Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

ما يتركه الباب مواربًا

(قصة قصيرة)

حين استيقظ عمّار، كان الضوء قد سبقَه إلى الغرفة.تسلّل من شقّ النافذة، وانبسط على الطاولة، حيثتتكدّس أوراقٌ غير مرتّبة.

نهض ببطء، كأن جسده يتعلّم الوقوف من جديد، واقتربمنها. مدّ يده، سحب ورقة، قرأ سطرًا، ثم ابتسم ابتسامةًلم تكتمل.

سمع همس من خلف الباب، ثم جاء صوت ابنه:أبيهل أنت مستيقظ؟.

تعال.

دخل الصغير بخطواتٍ خفيفة، نظر إلى الأوراق، ثم إلىوجه أبيه:هل هذه قصصك؟.

محاولات.
ولماذا تمزّقها؟.

توقّف عمّار، نظر إلى قصاصةٍ في يده، ثم قال:لأنها لاتقول الحقيقة.

وما الحقيقة؟.

ابتسم، كأن السؤال أكبر من الغرفة:شيءٌحين نقتربمنه، يبتعد.

في المطبخ، جلسا متقابلين. غمس عمّار خبز الشعير فيالعسل، ثم في زيت الزيتون، كأن الطعمين لا يكفيانلإرضاء شيءٍ غامض. كان الابن يراقبه بصمت، قبل أنيسأل: أبي، هل يمكن أن يختفي الإنسان؟.

رفع عمّار رأسه فجأة:لماذا تسأل؟.

لا شيءفقط خطر ببالي.

تأمّله لحظة، ثم قال بهدوء:نعمأحيانًا يختفي دون أنيغادر.

كيف؟.
حين لا يقول ما يجب أن يُقال.

سكت الاثنان. كان الصمت هذه المرة أثقل من السؤال.

حين عاد عمّار إلى غرفته، لمح ورقةً مختلفة بين أوراقه. لمتكن بخطّه. تجمّد. التقطها ببطء، كأنها قد تنفلت إناستعجل. قرأ السطر الأول. وتغيّر وجهه.

من أين جاءت هذه؟

كان الابن عند الباب:

وجدتها في الدرج.
من أعطاك إياها؟
رجل.

اقترب عمّار بسرعة:أيّ رجل؟!”.

لم أعرفهكان ينظر إليّ فقط، ثم قال: أعطِ هذالأبيك.

سكت عمّار. عاد إلى الورقة. قرأ بصوتٍ خافت:كنتَتجيد الكتابة عن الضوءلكنك تركت ظلّك يتكفّلبالباقي.

ارتجفت يده. جلس ببطء.

ماذا يعني هذا يا أبي؟.

لم يجب.

شيءٌ قديم انفتح فجأة.

قاعةٌ ضيّقة، وجوهٌ متوترة، وأصواتٌ تتقاطع. ورقةٌ أمامه،وقلمٌ في يده. اسمٌ يُتلى، وصوتٌ يسأله: هل تؤكّد؟.تردّد، ثم قال: نعم. بعدها، لم يرَ ذلك الوجه مرة أخرى.لكنّه لم يغب.

أبي؟

عاد من سهاده. نظر إلى ابنه، كأنه يراه لأول مرة.

ذلك الرجلهل قال اسمه؟.
لالكنه قال إنه سيعود.
متى؟.
قال: حين يفتح الباب.

في المساء، صار الضوء أقلّ، والظلال أطول. كان عمّارجالسًا أمام أوراقه، يكتب بسرعة لم يعرفها من قبل. الكلمات تتدافع، تتعثر، تعود. كأنها تحاول أن تسبقشيئًا.

دخل الابن:أبيالرجل هناك.

تجمّد القلم.

أين؟.
عند الشارعينظر إلى هنا.

اقترب عمّار من النافذة. نظر. لم يرَ أحدًا. فقط ظلًّاممتدًا، ساكنًا، كأنه ينتظر. عاد إلى الطاولة.

أبي، ماذا تكتب؟.
ما تأخرتُ عنه.
هل هو مهم؟.

توقّف، ثم قال:بعض الأشياءإن لم تُكتب، تبقى حيّة.

طرْقٌ خفيف على الباب. ليس عنيفًا. لكنّه حاسم. نظرالأب إلى الابن. نظر الابن إلى الباب.

هل هو؟ سأل الصغير.

لم يجب عمّار. وقف. تقدّم خطوة. ثم أخرى. مدّ يده نحوالمقبض وتوقّف. عاد ببطء. جلس.

دفع الأوراق نحو ابنه.

اقرأ.
الآن؟.
نعم الآن.
وماذا عن الباب؟.

نظر إليه طويلاً، ثم قال:بعض الأبوابتُفتح منالداخل أولًا.

استمرّ الطرق هادئًا ثابتًا كأنه يعرف أن الوقت فيصالحه.

كان الابن يقرأ. صوتُه منخفض، لكنه واضح:لم يكنالخطأ في ما فعلتُبل في أنني ظننتُ أنه سينتهي.

رفع عينيه:

أبي

لكن الكرسي كان فارغًا. الباب ما زال مغلقًا. والطرقتوقّف. على الطاولة، بقيت الأوراق. وفي أعلاها، عنوانبخطٍّ واضح: ما يتركه الباب مواربًا.

وتحته سطرٌ أخير، كُتب على عجل:حين نؤجّلالحقيقةتطرق بابنا بأسماءٍ أخرى

ثم فراغ.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...