مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
لم يعد النقاش حول تجديد النخب السياسية في المغربمقتصراً على البرامج الانتخابية، أو حصيلة العملالبرلماني، أو مدى قدرة الأحزاب على استقطاب كفاءاتجديدة. لقد برز، إلى جانب ذلك، سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت الروابط العائلية والسياسية عاملاً حاسماً في الوصول إلى المؤسسة التشريعية؟ وهل نحن أمامظاهرة تستدعي إعادة التفكير في معايير الترشيحواختيار ممثلي الأمة؟
إن المتأمل في تركيبة مجلس النواب يطرح، في هذاالسياق، تساؤلات مشروعة حول وجود عدد من المنتخبينالذين تربطهم صلات عائلية بمسؤولين سياسيين أوحزبيين، سواء تعلق الأمر بزوجات هؤلاء المسؤولين أوأبنائهم أو بناتهم. ومهما اختلفت الحالات والسياقات، فإن تكرار مثل هذه الصور يفتح الباب أمام نقاش جديبشأن تكافؤ الفرص داخل الأحزاب السياسية، ومدىاستقلالية قرارات التزكية، وحدود التداخل بين النفوذالعائلي والتمثيل الديمقراطي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ألا تزخر الأحزابالسياسية المغربية بكفاءات وطاقات شابة وأطر أكاديميةومهنية قادرة على تحمل المسؤولية التشريعية والرقابية؟ ألا توجد نساء ورجال راكموا تجارب في العمل الجمعويوالنقابي والحقوقي والاقتصادي، ويملكون من المؤهلاتما يسمح لهم بالمساهمة في تدبير الشأن العام؟
إن الإشكال لا يكمن في كون المرشح زوجة مسؤولسياسي أو ابنه أو ابنته، فالرابطة العائلية لا تعني، فيحد ذاتها، انعدام الكفاءة أو عدم الأهلية السياسية. كماأن الانتماء إلى عائلة سياسية لا ينبغي أن يتحول إلىمانع تلقائي من ممارسة الحقوق الدستورية. لكنالإشكال الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي، أوالقرب من مراكز القرار الحزبي، امتيازاً غير معلن يمنحصاحبه فرصاً لا تتاح بالقدر نفسه لبقية المناضلينوالمرشحين.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على حق الجميع في الترشح، بل تحتاج أيضاً إلى ضمان شروط عادلة للتنافس، وإلىأحزاب تفتح أبوابها أمام الكفاءات على أساسالاستحقاق، لا على أساس الولاء أو القرابة أو النفوذ.
هل تسيء هذه الظاهرة إلى صورة المؤسسةالتشريعية؟
إن البرلمان ليس مجرد فضاء لتجميع المقاعد الانتخابية، بل هو مؤسسة دستورية يفترض أن تعكس تنوع المجتمع، وأن تمثل مصالح المواطنين، وأن تضطلع بمهام التشريعومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
ومن تم، فإن تكرار حضور أفراد من العائلة السياسيةنفسها داخل المؤسسة التشريعية قد يثير لدى الرأي العامتساؤلات حول طبيعة الاختيارات الحزبية، وحول ما إذاكانت التزكيات تُمنح بناء على الكفاءة والاستحقاق، أمتتأثر أحياناً باعتبارات النفوذ العائلي والحساباتالتنظيمية.
ومثل هذه التساؤلات قد تؤثر في صورة البرلمان وفي ثقةالمواطنين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن الوصول إلى مواقع المسؤوليةليس متاحاً بالقدر نفسه للجميع.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين مجرد وجود صلةعائلية، وهو أمر لا يكفي وحده لإثبات المحاباة، وبين وجودقرائن فعلية على استغلال النفوذ أو تفضيل الأقارب دونمعايير موضوعية. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقةعلى الأشخاص، وإنما المطالبة بقواعد واضحة وشفافةتجعل الاستحقاق معياراً أساسياً في اختيار المرشحين.
