مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
في عالم يُعاد تشكيله على إيقاع الأزمات، لم تعد الطاقةمجرد مورد اقتصادي، بل تحولت إلى لغة سيادة تُكتب بها موازينالقوة بين الدول. وفي هذا السياق المتحول، لا يبدو سؤال الطاقةفي المغرب سؤالًا تقنيًا بقدر ما هو سؤال سياسي عميق: هل تملكالدولة قرارها الطاقي، أم أنها لا تدير سوى مظاهر هشاشته؟
من الوهلة الأولى، تبدو الصورة مطمئنة. المغرب يُقدَّم كواحدمن النماذج الصاعدة في مجال الطاقات المتجددة، وقد تمكنبالفعل من تحقيق اختراقات مهمة، حيث بلغت نسبة القدرةالكهربائية المركبة من مصادر متجددة حوالي 45%. كما أنالمشاريع الكبرى في الطاقة الشمسية والريحية، وعلى رأسهامجمع نور، منحت البلاد موقعًا متقدمًا إقليميًا، ورسخت خطابًارسميًا يقوم على فكرة “الريادة الطاقية”.
غير أن هذه الصورة، على ما تحمله من وجاهة، تخفي فيعمقها مفارقة بنيوية حادة. فالفحم لا يزال يمثل حوالي 59% منإنتاج الكهرباء سنة 2024، وأكثر من ثلثي الطاقة المنتجة فيالبلاد تعتمد على مصادر أحفورية. هنا يتكشف التناقضالصارخ: بلد يستثمر بكثافة في الطاقة النظيفة، لكنه لا يزالرهينًا لبنية طاقية تقليدية.
ولا تقف المفارقة عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى بنيةالاقتصاد نفسه. فمنذ سنة 2015، يعتمد المغرب بشكل شبه كليعلى استيراد المحروقات، وهو ما يجعل أمنه الطاقي مرتبطًابشكل مباشر بتقلبات الأسواق الدولية. وقد كشفت المعطياتالرسمية في أبريل 2026 أن احتياطي البلاد لا يتجاوز 51 يومًامن الديزل و55 يومًا من البنزين، وهو مؤشر دال على هشاشةاستراتيجية في مجال يُفترض أنه سيادي. ومع الارتفاع المتكررلأسعار النفط في سياق الأزمات الجيوسياسية، خاصة فيالشرق الأوسط، بلغت فاتورة واردات الطاقة حوالي 11.5 ملياردولار سنة 2025، ما يعني أن جزءًا مهمًا من السيادة الاقتصاديةيُحوَّل سنويًا إلى الخارج.
بهذا المعنى، لا يمكن فهم الأمن الطاقي في المغرب إلاباعتباره مجالًا تتقاطع فيه مفارقتان: إنتاج متزايد للطاقة النظيفةمن جهة، واستمرار تبعية هيكلية للخارج من جهة أخرى. إنهامعادلة تختزلها عبارة مكثفة: المغرب يُنتج طاقة نظيفة، لكنهيستهلك سيادة مستوردة.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: أين يكمن الخلل؟
الجواب لا يرتبط بندرة الموارد، بل بطبيعة النموذج المعتمد. فالمغرب يتوفر على إمكانات طبيعية استثنائية في مجال الطاقةالشمسية والريحية، وقد نجح في استقطاب أكثر من 38 ملياردولار من الاستثمارات، ويطمح إلى بلوغ 52% من الطاقاتالمتجددة بحلول 2030. غير أن هذا التراكم الكمي لم يُواكَببتحول نوعي في بنية المنظومة الطاقية.
القصور الجوهري يتجلى في ثلاثة مستويات مترابطة: غياب منظومة فعالة لتخزين الطاقة، ضعف التحكم في سلاسلالقيمة الصناعية، واستمرار التبعية للخارج في التكنولوجياوالوقود. وبهذا المعنى، يمكن القول إن المغرب ركّز على إنتاجالطاقة أكثر مما ركّز على التحكم فيها. وهو ما يجعل منجزاته،على أهميتها، أقرب إلى “نجاحات تشغيلية” منها إلى “تحولاتسيادية”.
الأمن الطاقي، في جوهره، لا يُقاس فقط بكمية الطاقةالمنتجة، بل بمدى التحكم في مساراتها: إنتاجًا، وتخزينًا،وتوزيعًا، وتكنولوجيا. ومن هنا، فإن الانتقال نحو سيادة طاقيةحقيقية يمر عبر ثلاثة تحولات عميقة: أولها، الانتقال من منطقالإنتاج إلى منطق التحكم، من خلال الاستثمار في التخزينوالشبكات الذكية والهيدروجين. ثانيها، تحويل الطاقات المتجددةإلى رافعة للسيادة الصناعية عبر تطوير صناعة محلية للمعداتوالتكنولوجيا. وثالثها، الارتقاء بملف الطاقة إلى مستوى القرارالسيادي المرتبط بالأمن القومي.
وفي غياب هذه التحولات، يظل خطر صامت يتسلل إلىالنموذج المغربي: خطر التحول إلى “مزرعة طاقية” تُنتج الطاقةالنظيفة لفائدة الخارج، دون أن تضمن استقلالها الداخلي. هذاالخطر يتغذى من مشاريع الربط والتصدير، التي تطرح سؤالًاحرجًا: هل المغرب ينتج الطاقة لنفسه، أم للآخرين؟ خاصة في ظلتحذيرات دولية من تحول شمال إفريقيا إلى مزود للطاقة النظيفةلأوروبا، في مقابل استمرار الاعتماد الداخلي على الطاقاتالأحفورية.
