Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عبد العزيز كوكاس والموت في مرآة الغياب..محاولة لإرباك الفناء بالكلمة..قرأته/ميمونة داهي

الموت في كتاب “لو يخجل الموت قليلا” للكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، الصادر حديثا عن منشورات النورس  ليس ذلك الحدث الصارم الذي يفصل بين الحياة والعدم بضربة قاطعة، بل هو حضور متسلل، خفيف الوطء، يسبق لحظته الحاسمة بأشواط، يطلّ برأسه في التفاصيل الهامشية، في الصمت الذي يثقل بين الجمل، في المساحات التي كان يملؤها الراحلون وصارت هواءً شاغرًا. إنه كائن خفي، يترصّد، يتباطأ حينًا، يسرع حينًا آخر، لكنه لا يتراجع أبدًا. يتعامل معه كوكاس كقدرٍ مفرط في النظام، متقن في عمله، لكنه، ربما، لو امتلك قليلاً من الحياء، لو تردد للحظة قبل أن يبسط سلطته المطلقة، لكان كل شيء مختلفًا.

تتكرر فكرة الوصول المتأخر، أن يكون المرء على مقربة من الموت، يشم رائحته، يلمح أثره في وجوه الآخرين، لكن دون أن يقع في قبضته بعد. وكأن الكاتب يحمل لعنة أن يكون دائمًا على مسافة ضئيلة من الفاجعة، يصل بعد أن يُسدل الستار، بعد أن تُحسم اللعبة، كأن الموت يسبقه ببضع خطوات، يترك له أن يشهد على الأثر دون أن يكون طرفًا في الحدث. لكنه، في المقابل، يشعر أحيانًا وكأنه في صراع خفي مع هذا القدر، كأن بينهما تحديًا غير معلن، من سيباغت الآخر أولًا؟ من سيتمكن من الإمساك باللحظة قبل أن تفلت؟ لكنه يدرك أيضًا أن الموت لا يخسر أبدًا، حتى لو بدا للحظة أنه يؤجل خطوته، فهو لا ينكص، لا يتردد، لا يعيد النظر في قراراته.

في مشهد من أكثر المشاهد شاعريةً وكثافة، يتخيل الكاتب جنازته، لا كحدث مستقبلي، بل كشيء يراه بعينيه، يراقب تفاصيله، يتقمص دور الميت والحاضر في آن واحد، كأن الموت ليس تجربة تخص الغائبين فحسب، بل تخص أيضًا من يشهدون عليها، من يجدون أنفسهم واقفين على حافة الغياب، يرثون، يبكون، لكنهم في النهاية يعودون إلى بيوتهم، يواصلون حياتهم، يتركون القبور لأصحابها ويمضون. هذا المشهد ليس استباقًا للقدر فحسب، بل هو محاولة لمساءلة الفكرة ذاتها: ماذا يعني أن يرحل الإنسان؟ ماذا يبقى بعده؟ هل يختفي تمامًا أم يترك وراءه آثارًا تتلاشى ببطء؟ الموت هنا ليس لحظة حاسمة، بل سلسلة من التلاشي التدريجي، انطفاء متواصل، يبدأ قبل أن يتوقف القلب بزمن، ويستمر بعد ذلك في ذاكرة الآخرين، في طريقة نطقهم لاسمه، في الأماكن التي كان يملؤها وصارت فارغة من بعده.

لكن الموت لا يخطف الأجساد فقط، بل يسرق الحضور، يغلق الأبواب التي كان طرقها يومًا مألوفًا، يسحب الدفء من الأماكن، يترك وراءه فراغًا لا يمكن ملؤه، فجوة لا تسدّها حتى الذكرى. يدرك كوكاس أن الموت ليس فقط حدثًا نهائيًا، بل هو شيء متكرر، يضرب في كل مرة نودع فيها أحدًا، يتسلل إلى أعماقنا ويأخذ منا شيئًا في كل مرة نقف أمام قبر، في كل مرة نشاهد صورة قديمة، في كل مرة نكتشف أن صوتًا ما لم يعد يجيب. إنه لا يكتفي بمن يختارهم، بل يترك أثره في الناجين، يجعلهم غرباء عن أنفسهم، يضعهم في مواجهة سؤال لا إجابة له: لماذا نحن هنا بينما هم هناك؟

في مواجهة هذا الغياب، تكون الكتابة أشبه بحيلة يائسة ضد الزمن، محاولة لصنع نسخة أخرى من العالم، حيث لا يكون الفقد قاطعًا، حيث يمكن لمن غادروا أن يستعيدوا شيئًا من حضورهم، ولو على الورق. لا تتعامل الكتابة هنا مع الموت كمأساة فحسب، بل كعملية إعادة بناء، كاستحضار يعيد تشكيل الراحلين في الذاكرة، يمنحهم صوتًا، جسدًا، حضورًا شبحيًا لكنه حيّ، كأن الكاتب يريد أن يقول للموت: قد تأخذ الأجساد، لكنك لن تأخذ الكلمات، لن تبتلع الذكرى، لن تمحو الأثر تمامًا. لكن، هل تكفي الكلمات حقًا؟ هل يمكن للغة أن تصمد أمام الزمن، أن تحارب النسيان؟ الكاتب لا يقدم إجابة نهائية، بل يتركنا معلّقين في منتصف السؤال، بين الوهم والحقيقة، بين الإيمان بقوة الكتابة والاعتراف بعجزها.

الموت في هذا الكتاب ليس نهاية فحسب، بل هو لحظة تساؤل، لحظة ينهار فيها اليقين أمام الاحتمالات، حيث لا شيء مؤكد، لا شيء قاطع، حيث يبقى الغياب حاضرًا كجرح لا يندمل، كصوت يتردد في الفراغ، كنداء يأتي من مكان بعيد لكنه لا يصل أبدًا. الكاتب، في محاولته لمساءلة الموت، لا يبحث عن إجابة، بل عن طريقة لجعل الموت نفسه يتوقف للحظة، ينظر خلفه، يتردد، وكأن الكتابة، في جوهرها، ليست سوى محاولة لإرباك هذا الصمت المطلق، لجعل الموت يخجل قليلاً قبل أن يواصل سيره الحتمي.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...