مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم يكن تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، اليوم، مجرد محطة دستورية تكتمل بها ولادة حكومة جديدة، ولا مجرد مناسبة لعرض قائمة من الأولويات والأهداف والأرقام. فالحكومة التي قدمت برنامجها اليوم أمام المؤسسة التشريعية تعرف، قبل غيرها، أن اللحظة السياسية التي جاءت فيها ليست لحظة عادية، وأن المواطن الذي تابع الانتخابات وسمع الوعود لا ينتظر خطابا حكوميا جديدا بقدر ما ينتظر أن يرى أثر السياسة في حياته اليومية.
من هنا تبدأ أهمية برنامج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومن هنا أيضا تبدأ صعوبة المهمة.
فالبرنامج الذي حمل سبع أولويات كبرى، من توطيد دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والريع، إلى ترسيخ الدولة الاجتماعية وإدماج الشباب وتأمين السيادة الاستراتيجية وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، يقدم في ظاهره سردية حكومية متماسكة.
لكن السياسة لا تقاس فقط بقدرة الحكومات على صياغة سرديات مقنعة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك السرديات إلى سياسات عمومية يمكن للمواطن أن يلمس نتائجها، ويمكن للبرلمان والإعلام والرأي العام أن يقيسوا حصيلتها.
وهنا يتحول البرنامج الحكومي من وثيقة سياسية إلى عقد للإنجاز.
الحكومة تقول صراحة إنها تستند إلى تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها والتزاماتها الانتخابية، وإنها ستنفذها تدريجيا وفق الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية. وهذه العبارة تبدو، في العمق، أكثر أهمية من كثير من العناوين التي حملها البرنامج؛ لأنها تضع الحكومة منذ اليوم أمام السؤال الأصعب: ما الذي سيبقى من الوعود الانتخابية عندما تبدأ كلفة التنفيذ في الاصطدام بحدود الإمكانات والاختيارات المالية؟
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن الوعود لا تنتهي معها.
الحزب الذي وعد بالتشغيل لا يستطيع أن يستبدل التشغيل بالتكوين فقط، والحكومة التي تتحدث عن إدماج الشباب مطالبة بأن تشرح كيف سينتقل الشاب من مقعد التكوين إلى فرصة العمل، ومن فرصة مؤقتة إلى شغل مستقر. فالتكوين وسيلة، وليس نتيجة. والتأهيل شرط، لكنه ليس منصب شغل. وهذه إحدى أهم النقاط التي ينبغي أن تظل تحت مجهر المتابعة خلال هذه الولاية.
البرنامج الحكومي تحدث عن اقتصاد منتج، وعن الاستثمار في البنيات الأساسية والاستراتيجيات الإنتاجية، وعن الصناعة والمنتوج الوطني، كما حدد هدفا برفع عدد السياح إلى 26 مليونا بحلول 2030، وربط النمو بضبط العجز والمديونية.
لكن السؤال الذي سيطرح نفسه باستمرار لن يكون: كم مشروعا استثماريا أعلن؟ بل: كم منصب شغل حقيقي نتج عن هذا الاستثمار؟
ذلك أن المغرب لا يعاني فقط من مشكلة الاستثمار، وإنما من مشكلة تحويل الاستثمار إلى قيمة مضافة وفرص شغل ودخل واستقرار اجتماعي. والحكومة نفسها أقرت بالحاجة إلى تصحيح التعثرات في تحويل الاستثمار إلى تشغيل وتحسين الخدمات والإنصاف.
وهنا يصبح البرنامج الحكومي أمام امتحان مختلف عن البرامج السابقة: امتحان القدرة على ربط الأرقام بالنتائج.
أن تقول الحكومة إنها تريد رفع مستوى التحكم في التعلمات الأساسية إلى 80 في المائة في أفق 2031، وأن تصل إلى “صفر انقطاع عن الدراسة” في أفق 2030، فهذا جيد من حيث وضوح الهدف وقابليته للقياس. لكن القيمة السياسية الحقيقية ستظهر عندما يستطيع الآباء والمدرسون والتلاميذ أن يشعروا بهذا التحول قبل الوصول إلى نهاية الولاية. والأمر نفسه ينطبق على الدولة الاجتماعية.
لا يكفي أن نختلف حول قيمة الدعم أو توقيت رفعه، بل يجب أن نسأل: هل ستصل السياسة الاجتماعية إلى الأسرة في الوقت الذي تحتاجها فيه، أم ستظل بعض الوعود مؤجلة إلى نهاية الولاية؟
المواطن لا يعيش داخل رزنامة حكومية. هو يدفع كلفة الأسعار اليوم، ويبحث عن عمل اليوم، ويحتاج إلى مدرسة جيدة اليوم، وإلى علاج محترم اليوم، وإلى سكن لائق اليوم.
ولهذا فإن الزمن السياسي للحكومة ليس هو الزمن الاجتماعي للمواطن. وهذه ربما إحدى أهم الزوايا التي يجب أن نقرأ من خلالها البرنامج.
