مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لعل المثير في هذا العمل الروائي الجديد للأستاذ عبد الحميد شوقي ، هو عامل الجرأة التي اتسمت بها كتابته ، للكشف عن حيوات أفراد تتقاطع مصائرهم في ماض مليءبالألم، والقسوة . كلما برز شخص من شخوص الرواية على واجهة الاحداث،إلا وصعق القارئ بمأساته، وحرقته. من قتل للأم، ودفن للسر، وزجبالأب في غياهب السجن، والقضاء على إنسانيته .امتهانأم للدعارة ،وانتقام طفل لكبرياء أب عاجز عن المواجهة. تبني طفلة بالتحايل على الصمت،رغم انتمائها العرقي المختلف، مع تبني حياة راقية زائفة، كشفت أقنعتها لتنهار في لمح بصر.وهو المسار السردي الذي أبرز طبيعة النظرة إلى الآخر “بشكل عرقي بغض النظر عن الحمل السفاح، بعيدا عن كل إيمان بالحرية الفردية، والانتصار للفكر الحر، التي كانت الأسرة تتباهى باعتناقه. من خلال الإشارات العديدة التي برزت عبر حوارات عائلة “مثقفة” تنتمي لجيل جديد. .
تطرح الرواية بشكل جديد، منظور المثقف الى الذات، والعالم، والاخر. تناقش بعمق أخطر الإشكالات الأبستمولوجيا ، والسياسية.منتقدة الإرهاب، والعنف الذي كان العنوان المشترك، بل قاسما عانت منه كل الشخوص. عنف مادي “كالضرب، والتعنيف الجسدي ، والنفسي ، وعنف رمزي، شكله الانتماء، والمعتقد ، وقسوة العيش،” واختلاف النظرة الى الجسد، الذي شكل مركزا، ومحورا أساسيا للنقاش، جسد الأنثى، جسد الذكر، تمثل الجسد، والنظرة إليه بصفة عامة، سواء كجسد منبوذ،أو ذاعر.أو كجسد متحكم فيه، وفي رغباته، كجسد العمة مثلا “قبل أن تكشف عن أسراره، وعن ماضيها من خلال الصورالشخصية .
لقد قدمت “سدوم” كذلك، منظورا جديدا لمفهوم الرواية، منتقدة المفاهيم السابقة ، ومعيقات الكتابة الروائية ذاتها. بانفتاحها على أكثر من سند، وبتبنيها لأكثر من مرتكز جديد، يتناص مع القصيدة، والصورة، والأغنية، والمذكرات، والأقوال المأثورة ، والحكم، والتحارب الحياتية الخاصة، والسينما، والسيناريو، والمتن الديني، والنكتة، والحكاية، والمتن التراثي، والروائي، والاسطورة .
ليؤكد هذا الروائي الفذ، والنجيب، أن الكتابة الرواية ليست محرد سرد للأحداث، أو وصف الوقائع،أو رصد للأمكنة فقط. لقد جاب بنا عوالم الكتابة الروائية العالمية، في إطار محاورة راقية، بين متون عديدة، ولقطات سريعة. كشفت عن مخزونه القرائي المتين، وعن درايته العميقة للأشياء. من خلال عمل روائي راق.جعلنا نتوسم فيه فتحا جديدا للكتابة الروائية العربية، انطلاقا من مكونات الثقافة المغربية، المتنوعة،المتعددة،والمبرزة لهويتنا المغربية،بعيدا عن كل مزايدة، أو نقاش بيزنطي.
فعبد الحميد شوقي يطرح في روايته سدوم،أكثر من قضية، ويناقش بسلاسة المثقف العضوي إشكالات معاصرة، تتحاوز الحدود الضيقة،ليفتح الأبواب على مصراعيها، لإعادة النظر في مفاهيم متعددة: كالهوية الأمازيغية ، ودلالة الرقص، وحرية المعتقد، ومفهوم الجسد، والجنس. عاكسا آمال شرائح عديدة في التعبير بكل حرية،عن رغبتها في التغير. وتبني رؤية سياسية جديدة في البلاد. من خلال اشارتهإلى حركة “عشرين فبراير”.كاشفا عن تطلعات الفئات المثقفة في البلاد، من خلال ما تمت مناقشته من أفكار داخل المتن، عبر حوارات عكست وعيا على مستوى التناول، وزوايا النظر المختلفة الىالواقع المغربي بصفة عامة.
