنها تعلم أن هيبة القانون تبنى داخل قاعات المحاكم، لا خارجها.

لذلك، فإن قضية علي المرابط، بصرف النظر عن مآلاتها القضائية، تظل اختبارا لشيء أكبر من شخصه، وأعمق من ملفه. إنها اختبار لقدرة الدولة على أن تثبت، بالفعل لا بالقول، أن العدالة لا تفصل على المقاس، وأن الحقوق لا تمنح بحسب الموقع، وأن القانون لا يصبح أكثر صرامة مع طرف، وأكثر مرونة مع آخر.

فدولة الحق لا تعرف من الطريقة التي تدين بها مواطنيها، بل من الطريقة التي تحمي بها حقوقهم وهم في مواجهة سلطة الاتهام. وهناك، تحديدا، يبدأ الفرق بين دولة تطبق القانون ودولة يؤمن مواطنوها بعدالة القانون.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...