مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
كتبه: عبد الكامل بوكصة
بعد خمس سنوات من إطلاق النموذج التنموي الجديد، الذي قُدِّم باعتباره خارطة طريق لإرساء مغرب أكثر تنافسية وعدالة اجتماعية في أفق سنة 2035، بدأت ملامح أول تقييم حقيقي لهذا المشروع الوطني الطموح تتشكل من خلال المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها مرحلة التنزيل الأولى.
وفي هذا السياق، أصدر المركز المغربي للاستشراف الاقتصادي والاجتماعي تقريراً بعنوان “خمس سنوات من النموذج التنموي الجديد: ماذا تحقق وما الذي تعثر؟”، قدم من خلاله قراءة تقييمية لحصيلة نصف عقد من تنزيل هذا الورش الاستراتيجي، مسلطاً الضوء على ما تحقق من مكتسبات، وفي المقابل على مكامن التعثر التي ما تزال تعيق بلوغ الأهداف المعلنة.
استثمارات ضخمة ومشاريع مهيكلة… لكن الأثر الاجتماعي محدود
يرصد التقرير نجاح المغرب في إطلاق مجموعة من الأوراش الاقتصادية الكبرى التي عززت جاذبية المملكة كوجهة للاستثمار. فقد شهدت السنوات الأخيرة تدفق استثمارات مهمة في قطاعات الصناعة والسيارات والطاقات المتجددة والبنيات التحتية، مدعومة بإصلاحات قانونية ومؤسساتية استهدفت تحسين مناخ الأعمال وتبسيط المساطر الإدارية.
كما ساهم الميثاق الجديد للاستثمار في استقطاب مشاريع استراتيجية كبرى، فيما واصل المغرب تعزيز موقعه كقطب اقتصادي ولوجستيكي يربط بين أوروبا وإفريقيا.
غير أن التقرير يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى انعكاس هذه الدينامية الاستثمارية على الواقع الاجتماعي للمواطنين، خاصة في ظل استمرار معدلات البطالة وارتفاع تكلفة المعيشة واتساع الفوارق المجالية.
الدولة الاجتماعية… تقدم ملموس وتحديات قائمة
ومن بين أبرز الأوراش التي سجلت تقدماً خلال السنوات الخمس الماضية، ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي اعتُبر أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية بالمملكة خلال العقود الأخيرة.
فقد توسعت التغطية الصحية لتشمل ملايين المواطنين، كما شهد قطاعا الصحة والتعليم إصلاحات متتالية تروم تحسين جودة الخدمات العمومية وتقوية آليات الدعم الاجتماعي للفئات الهشة.
ورغم أهمية هذه المكتسبات، يؤكد التقرير أن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ما تزال دون مستوى الانتظارات في العديد من المجالات، وهو ما يجعل أثر هذه الإصلاحات محدوداً مقارنة بحجم الموارد التي تم تعبئتها لإنجاحها.
التشغيل… الحلقة الأضعف في النموذج التنموي
إذا كانت المؤشرات الاقتصادية تسجل بعض التحسن، فإن ملف التشغيل يظل، بحسب التقرير، النقطة الأكثر إثارة للقلق في حصيلة النموذج التنموي الجديد.
فمعدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال عند مستويات مقلقة، بينما لم تنجح وتيرة النمو الاقتصادي والاستثمارات المنجزة في خلق فرص شغل كافية وقارة تستجيب لتطلعات فئات واسعة من المجتمع.
ويشير التقرير إلى أن الفجوة ما تزال قائمة بين مخرجات منظومة التعليم والتكوين ومتطلبات سوق الشغل، كما أن عدداً من القطاعات الاقتصادية لا يزال عاجزاً عن إنتاج مناصب شغل ذات قيمة مضافة قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على العمل.
ويبدو أن الرهان الاجتماعي للنموذج التنموي يصطدم اليوم بواقع اقتصادي لم ينجح بعد في تحويل النمو والاستثمار إلى فرص تشغيل حقيقية ومستدامة.
الفوارق المجالية… تنمية بسرعتين
وعلى الرغم من المشاريع الكبرى التي شهدتها مختلف جهات المملكة، لا تزال الفوارق المجالية تشكل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام النموذج التنموي الجديد.
فالمؤشرات المتعلقة بالدخل والولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية وفرص الشغل تكشف استمرار التفاوت بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الجهات الأكثر استفادة من الاستثمارات وتلك التي ما تزال تعاني من الهشاشة وضعف البنيات الأساسية.
ويرى التقرير أن تحقيق العدالة المجالية لا يزال بعيد المنال ما لم يتم توجيه السياسات العمومية والاستثمارات نحو تقليص هذه الفجوات وضمان استفادة متوازنة لجميع الجهات من ثمار التنمية.
الحكامة والثقة… الشرط الغائب
ولا يقف التقرير عند حدود الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، بل يسلط الضوء أيضاً على أهمية الحكامة باعتبارها المدخل الأساسي لإنجاح أي نموذج تنموي.
ففعالية المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية تظل، وفق التقرير، من الشروط الضرورية لضمان نجاح الإصلاحات وتحقيق الأهداف المرسومة.
هل فقد النموذج التنموي بوصلته الاجتماعية؟
بعد خمس سنوات من انطلاقه، يبدو النموذج التنموي الجديد أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، نجح المغرب في إطلاق أوراش كبرى وتعزيز جاذبيته الاستثمارية وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، ومن جهة أخرى ما تزال البطالة والفوارق الاجتماعية والمجالية وجودة الخدمات العمومية تمثل تحديات ثقيلة تعيق ترجمة هذه الإنجازات إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
ويخلص المركز المغربي للاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى أن نجاح النموذج التنموي لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، بل بقدرته على خلق فرص الشغل وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وبين طموح الأرقام وانتظارات المواطنين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح النموذج التنموي الجديد في تصحيح مساره الاجتماعي خلال السنوات المقبلة، أم أن فجوة التشغيل والعدالة المجالية ستظل العنوان الأبرز لهذه المرحلة؟
