Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

خطاب الملك .. بين انتظارات الناخبين ومسؤولية الحكومة: امتحان الوفاء للتعاقد السياسي

ليس خطاب افتتاح السنة التشريعية الجديدة مجرد موعد دستوري تتجدد فيه الصلة بين المؤسسة الملكية والبرلمان، ولا مناسبة لاستعراض حصيلة الإنجازات وتعداد الأوراش المفتوحة. فحين يضع الملك محمد السادس أمام الولاية التشريعية والحكومية الجديدة مطلب أن تشكل “منعطفا حقيقيا”، فإنه ينقل النقاش من منطق الاستمرارية المؤسساتية إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا ينتظر المغاربة من المؤسسات التي اختاروها، وما الذي يتعين على الحكومة أن تقدمه حتى تصبح الثقة السياسية ذات معنى في حياتهم اليومية؟

هنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم دلالات الخطاب. فهو موجه إلى برلمان أفرزته صناديق الاقتراع، وإلى حكومة يفترض أن تستمد مشروعيتها السياسية من الأغلبية المنبثقة عن هذا الاقتراع، لكنه يتجاوز مخاطبة المنتخبين باعتبارهم فائزين في استحقاق انتخابي، ليذكرهم بأن الفوز ليس نهاية المسار، وإنما بداية امتحان المسؤولية. فالناخب حين يمنح صوته لا يسلم شيكا على بياض، ولا يفوض ممثليه لتدبير الزمن السياسي بمنطق الحسابات الحزبية وحدها؛ إنه ينتظر أن يرى أثر اختياره في الشغل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والعدالة المجالية، وفي شعوره بأن المؤسسات قادرة على الاستجابة لانشغالاته.

ولذلك، فإن الإشارة الملكية إلى ضرورة أن تشكل الولاية الجديدة منعطفا حقيقيا لا ينبغي قراءتها باعتبارها دعوة إلى مواصلة ما سبق بالوتيرة نفسها، وإنما باعتبارها رفعا لسقف الانتظارات من الأداء الحكومي والبرلماني. فالإنجازات التي يعتز بها المغرب في البنية التحتية والدبلوماسية والاستثمار لا تلغي الأسئلة الاجتماعية التي يطرحها المواطن، كما أن تقدم المؤشرات الاقتصادية لا يكفي وحده لإثبات أن ثمار التنمية تصل بالقدر المطلوب إلى مختلف الفئات والمناطق. بين ما تحققه الدولة من مشاريع كبرى وما يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية تمتد مساحة واسعة من السياسات العمومية، وهناك تحديدا سيختبر معنى المنعطف الذي يتحدث عنه الخطاب.

وإذا كان الملك قد ربط الاعتزاز بالوطن بالمسؤولية، لا بالتباهي أو الرضا عن الذات، فإن هذا المعنى ينسحب، بالضرورة، على المسؤولية السياسية. فالوطنية لا تقاس فقط بما يعلنه المسؤول من مواقف، ولا بقدرته على استحضار المنجزات، بل أيضا بمدى استعداده لتحمل تبعات القرارات، والاعتراف بالاختلالات، وتصحيح مسارات التنفيذ. والمطلوب من الحكومة المقبلة، في هذا السياق، ألا تتعامل مع الرصيد الوطني باعتباره حصيلة جاهزة للاستهلاك السياسي، بل باعتباره أساسا ينبغي البناء عليه وتطويره، مع إدراك أن استمرار الإنجاز يقتضي أحيانا مراجعة الوسائل التي لم تعد تنتج النتائج المنتظرة.

لقد رسم الخطاب ملامح أولويات استراتيجية واضحة، من الأمن المائي والطاقي والغذائي إلى الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مرورا بتأمين الاحتياطات الاستراتيجية وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة التحولات الجيو-اقتصادية. غير أن أهمية هذه الأولويات لا تكمن في طبيعة القطاعات التي تشملها فقط، بل في السؤال المتعلق بكيفية تحويلها إلى قوة اقتصادية منتجة وفرص اجتماعية أوسع. فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز مكانته باعتباره قوة اقتصادية صاعدة يحتاج إلى اقتصاد لا يكتفي باستقطاب الاستثمارات وإنجاز البنيات التحتية، وإنما يوسع أيضا قدرته على خلق فرص الشغل، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وتوزيع إمكانات الارتقاء الاجتماعي بصورة أكثر إنصافا.

