مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
محمد جسوس :ولادة سوسيولوجيا “ مغربية”، كما أنه عاش سنوات منعها
من محنة السوسيولوجيا إلى محنة المرض. هو ذاك قدر سمحمد جسوس. لم ينته إلى هذه المحطة إلا بعد أن تعايش في هذا الجسد عقل السياسي وعقل عالم الاجتماع، ثم روح المناضل وروح الأستاذ.
خلال الأسبوع الماضي كان جسد سمحمد في موعد مع محطة جديدة للعلاج بإحدى مصحات الرباط، غير أن إنتاجه السوسيولوجي لم يتوقف إذ رغم أنه ترك منابر الكليات والمدرجات، مازال يمارسه عن طرق تأملاته العميقة.
نظراته المتسائلة التي تسبق شروعه في التفكيك والتركيب والتحليل مازالت تحتفظ ببريقها تحت حاجبيه الكثيفين الذين غزاهما الشيب.
تثاقل قدميه اليوم لا يعني شيئا سوى هذا الكم الهائل من الفكر العلمي واليساري الذي ظل يحمل على كاهله طوال أزيد من سبعة عقود.
ساهم جسوس في ولادة سوسيولوجيا «مغربية»، كما أنه عاش سنوات منعها بعد أن اعتبرها النظام السياسي القائم، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تستهدفه، فأغلق معهد السوسولوجيا، وبعدها بسنوات قليلة منع تدريس الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس في الجامعات المغربية.
استطاع هذاالرجل أن ينتقل في سنوات بحثه من السوسيولوجيا الكولونيالية للمستعمر التي اخترقت القرى والقبائل المغربية إلى السوسيولوجيا الأنكلوسكسونية التي برع في التحكم بآلياتها التحليلية، بعد أن حصل على الدكتوراه من جامعة برنستون الأمريكية سنة 1968، وقبل ذلك على شهادة في علم الاجتماع من جامعة لافال الكندية.
سنوات العمل بالجامعات الأمريكية لم تسرقه من هذا الوطن الذي عاد إليه لينفت عصارة فكره ودراساته في مدرجات جامعة محمد الخامس بالرباط. هناك لم يكن يبحث قط عن «الأجر» الذي يجري وراءه كل طامح إلى السلطة أو المناصب السياسية، التي زهد فيها طوال نضاله في صفوف الاتحاد الاشتراكي، بل كان ينتظر فقط «لاجر» كما يفهمه المغاربة.
حلل جسوس معضلات اجتماعية كثيرة كالتعليم والبناء الديموقراطي والتنشئة الاجتماعية والثقافة وأزمة المجتمع انطلاقا من منظوره اليساري للأشياء، وهنا تقاسم العالم والسياسي الأدوار. حكمة الأول ونظره الثاقب كانت تتغلب في بعض الأحيان على حماسة المناضل. هكذا تألق الأكاديمي ونقل هواجسه السوسيولوجية إلى طلبته والباحثين الذين كان يؤطرهم وينهلون من خزانة بيته الذي تحول إلى «زاوية» للطلبة تحتضنهم كلما بخلت عليهم باقي المكتبات بالمراجع العلمية.
ليست أبواب بيته هي الوحيدة المشرعة في وجه الباحثين وفي وجه كل من أحبهم، بل أيضا روحه المرحة منفتحة على الناس البسطاء وعلى أصدقائه الذين جمعته معهم عادة اللقاء كل ليلة خميس، يناقشون مواضيع سياسية واقتصادية وفكرية وسيوسيولوجية، وأيضا يتبادلون النوادر والمستملحات حول طاولة للعب «الكارطة»، تتعالى خلالها ضحكات جسوس ورفاقه.
أبلغ من وصف حسه الانساني هو صديقه الفلسطيني الراحل واصف منصور خلال تكريمه السنة الماضية قائلا: «هو رجل لا يقطع الخيط الرفيع بين الصراحة والوقاحة بين الفكاهة والسخرية من الآخرين، هو خريج الجامعات الأوربية والأمريكية الحافظ لأجزاء كثيرة من القرآن وصاحب الفهم العميق لمقاصد الشريعة السمحاء التي تنبني حسب رأيه على مبدأي: بشر ولا تنفر.. يسر ولا تعسر».
ظل إنتاجه السوسيولوجي الغزير حبيس مدرجات الكلية وقاعات الندوات في المغرب والخارج، ورغم أنه لم يدون إنتاجه ودراساته، إلا أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج مازال يتفاعل في عقول طلبته والباحثين.
تأجيله المستمر لتحرير نصوصه وخطابه العلمي لا يمكن فهمه إلا في سياق فهمه هو لعملية التحليل السوسيولوجي التي يعتبرها فعلا مستمرا ومتفاعلا مع المجتمع، وهو ما ظلت أقلامه السوداء والزرقاء والحمراء تخطه على مذكراته، وهي ذات الأقلام التي لم تكن تفارق أنامله لتتراقص بينها في عملية مستمرة على امتداد درسه السوسولوجي، تماما كما يتلاعب بآليات التفكيك والتركيب والتحليل.
