Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الميتاحب : كتب الأستاذ و الباحث الفيلسوف وفاق القدميري عن الحب ..”المشاعر خداعة متقلبة” ..”حب العقل وحده يستمر”..

الميتاحب..

إن أردت أن تحب أحدا لا تحبه بعاطفتك وحدها، هذا خطأ قاتل، فالمشاعر خادعة ومتقلبة، تخدع حتى من تصدر عنهم، إن أردت أن تحب فأحب بعقلك، حب العقل وحده من يستمر، حب العقل بمعنى أنك تصل لخلاصة مضمونها أن الحياة معه ليست أجمل أو أقل سوءاً، الحياة معه ضرورة منطقية وعقلية لكي لا يختل العالم.

الحب الانفعالي محض إفراط هرموني نشط، يعلو ويخبو، قد يتحول شرا مطلقا في الأخير، شر يجعلك تنسى أنك كنت ما كنت؛ لكن الارتباط العقلي هو تكتيك مركزي لتحقيق الانتصار في معركة الوجود في العالم، وللنصر لابد من اختيار شريك حرب وليس مؤنسا تشتاقه وتمله فقط، شريك تشتهيه وتنفره حسب تقلباتك وتقلباته الإفرازية والسلوكية.

من المأساوي مثلا أن تختار لك مشاعرك شخص فيه ضد ما فيك، ومقاومة عدوانية دائمة لما فيك، دونما أي رغبة متبادلة على صناعة معادلة تخلق نظاما ما بينكما، هذه المعادلة لا تستطيع فكها أية عاطفة مهما كانت عظيمة، هي معضلة عقلية لا يصلحها سوى التكامل بين عقلين من نفس الصيغة والتكوين، شيء لا يتحقق سوى بإرادة صلبة على خلق النظام بين عالمين تصنع المشاعر الفوضى العارمة في كل تلاقي بينهما.

عندما أرى شخصين في التسعين من عمرهما يمسكان بيدي بعضهما في مشهد نادر ومهيب، لا أفكر فيما يفكر فيه الغالبية عنهما، وهو أن الحب من صنع هذا، نهائيا، وأنا أظن أن الحب بمعناه الرائج ليس بهذه القوة ولا الجدارة؛ بل أظنه التماهي العقلي الذي يجمع كيانين هضم كل واحد منهما لوغاريتمات الآخر، فكل أسئلة الأول واحتياجاته صارت مختزلة ومحفوظة تماما عند الآخر، كل منها يصير معادلة شديدة التعقيد، معادلة نسجتها السنين على مهل، ولا إجابة لها إلا عند حافظ السر المقابل؛ طبيعة هذا الوجود الثنائي يتصيّر لضرورة ملزمة من أجل الاستمرار في العالم، وليس مجرد ترف شاعري يعطي بعض الألوان غير الأصلية.

هذا هو الميتاحب، عندما يصير الحب متجاوزا نحو ماورائياته، الحب الذي يجسد قصورا لا تتحقق أقصى ممكناته إلا بنفيه، وبتجاوزه نحو أصوله العقلية، فهي الأصلب وإن كانت الأقل شاعرية؛ تجاوز يرتقي فوق النزعة الذاتية ليصير تكتيكا محكما لتوسيع أفق الكينونة لتصير ثنائية بدل نموذجها الأحادي المبني على محدودية العواطف.

الميتاحب، هو الرهان على خطة للنجاة من العالم بشكل ثنائي، تكتيك هادئ وغير انفعالي، يمتد بعيدا في طبيعتنا الحية، الطبيعة التي تضع فينا ختما دفينا من أجل حفظ سر الاستمرار وصيانته، سر لا يُصان سوى بين كينونتين، ما يجمعهما عليه أن يكون جديرا بأن يحقق الامتداد.

بقلم وفاق القدميري


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...