ومن هنا تأتي دعوة الملك القطاع الخاص الوطني إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي. إنها دعوة تضع الاستثمار الخاص أمام مسؤولية تتجاوز الاستفادة من الفرص التي تهيئها الدولة، نحو الإسهام الفعلي في الإنتاج والتصدير وخلق مناصب الشغل. لكن هذه المسؤولية لا تنفصل عن مسؤولية الحكومة في توفير بيئة اقتصادية تنافسية، وتيسير الاستثمار المنتج، ومحاربة التعقيدات غير الضرورية، وضمان تكافؤ الفرص. فلا يمكن مطالبة المقاولة بأن تكون محركا للتنمية دون شروط واضحة ومحفزة، كما لا يمكن تبرير ضعف الأثر الاجتماعي للنمو بالاستمرار في التعويل على الدولة وحدها لتحمل أعباء التشغيل والاستثمار.

ويكتسب الحديث عن الشباب أهمية خاصة في هذا السياق. فالخطاب لا يضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية من باب الاستجابة الرمزية لفئة واسعة من المجتمع، بل يربط مستقبلهم بتكافؤ الفرص والتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي والثقة في المؤسسات. وهذا الربط يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بتوفير برامج موجهة للشباب، وإنما بمدى قدرة النموذج التنموي على إقناعهم بأن الاجتهاد والكفاءة يمكن أن يفتحا أمامهم طريقا حقيقيا للارتقاء الاجتماعي.

فالشاب الذي لا يجد عملا يتناسب مع تكوينه، أو يصطدم بعوائق تحد من فرصه، لا يقيس السياسات العمومية بعدد المبادرات المعلنة، وإنما بما تغير فعليا في حياته. ومن ثم، فإن الحكومة الجديدة ستكون مطالبة بأن تجعل من تشغيل الشباب والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص معايير أساسية لتقييم نتائجها، لا مجرد عناوين في البرامج والتصريحات. كما أن البرلمان مدعو إلى ممارسة دوره الرقابي على أساس النتائج المحققة، لا الاكتفاء بتتبع الالتزامات المعلنة.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في الخطاب هو التشديد على العمل الميداني، وعلى ضرورة الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة وإيجاد حلول واقعية لها، بالتوازي مع التنبيه إلى التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. فحين يصل النقاش إلى هذه النقطة، لا يعود الأمر متعلقا فقط بتحديد الأولويات التنموية، بل بطريقة اشتغال الدولة نفسها، وبقدرتها على نقل القرار والموارد إلى المستوى الذي يمكنه الاستجابة للحاجات الفعلية للمواطنين.

إن الاعتراف باستمرار العراقيل الإدارية، وبالحاجة إلى نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم، يضع الحكومة أمام مسؤولية عملية واضحة. فلا معنى للمطالبة بنتائج تنموية على المستوى الترابي إذا ظلت السلطات المحلية والجهوية تنتظر القرارات المركزية، أو إذا كانت الاختصاصات موزعة بطريقة تجعل المسؤولية غامضة والقرار بطيئا. كما لا يمكن اختزال الجهوية المتقدمة في هياكل ومجالس منتخبة، بينما تظل القدرة الفعلية على اتخاذ القرار محدودة أو موزعة بين متدخلين يصعب التنسيق بينهم.

وهنا يلتقي البعد الإداري بالبعد الديمقراطي. فالمنتخب المحلي أو الجهوي الذي لا يملك الوسائل الكافية لتنفيذ برنامجه يجد نفسه أمام فجوة بين ما وعد به المواطنين وما يستطيع تحقيقه، فيما يفقد المواطن القدرة على تحديد المسؤول المباشر عن تعثر مشروع أو تأخر خدمة. لذلك، فإن تفعيل اللاتمركز والجهوية ليس مجرد إصلاح إداري، بل شرط لتعزيز وضوح المسؤولية السياسية وتقريب القرار من المواطن. والرهان الذي يطرحه الخطاب هو الانتقال من تدبير ترابي ينتظر التعليمات إلى تدبير يمتلك الصلاحيات والموارد وآليات التنسيق والمحاسبة.