رواية سدوم، بقدر ما ارتكزت على الأسطورة ، ستعمل طيلة واحد وعشرين فصلا على إبراز أساطير معاصرة، مندسة في ثنايا الذاكرة، والوجدان. في لا وعي شخوص جمع بينهم حب الأدب، والفن، والتشكيل، والسينما، والحرية، رغم انتماءاتهم، ومشاربهم المختلفة، ليضح البوح، والكتابة، نزيفا لا يتوقف عبر الاسترجاع . وأبرزت كذلك أسئلة تنطلق من أبواب القلب المشرعة، أو عبر الشغف،أو في لحظات الانكسار، للكشف عن زوايا نظر للواقع، والذات، والحياة . .
لقد تعمدت رواية سدوم على إبراز دور “الأنتلجنسيا”كأبطال جدد، في عمل روائي جمع بين المخرج، والممثلة، والشاعر، والروائي،والجمعوية، والمناضل.مكتسحة مجالات أرحب، داخل وخارج المغرب. للكشف عن معاناة الذات الإنسانية، في بحثتها عن أصولها المتعرية، المتحررة، في أصقاع مختلفة. عبر سرد تجارب مبدعين عالمين، وفلاسفة، وفنانين. لتضحى الشلة الرجيمة: الراهب،وسامية، وأخلام، وأسلين، والنوري، وميلاد، وكاميليا نماذج مصغرة لمعاناة الانسانية بمفهومها الواسع.
خصصت الرواية جزء مهما لمناقشة العلاقة مع اليهود المغاربة، في شخص “عاموس إفرام وزوجته شولا كوهن” ، وفاجعتهما بعدالنكسة العربية، في الطريق الى مراكش، لكشف خيوط تبني الفتاة “راشيل” أو ( صوفي )، من خلال مذكرات والد هذه الاخيرة بالتبني. مذكرات كان يقرأها الطبيب النفسي المعالج “بنيس” في عيادته .بعد اكتشافهالهويتها اليهودية، في حينأن الجلبة التي أقامها والديها، لم تكن من أجل ممارساتها المتحررة، أو حملها السفاح. ولكن بسبب يهودية حاييم. .
إن التضارب الذي تكشفه أحداث الرواية يعود بالأساس الى طبيعة التفكير، والانتماء العرقي، والموقف من الآخر. كما أن “راشيل”ستعيش تمزقا رهيبا، بين رفضها لأصولها اليهودية، وانتمائها المغربي عبر التبني. فهي مغربية خالصة ويهودية خالصة. ما ينفي عنها في الواقع، كل هوية. ويدخلها دائرة التمزق النفسي. “لم أكن راشيل إفرام في يوم من الأيام”ص 194
في حين يستعيد النوري طفولته، وعلاقته السرية مع جلال، لتبرز ممارستهما الجنسية فوق السطح، وشغبهما المشترك. لنلمس تلك السدومية الحارقة، التي كانت تنهش الذات الباحثة عن الاكتشاف، والمتعة،والافتتان بالجسد.انطلاقا مما اختزنته ذاكرة جلال،الذي كان يتلصص على أمه وأبيه في غرفة النوم.وهو ما رسخ لديه البحث عن أسرار الجسد،وخباياه، مصرا على اقتحامها عبر اللعب.
