Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

المسرح المغربي .. رؤى شبابية في المهرجان الوطني للمسرح في دورته السادسة والعشرين

يصل المهرجان الوطني للمسرح، المنظم حاليا بمدينة تطوان تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى دورته السادسة والعشرين، حاملا معه سؤالا يتجاوز حدود المنافسة بين العروض وتتويج الفائزين: إلى أين يتجه المسرح المغربي اليوم؟

فالملاحظ في برمجة هذه الدورة هو الحضور اللافت للتجارب المسرحية الشابة والمحترفة ضمن المسابقة الرسمية، إلى جانب احتفاء المهرجان بأسماء وازنة من رواد المسرح المغربي، من خلال معرض المجسمات النصفية الذي يستحضر أسماء من قبيل الراحل الطيب الصديقي، وعبد الصمد الكنفاوي، وثريا جبران، ونعيمة المشرقي، والطيب العلج، وغيرهم من الذين أسهموا في بناء الذاكرة المسرحية الوطنية.

وليس الجمع بين هؤلاء الرواد وبين جيل جديد من المسرحيين مجرد مصادفة في برمجة مهرجان. إنه، في حد ذاته، صورة مكثفة لمسار الفن المسرحي المغربي: ماضٍ أسس، وحاضر يختبر، ومستقبل يبحث عن لغته الخاصة.

لكن هذا الحضور المزدوج يضع سؤالا أكثر إلحاحا أمام الممارسين الجدد: هل المسرح المغربي اليوم يبني على ما راكمه السابقون، أم أنه يتجه نحو القطيعة معهم؟

ربما لا يتعلق الأمر بالاختيار بين التراكم والقطيعة بقدر ما يتعلق بقدرة الجيل الجديد على إعادة قراءة الإرث المسرحي المغربي بلغة معاصرة. فالمبدع لا ينطلق من فراغ، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يعيش أسير ما أنجزه السابقون.

ومن هذه الزاوية تبدو برمجة الدورة السادسة والعشرين لافتة، ليس فقط بسبب عدد الشباب المشاركين، وإنما بالنظر إلى تعدد الأسماء والتجارب التي تخوض غمار التأليف والإخراج والسينوغرافيا، وبعضها يسجل حضوره في المسابقة الرسمية لأول مرة.

وتكشف البطاقات التقنية للعروض العشرة المشاركة عن هذا التحول بوضوح. فنجد، مثلا، مسرحية «سيركلاج» من تأليف محمد أمين أطراروا، وإخراج ربيع بن جحيل التداوي، وسينوغرافيا ياسين برعيش؛ و «البحرية والوداد» من تأليف حميد الطالبي وإخراج خالد ازويشي، الذي يسجل حضوره الثالث تواليا في المهرجان، فيما أنجزت سينوغرافيتها آية حروش.

كما تحضر تجربة «ضباب» من تأليف أيوب أبو النصر، وإخراج مريم الزعيمي، وسينوغرافيا عبد الحي السغرونشي، وهي أسماء تنتمي إلى جيل شاب راكم حضورا في مجالات مختلفة من المشهد الفني المغربي.

وتضم المسابقة أيضا مسرحية «أمر» من تأليف الكاتب المسرحي أحمد السبياع وإخراج يوسف العروبي، إلى جانب «ثلاث عيون وقط» من تأليف وإخراج وسينوغرافيا أمين بودريقة، وهو مبدع شاب سبق له أن توج بالجائزة الوطنية.

أما مسرحية «ساح الزين»، فتأتي من إخراج سامي سعد الله، الذي راكم تجربة مسرحية بمدينة الدار البيضاء، وتأليف عبد المجيد سعد الله، فيما تحمل السينوغرافيا توقيع ياسين الزاوي. وتحضر كذلك مسرحية «ظلام» لمحمد أمين الساهل، وهو بدوره اسم سبق له التتويج في المسابقة.

وفي مقابل هذه التجارب، تسجل الدورة حضور المخرج أمين ناسور، أحد الأسماء المخضرمة، من خلال مسرحية «المصعد»، بسينوغرافيا طارق الربح.