أما تذكير البرلمانيين بأن الانتداب البرلماني تعاقد سياسي وأخلاقي مع المواطنين، فيعيد النقاش إلى جوهر العملية الديمقراطية. فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة تستكمل بها البنية الدستورية، والأغلبية ليست غاية في ذاتها، كما أن تشكيل الحكومة لا يمثل نهاية الاستحقاق الانتخابي. إن القيمة الفعلية لهذه المؤسسات تقاس بقدرتها على تحويل الاختيار الانتخابي إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وعلى مراقبة مدى الوفاء بالالتزامات التي قدمت للمواطنين.

وإذا كانت الحكومة تتحمل المسؤولية التنفيذية عن برامجها وقراراتها، فإن البرلمان يتحمل بدوره مسؤولية التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. ولا يمكن لهذه العلاقة أن تؤدي وظيفتها كاملة إذا تحولت الأغلبية إلى مجرد سند سياسي للحكومة، أو إذا اختزلت المعارضة في الاعتراض الدائم دون تقديم البدائل. المطلوب هو أن تكون المؤسسة التشريعية فضاء حقيقيا لمناقشة الخيارات العمومية، وفحص نتائجها، وكشف مواطن الخلل، والدفاع عن المصالح التي يمثلها المنتخبون، بعيدا عن منطق الحسابات الظرفية الضيقة.

ولا يقل البعد الخارجي للخطاب أهمية عن رهاناته الداخلية. فالتأكيد على أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، بالتوازي مع الدعوة إلى صياغة رؤية جديدة للتعاون في مجال الهجرة، يعكس توجها نحو مراجعة شروط التعاون مع الشركاء على أساس المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي. لكن الدلالة الأعمق هنا هي أن السياسة الخارجية، مهما حققت من مكاسب، ينبغي أن تظل مرتبطة بقدرة الدولة على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية. وهو ما يجعل التوازن بين الطموح الخارجي والإنصاف الداخلي جزءا من معادلة واحدة، لا مسارين منفصلين.

في المحصلة، لا يقدم الخطاب وصفة تفصيلية لكل مشكلة، ولا يسمي مسؤولا بعينه عن كل اختلال، لكنه يحدد اتجاه المرحلة ويرفع سقف المسؤولية أمام المؤسسات المعنية. ومن الخطأ أن نحوله إلى تزكية مسبقة لأداء لم يختبر بعد، كما سيكون من غير الدقيق التعامل معه باعتباره حكما تفصيليا على حصيلة كل فاعل سياسي. إنه، في جوهره، دعوة إلى الانتقال من إعلان الطموحات إلى إثبات القدرة على تحقيقها.

وهنا يبدأ امتحان الحكومة التي أفرزتها الأغلبية البرلمانية، كما يبدأ امتحان البرلمان الذي يستمد صفته التمثيلية من أصوات الناخبين. فالمغاربة لا ينتظرون فقط حكومة تستحضر التوجيهات وتعيد صياغة الأولويات، وإنما حكومة تجعل أثر السياسات العمومية محسوسا، وتقدم أجوبة قابلة للقياس عن التشغيل والخدمات العمومية والتنمية المجالية وتكافؤ الفرص. وينتظرون برلمانا لا يكتفي بتمثيلهم داخل المؤسسة، بل يجعل انشغالاتهم حاضرة في التشريع والرقابة والمساءلة.

إن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من الخطاب  الملكي هي أن رصيد الإنجازات، مهما بلغت أهميته، لا يعفي المؤسسات من امتحان النتائج، وأن الثقة التي تمنحها صناديق الاقتراع لا تكتمل إلا بالوفاء للتعاقد مع المواطنين. فبين ما يطمح إليه المغرب وما ينتظره المغاربة من دولتهم، توجد مسؤولية سياسية وإدارية واقتصادية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه الولاية التشريعية ليس فقط ماذا ستنجز الحكومة، بل كيف ستنجزه، ولمن ستصل ثماره، وكيف سيحاسب المسؤولون عن تعثره؟ عند الإجابة العملية عن هذه الأسئلة سيتحدد معنى المنعطف الحقيقي الذي دعا إليه الملك، وسيتضح ما إذا كانت الولاية الجديدة ستنجح في تحويل التوجيهات إلى نتائج، والثقة الانتخابية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

ففي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح المؤسسات بما تعلنه من وعود، وإنما بما يستطيع المواطن أن يلمسه من تغيير في واقعه. وذلك هو التعاقد الذي يبدأ يوم التصويت، ولا ينتهي إلا عند امتحان الوفاء.


شاهد أيضا

شاهد أيضا