فالحكومة مطالبة، في الوقت نفسه، بأن تحافظ على التوازنات المالية وأن تستجيب للانتظارات الاجتماعية. وقد أعلنت التزامها بضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، مع وضع المديونية في مسار تنازلي إلى حوالي 62 في المائة من الناتج الداخلي في أفق 2031.
وهذا يعني أن المعادلة لن تكون سهلة: كيف تمول الحكومة وعودها الاجتماعية، وتخلق فرص الشغل، وتطور الصحة والتعليم، وتحافظ على الاستثمار، وتواصل المشاريع الكبرى، وفي الوقت نفسه تضبط العجز والمديونية؟ هنا بالضبط تظهر السياسة، لا في الشعارات.
فالواقعية المالية مطلوبة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى واقعية سياسية تخفض سقف التطلعات كلما اقترب موعد الحساب.
وفي المقابل، فإن الطموح الاجتماعي لا يمكن أن يتحول إلى إنفاق غير محسوب يهدد التوازنات التي تقوم عليها الدولة.
لذلك، فإن نجاح حكومة المنصوري لن يقاس فقط بعدد الإصلاحات التي ستعلنها، وإنما بقدرتها على صناعة التوازن بين ما هو ممكن ماليا وما هو ضروري اجتماعيا.
ومن هذه الزاوية أيضا، تبرز قضايا لا ينبغي أن تختفي داخل العموميات: الطبقة الوسطى، الشباب، التشغيل، مغاربة العالم، العدالة المجالية، العالم القروي، وتكافؤ الفرص.
فالمغرب الذي يريد اقتصادا قويا وسيادة استراتيجية يحتاج إلى مواطن يشعر بأن الدولة تنصفه، وإلى طبقة وسطى لا تتحول تدريجيا إلى طبقة مثقلة بالكلفة، وإلى شباب يرى في المستقبل فرصة وليس مجرد انتظار.
ويحتاج كذلك إلى مغاربة العالم باعتبارهم جزءا من الرأسمال الوطني، وليس فقط باعتبارهم مصدرا للتحويلات.
والأهم من كل ذلك أن البرنامج الحكومي تحدث عن الثقة وربط تنفيذ البرنامج برقابة البرلمان وتقييمه، وبمساهمة القوى الوطنية والإعلام.
وهنا ينبغي أن نأخذ الحكومة عند كلامها. لأن الرقابة لا تبدأ بعد خمس سنوات. يمكن أن تبدأ من السنة الأولى، بل من الأشهر الأولى. يمكن أن يكون لكل التزام حكومي مؤشر، ولكل مؤشر أجل، ولكل أجل مسؤول، ولكل تعثر تفسير. وهذا ما يجعلنا في حاجة إلى شيء أكثر من برنامج حكومي: نحتاج إلى ثقافة الحصيلة.
أن نعرف في نهاية كل سنة ماذا تحقق، وماذا لم يتحقق، ولماذا لم يتحقق، وما الذي تغير في الأهداف والآجال والتمويل.
فالديمقراطية لا تختبر فقط يوم الاقتراع، وإنما تختبر أيضا في اليوم الذي يسأل فيه المواطن الحكومة: ماذا فعلتم بما وعدتم؟
ومن هنا، فإن البرنامج الحكومي 2026–2031 لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره برنامج حكومة جديدة، وإنما باعتباره أول امتحان سياسي حقيقي لهذه الأغلبية.
هل تستطيع أن تحول تقارب أحزابها وبرامجها الانتخابية إلى مشروع حكومي واحد دون أن تضيع الوعود الأصلية في الطريق؟
هل تستطيع أن تجعل الاستثمار ينتج الشغل، والنمو ينتج العدالة، والدولة الاجتماعية تنتج أثرا ملموسا، والإصلاح ينتج ثقة؟
وهل تستطيع أن تقنع المواطن بأن عبارة “نهاية الولاية” ليست موعدا لتأجيل كل شيء، وإنما سقفا زمنيا لإنجاز ما يجب أن يبدأ من الآن؟
تلك هي الأسئلة التي ستلاحق حكومة المنصوري طوال ولايتها.
أما اليوم، فليس مطلوبا أن نحكم على البرنامج بالفشل قبل أن يبدأ، ولا أن نمنحه شهادة نجاح قبل أن يختبره الواقع.
المطلوب فقط أن نقرأه بعين سياسية هادئة، وأن نضع وعوده تحت الضوء، وأن ننتظر الإنجاز.
ونحن، في النهاية، لا نريد حكومة تفشل حتى نثبت أنها أخطأت، ولا معارضة ترفض كل شيء لمجرد الرفض. نريد حكومة تنجح. لأن نجاح حكومة المنصوري ليس نجاحا لحزب أو أغلبية، وإنما نجاح للمغرب.
وكل الدعاء بالتوفيق لرئيسة الحكومة وأعضاء حكومتها في هذه المهمة الثقيلة؛ فنجاحهم، في نهاية المطاف، نجاح للوطن.
لكن بين الدعاء بالتوفيق وبين المحاسبة السياسية مسافة اسمها الإنجاز. وهناك، تحديدا، سيكون الامتحان الحقيقي.