أما نكبة ميلادالشاعر،فتبرز بسبب ماضي أمه المتصابية، وبلادة والده البريء المسالم، وهو يقر بقتله لأمه يقول ” حين سقطت ملتوية مثل خروف في العيد ، كانت تصارع لتقول لي : أنت..أنت .. ! عندها هرولت ربيعة من رقدتها في المطبخ ، كان أبي يلتقط السكين من يدي، ويدفعني بعيدا عن جسدها المضرج في دمائه”. ص286
فالرواية بقدر ما تطرح العديد من الإشكالات حول حدودها، بين الواقعي، والمتخيل ، بين السيري، وحقائق التخييل الذاتي، تراهن على الانفلاتبتأزيم أسئلتها،بالانتقال الى محاورة أكثر من طرح نظري، لكتاب مرموقين حول الكتابة الروائية. كموقف ماريو فارغاسيوسا، والابداعات العالمية من ملاحم الاغريق، الى روايات دويستويفسكي، ومارسيل بروست، وغيرهم.وتبرز بحث الكاتب عن إشراقات جمالية محضة. وعن تأكيد حقيقة مطلقة، بكونها ليست أعمالا ظرفية، بقدر ما هي إبداعات كونية خالدة. اعتبارا لعمقها الفكري، والانساني، اللذان يتجاوزان كل العصور. إبداعات تنير جوانب من العتمة البشرية، المتعلقة بالجانب الايروسي، والجسدي الذي حاول البعض طمره في أعمالنا الخالدة، ” كالف ليلة وليلة” . وهنا نلمس الإشارة واضحة الى القمع الممارس باسم الدين، والشرع، والتستر على إبداعات راقية، ناقشت مفهوم الجسد، ولغاته. وفككت رموزه المشفرة . مقارنة مع الواقع المعاش في البلاد العربية، من المحيط الى الخليج .
بين سيمنا الحائط في ساحة الخروب، والسينما الواقعية “سينما الحياة الخفية ” التي كان يؤمن بها أستاذ الاخراج السينمائي بباريس “جيل نورماند ” سنكتشف واقعا ملفوفا بالسحر والفتنة، بحيث ستعري الأحداث عن واقعية من نوع آخر لتفاصيل حياة”ايميلدا”، وجيل نورماند” المليئة بالغرابة. لكنهما يتعايشان في سلام “إيميلدا المتقدة بالرغبة، وجيل الفاتر، المهووس بعمله. لكنه متواطئ عن رضا، مع مغامرات زوجته الجنسية .” هو يعرف كل شيء ..” 65 .”لم تكن توريته في حاجة الى ذكاء . شمس مراكش لم تكن شمس الجنوب اللاهبة، التي تسحر آلاف السياح الباحثين عن غموض الشرق، الراقد خلف الحكايات الخرافية …كانت شمس جسد يبحث عن معنى مفقود، خارج صدره هو، وغرفته هو، ودخان سيجاره الكوبي هو. ” 291
في حين سنكتشف مع ” أسلين “مغامرتها الكبيرة ومحاولاتها التعبير بجسدها من خلالالرقص على الخشبة في مواجهة جمهور مشحون بالوصايا، والتعاليم، ” هرول الموت نحوي . مدت مقاصل الأفواه ترجمني :قحبة … عاهرة ..حرقوا الساحرة .. 118 وردود الفعل القوية التي أعقبت العرض المجهض، من طرف إعلام ماجور ” هكذا ، صدرت صحف الصباح التي اكتشفتفجأةأن الوطن على حافة الانهيار الكلي، بسبب جسدشبه عار،لممثلة ساقطة ” ص 119 .
تميزت الرواية بسلاسة لغتها الراقية ، واحداثها الجارفة ، وبربط سلس بين مختلف مساراتها وقضاياها المطروحة برؤية حققت أهدافها في ايصال رسائل واضحة المعالم إلى المتلقي. كما أن خطاب “الرواية ” قريب جدا من كل الفئات والمشارب، تميز الايقاع بالقوة والجاّبية خصوصا في الانتقالات السريعة بين المسارات الحكائية ، وبالتالي العودة بنفس الايقاع دون إحداث شرخ ، أو ملل ، أو لبس. عبر حوارات قصيرة ، ومركزة مكنت المتلقي من إدراك عمق وإحساس كل شخص من شخوص الرواية .
