مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الحسيمة / شاهد عيان
في عالم تتقدم فيه المدن بخطى حثيثة نحو المستقبل، وتتحول مجالسها المنتخبة إلى غرف قيادة ترسم خرائط التنمية، تقف مدينتي في مفارقة زمنية مريرة، حيث يبدو أن الزمن قد اختار لها مسارًا إلى الوراء. إن المشهد الذي يسيطر على فضائنا العام أشبه بمسرحية عبثية، يُطلق عليها “مسرحية الكراسي” المستوحاة من مسرحية “يوجين يونسكو”، لكن أبطالها الحقيقيون هم منتخبو المدينة أنفسهم.
لم تعد المجالس المنتخبة في مدينتي فضاءً لصياغة الأحلام الجماعية أو التخطيط لمستقبل الأجيال، بل تحولت إلى ما يشبه “دكاكين صغيرة لتوزيع الفوضى”. يُمنح المواطن “رخصة” لاحتلال الرصيف هنا، و”تصريح” لوضع كشك هناك، وكأن أقصى ما يُمكن أن تقدمه الإدارة هو “مسكنات” يومية لإلهاء السكان عن المشاكل الحقيقية. الاستثمار، التشغيل، والمشاريع الكبرى التي كانت وعودًا انتخابية براقة، غابت عن جدول الأعمال، وكأنها لم تكن سوى “فقاعات صابون” تلاشت مع أول هبوب للرياح.
إن “السياسة المحلية” في مدينتي أصبحت عنوانًا لـ “تزييف” المدن. فالساحات العامة، التي كانت تاريخيًا “أغورا” للحوار والتفكير وميلاد الأفكار العظيمة، تحولت إلى أسواق صراخ تسيطر عليها العربات والأكشاك المبعثرة. الضجيج أصبح بديلاً عن المعنى، والفوضى أصبحت سياسة معتمدة لطرد أي فكرة قابلة للتطور. وكلما طرح المواطن سؤالاً عن ملفات التنمية أو المشاريع المعلقة، قوبل بالصمت، لأن السؤال ببساطة أخطر من الجواب.
إن منتخبي المدينة، الذين من المفترض أن يكونوا قادة يفتحون للناس أبوابًا نحو الغد، يبدو أنهم اختاروا أن يكونوا “وكلاء حصريين لتوزيع المسكنات”، تاركين خلفهم مدينة منهكة وشواطئ محتلة وشوارع مكتظة بالعبث. إنهم لا يعيشون بيننا ولا يتنفسون هواء هذه الفوضى، فقصورهم ومشاريعهم الضخمة في مدن أخرى، بينما يُتركون لنا أخلاقًا مرمية وكرامة ملفوفة في رخص بائسة.
هؤلاء المنتخون يبدون وكأنهم “ممثلون أوفياء” لمسرحية العبث. إنهم يملؤون الفضاءات بالضجيج ويحولون الوهم إلى إنجاز، حتى يدرك كل من يراقب هذا المشهد أنه أمام عرض حي من “مسرح اللاجدوى”. وهكذا، تُحجب الحقيقة بستار من الفوضى، ويُزرع وهم الإنجاز بين الأرصفة والطوابير، في حين يستمر الزمن في السير ببطء، بخطى واثقة، نحو الوراء.
