Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

من التنظيم الذاتي إلى التدبير الإداري؟ قراءة نقدية في مشروع إعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة

دفاع عن روح التنظيم الذاتي في زمن الالتباس القانوني

في لحظات التحول التشريعي الكبرى، لا يقاس وزن القرارات بآثارها الآنية فحسب، بل بمدى انسجامها مع الفلسفة الدستورية التي تؤطر المجال العام. والجدل الدائر اليوم حول إحداث لجنة إدارية خاصة لتدبير شؤون المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد خلاف تقني حول مسطرة انتقالية، بل اختبار حقيقي لمدى إيمان الدولة بمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، كما كرسته التجارب الديمقراطية الحديثة، وكما تؤطره المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها مبادئ باريس.

لقد أعاد مشروع المرسوم بقانون المقترح إلى الواجهة سؤالا مؤجلا: هل نحن أمام فراغ قانوني يستدعي تدخلا تنفيذيا مباشرا، أم أمام مرحلة انتقالية يمكن تدبيرها بأدوات الاستمرارية المؤسساتية إلى حين استكمال المسار التشريعي؟ الفرق بين الحالتين ليس إجرائيا، بل فلسفي بامتياز. ففي الأولى، تصبح السلطة التنفيذية وصية على مرفق مهني يفترض أنه مستقل؛ وفي الثانية، تصان روح التنظيم الذاتي بوصفه آلية ديمقراطية لضبط المهنة من داخلها.

صحيح أن بعض الاجتهادات القضائية اعتبرت المجلس ذا طبيعة عمومية، بالنظر إلى تركيبته القانونية ووجود ممثلين عن مؤسسات دستورية ضمن بنيته. غير أن هذا التوصيف لا يلغي جوهره كهيئة تنظيم ذاتي. فالطبيعة العمومية لا تعني التبعية، كما أن الاستقلال لا يعني الانفصال عن الدولة. إن التوازن الدقيق بين هذين البعدين هو ما يصنع فرادة النموذج.

التاريخ الدستوري الحديث يعلمنا أن استقلال الهيئات المهنية لم يكن يوما منحة من السلطة، بل ثمرة نضال طويل من أجل حرية التعبير وكرامة الممارسة. حين كتب الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل أن “الصحافة ليست فقط أداة حرية، بل هي شرط وجودها”، كان يدرك أن استقلالها المؤسسي هو صمام أمان النظام الديمقراطي. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة انتقالية ينبغي أن تنطلق من سؤال الحماية لا من منطق التدبير الإداري البحت.

في فرنسا، يقوم مجلس أخلاقيات الصحافة والوساطة على مبدأ التنظيم الذاتي الطوعي، بعيدا عن وصاية مباشرة من الحكومة. وفي المملكة المتحدة، ورغم الجدل الذي أعقب تقرير ليفيسون، حافظ نموذج التقنين الذاتي على جوهر استقلاله عن السلطة التنفيذية. أما في السويد، فإن مجلس الصحافة يعد مثالا كلاسيكيا على فعالية التنظيم الذاتي، حيث تدار الشكاوى المهنية من قبل الجسم الصحفي ذاته، مع ضمانات للشفافية والمساءلة.

هذه النماذج تنسجم مع روح مبادئ باريس المتعلقة باستقلالية الهيئات الوطنية، والتي تشدد على ضرورة تحصينها من أي تأثير تنفيذي مباشر، وضمان تعدديتها وشرعيتها المهنية. فجوهر الاستقلال ليس في النصوص وحدها، بل في هندسة التعيين وآليات اتخاذ القرار.

الجدل الراهن يطرح خيارين: إما تعيين لجنة انتقالية برئاسة قاض وعضوية ممثلين غير مهنيين، أو تسريع المصادقة على القانون المعدل بما يسمح بإعادة انتخاب هياكل المجلس. وبين الخيارين، يكمن فارق رمزي عميق. فالأول قد يفهم، حتى لو حسنت النوايا، كتقليص لهامش التنظيم الذاتي، خاصة إذا جاء من خارج الإرادة المهنية المباشرة. أما الثاني، فينسجم مع مبدأ أن “أهل المهنة أدرى بشعابها”، وهو مبدأ ليس شعارا رومانسيا، بل قاعدة مؤسسية أثبتت نجاعتها في التجارب الديمقراطية.

إن استحضار الجدل الذي رافق مشروع القانون 22.20، ومواقف الفاعلين المهنيين الرافضة لبعض مقتضياته، يذكرنا بأن المجلس لم يكن يوما هيئة صورية، بل مارس أدوارا نقدية دفاعا عن حرية التعبير. وهذا الدور الرقابي الأخلاقي يفقد معناه إذا غابت عنه مسافة الاستقلال.

الصحافة ليست مرفقا إداريا يدار بمنطق التعليمات، بل سلطة معنوية تستمد مشروعيتها من ثقة المجتمع. وكما كتب الفقيه الدستوري الألماني يورغن هابرماس: “الفضاء العمومي لا يدار، بل يصان”. صيانة هذا الفضاء تمر عبر تمكين الصحفيين من تسيير شؤونهم المهنية بأنفسهم، ضمن إطار قانوني واضح ومتوازن، لا عبر حلول انتقالية قد تضعف الثقة في المسار برمته.

إن الدفاع عن استقلالية المجلس الوطني للصحافة ليس موقفا فئويا، بل خيارا استراتيجيا لحماية حرية التعبير في دولة المؤسسات. فكلما اقترب التنظيم من منطق الوصاية، ابتعد عن فلسفة الدستور. وكلما تعززت آليات الانتخاب والمساءلة الذاتية، ترسخت المهنية وارتفعت كلفة الانحراف.

في نهاية المطاف، يبقى الرهان أكبر من لجنة مؤقتة أو مسطرة انتقالية. إنه رهان على صورة المغرب كدولة تحترم التزاماتها الدولية وتؤمن بأن حرية الصحافة لا تدار من فوق، بل تبنى من داخل الجسم المهني ذاته. وبين ضرورات التأطير القانوني ومتطلبات الاستقلال، يظل الميزان الدقيق هو الضامن الوحيد لكرامة الصحفيين ولمصداقية مؤسساتهم.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...