بعد 76سنة من سنوات حياته، انتهى الجسد إلى ما انتهى إليه من عجز بسبب المرض، غير أن عقل السوسيولوجي وروح المناضل اليساري مازالا متعايشين فيه إلى الأبد.
محمد أبويهدة
عن الزميلة “الأحداث المغربية”
عدد7فبراير2014
المناضل وأب السوسيولوجيا محمد جسوس يودعنا
محمد جسوس زاهدا في الحياة، لم يحدث أن رشح نفسه لمنصب إداري أو ركض وراء ربح مالي
المناضل الكبيروالعضو السابق بالمكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي وعالم الاجتماع ومربي الأجيال الدكتور محمد جسوس يسلم الروح إلى باريها أمس الجمعة توقف قلب المناضل الكبير وعالم الاجتماع ومربي الأجيال عن لخفقان، عن عمر يناهز 76 سنة. والمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي ينعي لكافة المناضلين والمتعاطفين ،ولكافة الأساتذة الجامعيين والطلبة ولعموم المواطنين، خبر وفاة قائد من قادة الاتحاد نذر نفسه للعطاء المتواصل وعلى كافة الجبهات النضالية داخل حزبه مؤطرا لندواته وراسما لخطه النضالي ومشروعه المجتمعي، ولم يمنعه ذلك من القيام بواجبه كأستاذ عمل على تشييد صرح علم الاجتماع وركائز البحث العلمي، حيث تخرج على يده آلاف الطلبة وأشرف على العديد من الأطروحات الجامعية والبحوث الأكاديمية في مختلف الميادين، والقطاعات الاجتماعية، من طبقة عاملة مؤطرا لمعاركها النضالية، محللا ومدققا في أوضاعها الاقتصادية وراسما أفق تحررها، ومن فلاحين ربط مصيره بمصيرهم، محاورا لهم منصتا لهمومهم، معاشرا لهم عن قرب وفي تواضع عز نظيره. لم يبخل المناضل الكبير بسعة علمه وواسع معرفته على بلده، بل حل به فور تخرجه من جامعة برنستون الامريكية سنة 1968 ملتحقا بجامعة محمد الخامس بالرباط. وبلباسه المتواضع كرجل ميدان أرسى أسس بحث علمي جد متطور، وله الفضل الى جانب ثلة من إخوانه وزملائه الاساتذة في إعطاء الجامعة المغربية المكانة التي أصبحت تحظى بها. آمن محمد جسوس بالديمقراطية أسلوبا للحكم وبدولة المؤسسات، وانخرط فيها رغم ما كان يشوبها من اختلالات وانتخب مستشارا بمدينة الرباط، وله الفضل في تحويل بنياتها الاساسية والحفاظ على آثارها وجمالية عمرانها. انتخب محمد جسوس في أجهزة حزبه من كتابة إقليمية ولجنة إدارية ولجنة مركزية وعدة مرات في مكتبه السياسي، وترأس المؤسسة الاشتراكية للابحاث والدراسات .
أسهم محمد جسوس في تفكيك التشكيلة الاجتماعية المغربية، داعيا لتحرر المرأة، منبها لخطورة مسارنا التعليمي وما قد ينجم عنه من تضبيع إذا لم نتدارك الأمر في وقت مبكر، وجرت عليه جرأته العديد من المشاكل كان يواجهها بابتسامة لا تخلو من سخرية، وفتح منزله وقلبه وخزانته الثمينة لطلبته وزملائه
كان محمد جسوس زاهدا في الحياة، لم يحدث أن رشح نفسه لمنصب إداري أو ركض وراء ربح مالي
انبرى جسوس لخصوم وحدتنا الترابية في المحافل العلمية وفي العديد من الجامعات الأمريكية والبريطانية على وجه التحديد، مفندا للعديد من المغالطات السوسيولوجية والتاريخية.
واليوم وقد رزئنا في فقدان رجل من طينة نادرة وحل بنا خطب جلل، فلا يسعنا إلا أن نتوجه إلى زوجته الفاضلة ورفيقة حياته البارة به، والمتفانية في خدمته وخدمة زوار بيته في كل الظروف وأحلك الأوقات، ديانتا بونيت بتعازينا الحارة ومواساتنا وعميق حزننا إليها وإلى أبنائه الذين حذوا حذوه في التحصيل ومعانقة البحث العلمي الأكاديمي في كبريات الجامعات الأمريكية، إلى كل من نادية، ليلى وعمر، الذي أطلق عليه هذا الاسم تيمنا بالشهيد عمر بنجلون بُعيْد اغتياله، وإلى إخوانه: ثريا، بديعة، نزهة، رجاء وفؤاد والى جميع أفراد عائلته وطلبته وزملائه الاساتذة، والى كافة المناضلين والمناضلات وعموم المواطنين.
