Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

حين يتحول الاحتجاج إلى عنف… ماذا تقول شوارع أوروبا عن أزمة السياسة والمجتمع؟

لم تعد مشاهد الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول الأوروبية مجرد تجمعات عابرة في الشوارع، بل أصبحت تعبيراً عن توترات اجتماعية واقتصادية وسياسية متراكمة، تطرح أسئلة عميقة حول علاقة المواطن بالدولة، وحدود الحرية، ومسؤولية الحكومات في تدبير الغضب الاجتماعي.

ففي أكتوبر 2026، شهدت فرنسا وبلجيكا وإيطاليا مواجهات وأعمال تخريب ونهب خلال احتجاجات ارتبطت، في سياقات مختلفة، بغلاء المعيشة وأزمة التعليم والتقشف وتراجع القدرة الشرائية. وفي المقابل، خرج مواطنون آخرون في مظاهرات سلمية للمطالبة بالسكن اللائق والأجور العادلة وتحسين الخدمات العمومية. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الاحتجاج باعتباره ممارسة ديمقراطية، والعنف باعتباره سلوكاً يهدد المجتمع ويقوض المطالب المشروعة.
إن القراءة السياسية لهذه الأحداث لا ينبغي أن تتوقف عند صور الحرائق والمواجهات، ولا أن تكتفي بإدانة المتظاهرين بالجملة، بل يجب أن تتجاوز المشهد الظاهر نحو البحث في جذور الاحتقان. فعندما يشعر المواطن بأن دخله لم يعد يكفي حاجاته الأساسية، وأن الحصول على السكن أصبح حلماً بعيد المنال، وأن المدرسة العمومية تعاني الخصاص، فإن الاحتقان الاجتماعي يصبح قضية سياسية تستوجب الإنصات والمعالجة.

لكن هل يعني ذلك تبرير العنف؟ قطعاً لا. فلا الغضب الاجتماعي يمنح الحق في إحراق الممتلكات، ولا الاحتجاج يبرر الاعتداء على المواطنين أو رجال الأمن، ولا المطالب العادلة تبيح تخريب المرافق العمومية ونهب المحلات التجارية. فهذه الممارسات لا تعاقب المسؤولين وحدهم، بل يدفع ثمنها أيضاً المواطن البسيط والعامل وصاحب المتجر والأسرة التي تبحث عن قوت يومها.

وفي المقابل، فإن مواجهة العنف لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد الحريات أو التعامل مع كل المتظاهرين باعتبارهم مصدر تهديد. فالدولة الديمقراطية القوية هي التي تستطيع حماية النظام العام، مع احترام الحق في التظاهر السلمي وضمان التناسب في استعمال القوة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تجاوزات، أياً كانت صفته.

إن الدرس الذي تقدمه شوارع أوروبا اليوم هو أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة الأمنية وحدها، كما أن الديمقراطية لا تستقيم بالفوضى. فالأمن ضرورة، والحرية ضرورة، والعدالة الاجتماعية ضرورة لا تقل عنهما أهمية. وكلما اتسعت الهوة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي، ازدادت الحاجة إلى سياسات عمومية ملموسة تعيد الثقة إلى المؤسسات.

ومن منظور اجتماعي، لا يمكن فصل مسؤولية الأفراد عن مسؤولية الحكومات. فالأفراد مسؤولون عن أفعالهم، والحكومات مسؤولة عن اختياراتها ونتائج سياساتها، وعن قدرتها على الاستجابة للمطالب الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

أما بالنسبة إلى بلداننا العربية والمغرب تحديداً، فإن متابعة ما يجري في أوروبا ينبغي أن تكون مناسبة للتفكير والاستفادة، لا للتشفي ولا لتبرير القمع أو الفوضى. فالمجتمع الذي يفتح قنوات الحوار، ويصون الحق في الاحتجاج، ويضمن المحاسبة، ويجعل التعليم والصحة والسكن والشغل في صلب أولوياته، يمنح نفسه فرصاً أكبر لتدبير الخلافات سلمياً.

إن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الناس من النزول إلى الشارع؟ بل: كيف نبني دولة يشعر فيها المواطن بأن صوته مسموع، وحقوقه مصونة، وكرامته ليست مجرد شعار انتخابي؟

فالاحتجاج السلمي صوت الديمقراطية، والعنف جرح في جسد المجتمع، أما تجاهل أسباب الغضب فهو مخاطرة بمستقبل الثقة بين الدولة والمواطن.

لا ديمقراطية بالعنف، ولا استقرار بتجاهل المطالب، ولا عدالة من دون محاسبة.


شاهد أيضا

شاهد أيضا