مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
(قصة قصيرة)
حين استيقظ عمّار، كان الضوء قد سبقَه إلى الغرفة.تسلّل من شقّ النافذة، وانبسط على الطاولة، حيثتتكدّس أوراقٌ غير مرتّبة.
نهض ببطء، كأن جسده يتعلّم الوقوف من جديد، واقتربمنها. مدّ يده، سحب ورقة، قرأ سطرًا، ثم ابتسم ابتسامةًلم تكتمل.
سمع همس من خلف الباب، ثم جاء صوت ابنه: “أبي… هل أنت مستيقظ؟“.
دخل الصغير بخطواتٍ خفيفة، نظر إلى الأوراق، ثم إلىوجه أبيه: “هل هذه قصصك؟“.
توقّف عمّار، نظر إلى قصاصةٍ في يده، ثم قال: “لأنها لاتقول الحقيقة“.
ابتسم، كأن السؤال أكبر من الغرفة: “شيءٌ… حين نقتربمنه، يبتعد“.
في المطبخ، جلسا متقابلين. غمس عمّار خبز الشعير فيالعسل، ثم في زيت الزيتون، كأن الطعمين لا يكفيانلإرضاء شيءٍ غامض. كان الابن يراقبه بصمت، قبل أنيسأل: “أبي، هل يمكن أن يختفي الإنسان؟“.
رفع عمّار رأسه فجأة: “لماذا تسأل؟“.
تأمّله لحظة، ثم قال بهدوء: “نعم… أحيانًا يختفي دون أنيغادر“.
سكت الاثنان. كان الصمت هذه المرة أثقل من السؤال.
حين عاد عمّار إلى غرفته، لمح ورقةً مختلفة بين أوراقه. لمتكن بخطّه. تجمّد. التقطها ببطء، كأنها قد تنفلت إناستعجل. قرأ السطر الأول. وتغيّر وجهه.
كان الابن عند الباب:
اقترب عمّار بسرعة: “أيّ رجل؟!”.
سكت عمّار. عاد إلى الورقة. قرأ بصوتٍ خافت: “كنتَتجيد الكتابة عن الضوء… لكنك تركت ظلّك يتكفّلبالباقي“.
ارتجفت يده. جلس ببطء.
لم يجب.
شيءٌ قديم انفتح فجأة.
قاعةٌ ضيّقة، وجوهٌ متوترة، وأصواتٌ تتقاطع. ورقةٌ أمامه،وقلمٌ في يده. اسمٌ يُتلى، وصوتٌ يسأله: “هل تؤكّد؟“.تردّد، ثم قال: “نعم“. بعدها، لم يرَ ذلك الوجه مرة أخرى.لكنّه لم يغب.
عاد من سهاده. نظر إلى ابنه، كأنه يراه لأول مرة.
في المساء، صار الضوء أقلّ، والظلال أطول. كان عمّارجالسًا أمام أوراقه، يكتب بسرعة لم يعرفها من قبل. الكلمات تتدافع، تتعثر، تعود. كأنها تحاول أن تسبقشيئًا.
دخل الابن: “أبي… الرجل هناك“.
تجمّد القلم.
اقترب عمّار من النافذة. نظر. لم يرَ أحدًا. فقط ظلًّاممتدًا، ساكنًا، كأنه ينتظر. عاد إلى الطاولة.
توقّف، ثم قال: “بعض الأشياء… إن لم تُكتب، تبقى حيّة“.
طرْقٌ خفيف على الباب. ليس عنيفًا. لكنّه حاسم. نظرالأب إلى الابن. نظر الابن إلى الباب.
لم يجب عمّار. وقف. تقدّم خطوة. ثم أخرى. مدّ يده نحوالمقبض… وتوقّف. عاد ببطء. جلس.
دفع الأوراق نحو ابنه.
نظر إليه طويلاً، ثم قال: “بعض الأبواب… تُفتح منالداخل أولًا“.
استمرّ الطرق هادئًا ثابتًا كأنه يعرف أن الوقت فيصالحه.
كان الابن يقرأ. صوتُه منخفض، لكنه واضح: “لم يكنالخطأ في ما فعلتُ… بل في أنني ظننتُ أنه سينتهي“.
رفع عينيه:
لكن الكرسي كان فارغًا. الباب ما زال مغلقًا. والطرق… توقّف. على الطاولة، بقيت الأوراق. وفي أعلاها، عنوانبخطٍّ واضح: “ما يتركه الباب مواربًا“.
وتحته… سطرٌ أخير، كُتب على عجل: “حين نؤجّلالحقيقة… تطرق بابنا بأسماءٍ أخرى“
ثم فراغ.