بين الحق الدستوري والتنافي الأخلاقي
قد لا يكون ترشيح الأقارب، في حد ذاته، مخالفاً للقانون، ما دامت شروط الأهلية القانونية متوافرة. لكن السؤالالأخلاقي يظل قائماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمربمسؤولين سياسيين أو حزبيين يملكون تأثيراً في قراراتالتزكية، ثم نجد أفراداً من أسرهم يستفيدون من مواقعانتخابية داخل الحزب نفسه أو في المجال السياسيذاته.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين الحق القانوني والممارسةالأخلاقية. فليس كل ما يسمح به القانون بالضرورةممارسة سليمة من زاوية الحكامة السياسية، كما أنتضارب المصالح لا ينبغي أن يُفترض لمجرد وجود قرابة، بل يتطلب النظر في طبيعة القرار، وموقع المسؤول، ومدىتأثيره في عملية الاختيار.
إن المسؤولية السياسية تقتضي قدراً أكبر من التحفظوالشفافية، لأن من يتولى تدبير الشأن العام مطالب بأنيقدم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصيةوالعائلية، وأن يتجنب كل وضع قد يثير شبهة المحاباة أويضعف الثقة في نزاهة المؤسسات.
برلماني وبناته في الدائرة نفسها: أين ينتهيالتمثيل ويبدأ الاحتكار؟
تزداد حدة الإشكال عندما يتعلق الأمر بحالات يكون فيهابرلماني، إلى جانب عدد من بناته أو أفراد أسرته، حاضرين في المشهد الانتخابي داخل الدائرة نفسها أوالمدينة ذاتها. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود النقاشمقتصراً على حق كل فرد في الترشح، بل يمتد إلى طبيعةالتنافس السياسي، وحدود تكافؤ الفرص، ومدى قدرةبقية الفاعلين على الوصول إلى الناخبين في ظروفمتوازنة.
فهل يمكن الحديث عن تنافس متكافئ عندما تتقاطعالروابط العائلية مع النفوذ التنظيمي والامتداد الانتخابي؟ وهل يستطيع المرشح الذي لا يستند إلى شبكة عائليةسياسية أن ينافس بالوسائل نفسها؟ ثم ألا يطرح تمركزالتمثيل السياسي داخل عائلة واحدة، في مجال جغرافيمحدد، سؤالاً حول مدى تعددية النخب التي تصل إلىالمؤسسات المنتخبة؟
إن الخطر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا ليس في وجودعائلة تضم أكثر من شخص مهتم بالشأن العام، وإنمافي احتمال تحول النفوذ السياسي المتراكم إلى امتيازيصعب على الآخرين منافسته، بما قد يؤدي إلى تضييقالمجال أمام كفاءات وفعاليات أخرى من المنطقة نفسها.
كما أن هذا الوضع يستدعي نقاشاً حول مبدأ الجهويةوالتمثيل الترابي. فالجهوية، في بعدها الديمقراطي، لاتعني مجرد توزيع المقاعد على المجالات الجغرافية، بلتقتضي أيضاً إتاحة المجال أمام تعددية الفاعلينالمحليين، وتمكين مختلف مكونات المجتمع من المشاركة فيتدبير الشأن العام. وإذا تركز التمثيل السياسي فيأيدي شبكة عائلية محدودة، فإن ذلك قد يضعفالإحساس بتنوع التمثيلية، حتى إن كان احترام الشروطالقانونية للانتخاب متحققاً.
هل نحتاج إلى تعديل القوانين الانتخابية؟
إن هذه الأسئلة تدعونا إلى التفكير الجدي في سبلتطوير الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر للانتخابات، بمايعزز النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، دون المساسبالحقوق الدستورية للمواطنين أو تحويل القرابة العائليةإلى سبب تلقائي للإقصاء.
ويمكن أن ينصب النقاش على مجموعة من التدابير، منبينها:
– وضع معايير أكثر وضوحاً وشفافية لاختيار المرشحينداخل الأحزاب السياسية، مع الإعلان عن مساطر التزكيةوأسس المفاضلة بين المتنافسين.
– تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتمكين المناضلينوالكفاءات المحلية من المشاركة الفعلية في اتخاذ قراراتالترشيح.
– إقرار قواعد للشفافية والإفصاح عن حالات تضاربالمصالح، خصوصاً عندما يكون لمسؤول حزبي تأثيرمباشر في تزكية أحد أقاربه.
– التفكير في ضوابط قانونية متناسبة تمنع استغلالالنفوذ الحزبي أو الإداري لتحقيق مكاسب انتخابيةعائلية، مع إخضاع أي قيود محتملة على الترشح لنقاشدستوري وقانوني دقيق.
– تقوية آليات مراقبة تمويل الحملات الانتخابية واستعمالموارد الأحزاب، بما يضمن ألا تتحول الإمكاناتالتنظيمية والمالية إلى وسيلة لإدامة النفوذ داخل العائلاتنفسها.
الأحزاب أمام امتحان تجديد النخب
لا يمكن تحميل القانون وحده مسؤولية هذه الظاهرة، إنثبت اتساعها، لأن الأحزاب السياسية تتحمل بدورهامسؤولية أساسية في تجديد نخبها، وإعادة الاعتبارللعمل الحزبي القائم على التدرج والاستحقاق والتكوينالسياسي.
فالحزب الذي يريد استعادة ثقة المواطنين مطالب بأنيثبت أن أبوابه مفتوحة أمام الكفاءات، وأن التزكية ليستامتيازاً تمنحه العلاقات الشخصية، وأن القيادة السياسيةلا تتحول إلى مجال مغلق يعيد إنتاج الوجوه نفسها، أويوسع نفوذها عبر أفراد الأسرة الواحدة.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُختار الأسماء التيتطلب أصواتهم، وما المعايير التي تحكم ترتيب المرشحينوتزكيتهم، ومدى احترام هذه المعايير على قدم المساواة. فالشفافية في الاختيار ليست شأناً داخلياً محضاً عندمايتعلق الأمر بمؤسسات تمثل الأمة وتؤثر في حاضر البلادومستقبلها.
البرلمان ملك للمواطنين، لا امتداد للعائلات
إن التساؤل عما إذا كنا أمام «برلمان العائلات» ليسحكماً نهائياً على المؤسسة التشريعية، ولا اتهاماً جماعياً للمنتخبين الذين تربطهم علاقات قرابة بمسؤولينسياسيين. إنه سؤال يراد منه فتح نقاش عمومي حولحدود النفوذ العائلي في الحياة السياسية، ومدى قدرةالنظام الحزبي والانتخابي على ضمان تداول النخبوتجديدها.
فالمواطن لا ينتظر من البرلمان أن يكون ساحة لتوارثالمواقع السياسية، بل مؤسسة تتنافس داخلها الكفاءاتوالبرامج والرؤى، ويكون فيها معيار الاختيار هو القدرةعلى تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم، لا الاسمالعائلي أو القرب من مراكز القرار.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إقصاء أبناء السياسيين أوزوجاتهم لمجرد انتمائهم العائلي، وإنما ضمان ألا تتحولالقرابة إلى طريق مختصر نحو السلطة، وألا يصبحالنفوذ المتراكم عائقاً أمام ظهور كفاءات جديدة.
فهل تستطيع الأحزاب السياسية أن تبادر إلى مراجعةأساليب التزكية، وأن تقدم للرأي العام ما يثبت أنالاستحقاق هو أساس الاختيار؟ وهل آن الأوان لفتحنقاش تشريعي ومؤسساتي جدي حول الضمانات الكفيلةبتحقيق تكافؤ الفرص وتجديد النخب؟
إن قوة البرلمان لا تقاس بعدد المقاعد التي تشغلها عائلةأو مجموعة من العائلات، وإنما بمدى تعبيره عن تعدديةالمجتمع، واستقلالية قراره، وقدرته على استعادة ثقةالمواطنين. فالمؤسسات الديمقراطية لا تُبنى علىالامتيازات الموروثة، بل على الاستحقاق والمساءلة وتكافؤالفرص.
