مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
الرباط/آخر خبر
وضع تقرير استراتيجي جديد البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 أمام مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمدى قابلية تعهداته للتنفيذ، مسلطاً الضوء على تحديات التنسيق بين القطاعات الحكومية، وتنافس المشاريع الكبرى على الموارد المالية والطاقية والمائية، فضلاً عن غياب مؤشرات دقيقة وآجال محددة لقياس عدد من الالتزامات المعلنة.
وأشار المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، في تقرير بعنوان «البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ»، إلى أن التحدي الأساسي لا يقتصر على تحقيق الأهداف التي التزمت بها الحكومة، بل يمتد إلى قدرتها على تدبير التعارضات المحتملة بين السياسات القطاعية، خصوصاً عندما تتزاحم المشاريع على الموارد ذاتها دون وجود قواعد واضحة لترتيب الأولويات.
وسجل التقرير تفاوتاً بين حجم الأهداف الواردة في الوثيقة الكاملة للبرنامج الحكومي وما تضمنه العرض المقدم أمام البرلمان؛ إذ أحصى 74 هدفاً كمياً في الوثيقة الكاملة مقابل 25 هدفاً في العرض البرلماني. كما أشار إلى أن 20 هدفاً فقط تتضمن خطوط أساس معلنة، بينما يفتقر 40 هدفاً إلى آجال صريحة أو دورية سنوية للإنجاز، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن إمكان تتبع التقدم المحرز وتقييم المسؤولية عن النتائج.
الماء والكهرباء.. معادلة المشاريع الاستراتيجية
ومن أبرز التحديات التي توقف عندها التقرير العلاقة بين التوسع في تحلية مياه البحر والحاجيات المتزايدة إلى الطاقة. فبلوغ إنتاج سنوي يتجاوز 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق 2031 قد يستدعي، وفق تقديرات المركز، ما بين 5.4 و9 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً، بما يعادل نحو 11 إلى 18 في المائة من الطلب الوطني على الكهرباء المسجل سنة 2025.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة، بالنظر إلى تزامن مشاريع التحلية مع توجهات أخرى تشمل تطوير الذكاء الاصطناعي والصناعة الخضراء والهيدروجين، فضلاً عن الحاجيات المحتملة لمراكز البيانات، التي لا يتناولها البرنامج الحكومي صراحة، بحسب التقرير.
واعتبر المركز أن التخطيط لهذه الأوراش يستدعي احتساب الطلب الإضافي على الكهرباء قبل تقييم مدى انسجام المشاريع مع الأهداف الوطنية في مجال الطاقة، محذراً من الاكتفاء بإعلان الاستثمارات والقدرات الإنتاجية دون قياس الموارد التي ستحتاج إليها فعلياً.
وفي السياق نفسه، دعا التقرير إلى التمييز بين القدرة الكهربائية المركبة والإنتاج الفعلي، وبين الطاقة الاستيعابية لمحطات التحلية والكميات المنتجة والموزعة، مع ربط هذه المؤشرات بمدى مساهمة المشاريع في تطوير الاقتصاد والتكنولوجيا وتعزيز القدرات الوطنية.
مليون منصب شغل.. الرهان على وتيرة إنجاز أعلى
وفي ملف التشغيل، توقف التقرير عند تعهد الحكومة بإحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول سنة 2031، بالتوازي مع رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.
غير أن المركز لفت إلى أن هدف المليون منصب يتوزع على خمسة مكونات مختلفة، لا يوصف منها بالصافي، وفق قراءته، سوى 250 ألف منصب في القطاع الصناعي، بينما ترتبط 360 ألف فرصة شغل مستهدفة بتنظيم كأس العالم 2030.
وبحسب حسابات التقرير، فإن بلوغ الهدف الإجمالي يقتضي إحداث نحو 200 ألف منصب سنوياً، مقارنة بمتوسط صاف قدره 23.5 ألف منصب سنوياً خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025.
ويرى المركز أن تقييم هذا الالتزام يستلزم توضيح طبيعة فرص الشغل المحتسبة، والتمييز بين المناصب الصافية والمستفيدين من برامج التكوين والتدريب، فضلاً عن التحقق من استمرارية الوظائف وجودتها ومدى انتقال المستفيدين فعلياً إلى سوق العمل.
كما أثار التقرير تساؤلات بشأن إدراج 270 ألف منصب في قطاع ترحيل الخدمات ضمن الهدف الإجمالي، في ظل التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على طبيعة الوظائف. وأشار إلى وجود هدف آخر يتعلق بإحداث 30 ألف منصب شغل صاف في القطاع نفسه ضمن برنامج للبنك الدولي، معتبراً أن هذه المعطيات تستدعي توضيح منهجية احتساب المناصب ومدى تأثرها بالتطور التكنولوجي.