استراتيجيًا، لا يمكن الجمع بين موقع “مُصدِّر للاستدامة”وواقع “مُستورد للتبعية”. فالدول التي تتحكم في طاقتها تتحكمفي قرارها، أما تلك التي تفتقد ذلك، فتظل تدير هشاشتها مهمارفعت من شعارات الانتقال الطاقي.
في هذا السياق، تبدو المقارنة مع تجارب دول مثل تركياوإسبانيا دالة. فهذه الدول لم تكتفِ بتطوير قدراتها الإنتاجية، بلركزت على بناء منظومات صناعية متكاملة، والتحكم فيالتكنولوجيا، وتنويع مزيجها الطاقي. وهو ما يفرض على المغربتبني نموذج مرن يجمع بين الواقعية والطموح، من خلال تنويعمصادر الطاقة (غاز، فحم، متجدد، كهرومائي، وربما نوويمستقبلًا)، مع الاستثمار في صناعة وطنية قادرة على تقليصالتبعية.
وفي هذا الإطار، تبرز الشراكات الدولية كرافعة أساسية،لكنها تظل سلاحًا ذا حدين. فالشراكة مع الاتحاد الأوروبي تفتحآفاق التمويل والتكنولوجيا، خصوصًا في مجال الهيدروجينالأخضر، في ظل سعي أوروبا لاستيراد 10 ملايين طن بحلول2030. كما تمثل ألمانيا شريكًا تقنيًا متقدمًا في مجالات التحولالطاقي والتخزين، بينما توفر إسبانيا فرصة للتكامل الإقليميوالربط الكهربائي. وتساهم فرنسا والمؤسسات المالية الدولية فيتمويل المشاريع الكبرى وتقليل المخاطر الاستثمارية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات لا تكمن في حجمالتمويل، بل في قدرتها على نقل التكنولوجيا وبناء الصناعة. فليست كل شراكة مفيدة بالدرجة نفسها؛ هناك شراكات تعمّقالتبعية، وأخرى تؤسس للسيادة.
وفي ما يتعلق باستيراد التكنولوجيا، يتوزع المشهد العالميبين قوى متعددة: الصين باعتبارها “مصنع العالم الطاقي”المسيطر على 70 إلى 80% من سلاسل إنتاج الطاقة الشمسية،وألمانيا كمرجعية في الجودة والتكنولوجيا المتقدمة، والدنمارك كقوةرائدة في طاقة الرياح عبر شركة Vestas، والولايات المتحدة فيمجال الشبكات الذكية والذكاء الاصطناعي، وإسبانيا كشريكإقليمي، وكوريا الجنوبية واليابان في تكنولوجيا البطاريات. والتحدي هنا ليس في اختيار طرف واحد، بل في بناء نموذجمتعدد الشراكات يوازن بين الكلفة، والتكنولوجيا، ونقل المعرفة.
وانطلاقًا من أن الطاقة لا تُستورد بل تُبنى صناعيًا، فإنتحقيق السيادة الطاقية يقتضي مسارًا تدريجيًا واضح المعالم. في المرحلة الأولى (إلى حدود 2030)، يتعين التركيز على تأسيسقاعدة صناعية أولية في مناطق مثل طنجة والقنيطرة وورزازات،لتصنيع مكونات الطاقة الشمسية، وتجميع الألواح، وتطويرصناعة الرياح، وإطلاق إنتاج أولي للبطاريات، مع إحداث مناطقصناعية طاقية مدعومة بحوافز قوية. وفي المرحلة الثانية (2030–2035)، يصبح الهدف هو الانتقال إلى التصنيع العميق عبرفرض نسب إدماج محلي (40% ثم 60%)، وتصنيع الخلاياالشمسية، وتطوير أنظمة التخزين، وتعزيز الاستثمار فيالهيدروجين الأخضر. أما المرحلة الثالثة (2035–2040)، فترومتحقيق السيادة التكنولوجية من خلال الاستثمار في البحثالعلمي، وإنشاء معهد وطني للطاقة والتخزين، وتطوير حلولمغربية في مجال البطاريات والشبكات الذكية.
ولضمان نجاح هذا المسار، يبقى الإطار التشريعي عنصرًاحاسمًا، من خلال اعتماد قانون للسيادة الصناعية الطاقية، يؤطرالإدماج المحلي، ويواكب إصلاح منظومة التكوين، ويحفز القطاعالخاص، ويدعم المقاولات الوطنية.
في الخلاصة، يقف المغرب اليوم أمام معادلة دقيقة: طموحمشروع في الريادة الطاقية، مقابل تبعية بنيوية لم تُحسم بعد. والرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة المشاريع، بل في إعادةتعريف موقع الطاقة داخل المشروع الوطني: من قطاع اقتصاديإلى ركيزة للسيادة.
ففي عالم اليوم، لا يكفي أن تنتج الطاقة النظيفة؛ بل يجبأن تتحكم فيها، وتخزنها، وتُصنّعها، وتُصدّرها وفق شروطك. وإلا،ستظل خارج معادلة القوة، تستهلك ما ينتجه الآخرون، وتبيع ما لاتتحكم فيه.
وهنا يتحدد السؤال الحاسم: هل يريد المغرب أن يكون قوةطاقية… أم مجرد فاعل داخل منظومة الآخرين؟