وقد برز ذلك من خلال التقاطعات الدالة داخل المتن، لتفتح سراديب مغلقة للإطالة على العوالم النفسية للشخوص المستهترة، والمرحة، ليصدمنا عمق انهزامها الانساني، وقتامة ماضيها المفعم بالعنف، والموت ..والقسوة ، والبؤس أحيانا – بؤس الواقع تحديدا – بما رسبه في لا وعي العديد منهم، من عقد ظلوا يتعايشون معها،ويكابدون جراءها في صمت قبل لحظات البوح، و الخلاص.
لقد وضع الروائي عبد الحميد شوقي شخوصه على سرير التحليل النفسي، كاشفا عن عالم كان ينتظر فقط ظروفا مثالية للانفجار، عبر تشيد على سارية متينة، وضمن مرتكز حساس أبرز ” النظرة الى الجسد، والى الذات، والى الجنس، والى الانا، والاخر، بجرأة عالية .
وقام بتشريح الواقع المغربي، مبرزا مكامن عيوبه، وادعاءاته، مكسرا الصمت المطبق على الأعراف، والتقاليد، والقيم الزائفة. ليبرز نفاق الأغلبية الصامتة، إزاء مواضيع ظلت تناقش همسا، وأحيانا بشكل فج ، دون القدرة على تجاوز عتمة الرؤياالمفتعلة،والادعاءات الكاذبة .. كما جاء على لسان بعض شخوصك ، بعد العرض المسرحي المصادر .
وهو ما سيشعرمتلقي هذا العمل أن ما تمت مصادرته ليس العرض المسرحي، ولكن حريته الفردية في أبهى معانيها الفلسفية، والحقوقية. .ومصادرة حق من حقوقه في الاستمتاع بلغة الجسد الشاعرية،إبان لحظة غير قابلة للتكرار. تلك المصادرة تنسحب على التعسف على حقوق شخوصك في طفولتهم ، و محاولتهم لفهم العالم المحيط بهم بتعرضهم للقمع ، وللعنف، وتكبيل الأفواه بالوصايا والتعاليم، بالقوة ، وبالشطط في استعمال السلط التقديرية. لنتساءلهل يقتلنا الحب ؟ لماذا يقتلنا الحب ؟ ونحن نضرب في عمق كبريائنا، نتوسل للمحبوب المتحول الى جلاد غير رحيم، أن ينتقم منا شر انتقام ، فلا نرغب بعدها سوى البحث عن الخلاص ..
لماذا لا نشعر بالندم حتى في اللحظات التي نكون فيها ممددين على فراش الموت،هل ننتقم من ذواتنا،أم من فظاعة تصرفنا؟ لماذا نلوذ بالصمت، ونفضل الاكتواء بالجنون في النهاية؟
إنها هي اختيارات قاسية، ربما، لكن نهايات الموجعة،ستأجج مشاعر القارئ في العديد من اللحظات حزنا، أو إشفاقا على شخوص باتت مستعدة للقيام بأي شيء، انتقاما لمضاضيها،أو منه، لقلة حيلتها، أو لضعفها، أو خوفا على كرامتها. ليظل تصرفها في النهاية له مبرراته، وتصبح لها مواقف إزاء كل تمثل حول ذواتها، وأسراره.وبالتالي ازاء محيطها الذاعر، وإزاء كل ” الفداحات ” الأخرى .
روية سدوم تعبير عن تناقضات الذات، ورغباتها، واصطدامهما بمعيقات نفسية، وعقائدية ، وأخلاقية، لكنها ترفع شهوتها إلى مقام المواجهة، والتصريح. لتصدح فيه لغة الجسد،وتتفتح مسامه، لتحرق أزهار الأرق على فحولة ميلاد جديد.
——————————
سلا في 8يوليوز 2015