الفلاحة وتوزيع المياه.. أولويات تحتاج إلى حسم
ولم تقتصر الإشكالات التي رصدها التقرير على الطاقة والتشغيل، بل امتدت إلى القطاع الفلاحي، حيث أشار إلى احتمال تعارض إجراءات تقييد الصادرات بهدف حماية الأسعار في السوق الداخلية مع الالتزام بمضاعفة الصادرات الفلاحية.
ووفق المركز، فإن الجمع بين هذين التوجهين يقتضي تحديد قواعد واضحة للموازنة بين حماية القدرة الشرائية للمستهلكين والحفاظ على تنافسية الصادرات، بدل ترك العلاقة بين الهدفين دون آلية معلنة للتحكيم.
ويبرز الماء بدوره باعتباره مورداً مشتركاً تتنافس عليه حاجيات الشرب والفلاحة والصناعات الجديدة، في وقت يرى التقرير أن قواعد توزيع هذه الموارد تحتاج إلى مزيد من الوضوح، بما يسمح بتحديد الأولويات وتفادي تضارب الالتزامات القطاعية.
كما سجل غياب تفاصيل تنفيذية كافية بشأن القوة الناعمة، خاصة على مستوى الميزانية ومؤشرات قياس النتائج والجهة المكلفة بقيادة هذا التوجه.
النمو الاقتصادي والالتزامات الاجتماعية تحت ضغط التمويل
وعلى مستوى المالية العمومية، نبه التقرير إلى صعوبة الجمع بين تمويل الالتزامات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات المالية، خصوصاً في حال تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية تؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع الحاجة إلى الدعم وتراجع المداخيل.
وفي هذا الإطار، قارن المركز بين هدف تحقيق متوسط نمو اقتصادي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وتوقعات بنك المغرب التي رجحت نمواً بنسبة 2.9 في المائة سنة 2027. واعتبر أن بلوغ الهدف الحكومي يتطلب تسارعاً في وتيرة النمو خلال السنوات اللاحقة، بالتوازي مع توفير الموارد اللازمة لتمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارات المبرمجة.
وتشمل هذه الالتزامات، وفق التقرير، رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، إلى جانب مواصلة الأوراش المرتبطة بالصحة والتعليم والسكن.
لكن المركز شدد على أن تقييم هذه التعهدات يظل مرتبطاً بتحديد كلفتها الإجمالية والإضافية، وشروط الاستفادة منها، وآجال تنفيذها، ومصادر تمويلها، مشيراً إلى أن الوثيقة الكاملة للبرنامج لا تتضمن كلفة إجمالية موحدة لجميع الالتزامات أو جدولاً شاملاً لمصادر تمويلها.
ميزان للموارد وقواعد للتحكيم بين الأولويات
وخلص التقرير إلى أن البرنامج الحكومي يتضمن أولويات وأهدافاً كمية متعددة، غير أن الانتقال بها إلى مرحلة التنفيذ يقتضي استكمال الشروط المالية والقياسية التي تسمح بتقييم مدى قابليتها للتحقق مجتمعة.
وفي هذا الصدد، أوصى المركز بإجراء اختبار مسبق لمدى انسجام الاستراتيجيات القطاعية، وإعداد ميزان وطني سنوي للموارد الاستراتيجية يرفق بمشروع قانون المالية، بما يوضح الحاجيات المتوقعة من الماء والكهرباء والتمويل والكفاءات، إلى جانب وضع قاعدة معلنة للتحكيم بين الأولويات تحت إشراف رئاسة الحكومة.
كما اعتبر أن ميزانية سنة 2027 تمثل أول اختبار عملي لقدرة الحكومة على ترجمة تعهداتها إلى اعتمادات مالية، بينما ستشكل ميزانية 2028 محطة أكثر شمولاً لقياس مدى إدماج الالتزامات في برمجة مالية وتنفيذية متكاملة.
ودعا التقرير إلى استثمار مرحلة إرساء البرنامج الحكومي في نشر المؤشرات المرجعية لسنة 2026، وتحديد المسارات السنوية للإنجاز والكلفة ومصادر التمويل والجهة المسؤولة عن كل التزام، حتى تصبح النتائج قابلة للقياس والتحقق والمساءلة.
وبذلك، يضع التقرير النقاش حول البرنامج الحكومي أمام مسألة تتجاوز عدد الوعود المعلنة إلى كيفية ترتيبها وتمويلها وتنفيذها في ظل محدودية الموارد وتعدد الحاجيات. فنجاح السياسات العمومية، وفق الإشكالات التي أثارها المركز، لن يقاس فقط بما تتضمنه البرامج من أهداف، وإنما أيضاً بمدى وضوح وسائل تحقيقها وقدرتها على التوفيق بين الأولويات المتنافسة.