وما تكشفه هذه الأسماء ليس مجرد تنوع في المشاركات، وإنما تحول في مواقع صناعة العرض المسرحي نفسه. فالشباب لا يحضرون فقط كممثلين أو كعناصر داخل فرق قائمة، بل يدخلون بشكل متزايد إلى مواقع الكتابة والإخراج وبناء الرؤية السينوغرافية.

وهنا ربما تكمن أهمية هذه الدورة.

فالمسرح المغربي يبدو وكأنه يعيش مرحلة انتقالية، تتجاور فيها الخبرات المتراكمة مع رؤى جديدة تحاول أن تجد لنفسها مكانا داخل المشهد، بل وأن تعيد تعريفه أحيانا.

ويزداد هذا التحول وضوحا مع الحضور المتنامي للتقنيات الحديثة، وفي مقدمتها تقنية المابينغ، التي بدأت تفرض نفسها باعتبارها جزءا من الأدوات البصرية الجديدة في صناعة العرض المسرحي. وقد كان هذا التحول موضوعا حاضرا في الندوة المركزية للمهرجان، بما يطرح سؤال العلاقة بين التكنولوجيا والفرجة المسرحية، وبين التقنية والضرورة الفنية.

غير أن التكنولوجيا، مهما بلغت جاذبيتها، لا تصنع وحدها مسرحاجديدا. فالسؤال الحقيقي يظل متعلقا بما تستطيع هذه الأدوات أن تضيفه إلى الرؤية، لا بمجرد حضورها على الخشبة.

ومن هنا أيضا تبدو أهمية لجنة الانتقاء التي أتاحت الفرصة لعدد من التجارب الشابة للوصول إلى منصة المهرجان الوطني، رغم أن إدارة المهرجان، في شخص الدكتور ياسين أحجام، كانت قد أشارت إلى أن عدد الفرق المشاركة هذا الموسم انخفض إلى عشر بدل اثنتي عشرة، بسبب انخفاض عدد الإنتاجات الجديدة في بداية الموسم.

وقد يكون هذا المعطى، في حد ذاته، مدعاة للتأمل في واقع الإنتاج المسرحي المغربي، وفي الشروط التي تسمح للتجارب الجديدة بأن تولد وتستمر وتصل إلى الجمهور والمنصات الوطنية.

إن قيمة المهرجان لا تختصر في الجوائز التي ستعلن عنها لجنة التحكيم في حفل الاختتام، وإنما في قدرته على أن يكون مرآة للتحولات التي يعرفها المسرح المغربي.

وإذا كان حضور أسماء من ذاكرة المسرح المغربي إلى جانب جيل جديد من المبدعين يمنح هذه الدورة دلالة خاصة، فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحا بعد إسدال الستار هو: هل نحن أمام جيل جديد يواصل بناء المسرح المغربي، أم أمام جيل يؤسس لمسرح مغربي جديد؟

ربما يكون الجواب في مكان ما بين الاثنين.

فلا مستقبل حقيقيا من دون ذاكرة، ولا ذاكرة حية من دون قدرة على التجدد.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المهرجان: أن يفتح المجال للقاء الأجيال، وأن يجعل من الخشبة مساحة لاختبار الأفكار والرؤى، لا مجرد فضاء للتنافس على الجوائز.

وكل التوفيق للمهرجان الوطني للمسرح في دورته السادسة والعشرين، وهنيئا مسبقا لكل الفرق والفنانين الذين سيتوجون في حفل الاختتام، ولجنة التحكيم التي تضم نخبة من الأساتذة ورواد المسرح المغربي، يتقدمهم الأستاذ عبد الرحمن بن زيدان، الذي يجسد بدوره صلة وصل بين ماضٍ مسرحي عريق، وحاضر متحرك، ومستقبل واعد.

فالمسرح، في النهاية، لا يعيش بما أنجزه فقط، وإنما بما يستطيع أن يتخيله أيضا.


شاهد أيضا

شاهد أيضا