مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
” تشكل انتخابات أعضاء مجلس النواب المقررة في 23 شتنبر 2026 محطة دستورية أساسية لتعزيز مسار البناء الديمقراطي، وتجديد الثقة في المؤسسات الدستورية، وترسيخ مبادئ الشفافية والديمقراطية ونزاهة العملية الإنتخابية ، بما يضمن تمثيلية حقيقية للمواطنين ويقوي المؤسسات المنتخبة، ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، وفق احترام تام للدستور والقوانين التنظيمية المؤطرة للحياة السياسية.”
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لا يبدو أن الرهان هذه المرة يقتصر على احترام الآجال الدستورية أو تنظيم اقتراع عادي، بل يتجاوز ذلك إلى اختبار حقيقي لقدرة المنظومة القانونية الجديدة على استعادة ثقة المواطن في الفعل السياسي. فالنصوص، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة الأثر إذا لم تنعكس على الممارسة، وهو ما يجعل الاستحقاقات المقبلة لحظة مفصلية في مسار البناء الديمقراطي بالمغرب.
لقد اختارت السلطات العمومية أن تسبق الزمن السياسي بزمن تشريعي مكثف، من خلال إطلاق حزمة من القوانين والمراسيم التي تمس مختلف تفاصيل العملية الانتخابية. من ورقة التصويت الموحدة، إلى سقف النفقات، مرورا بشروط الترشح وتنظيم الحملات، يبدو أن هناك توجها واضحا نحو ضبط “هندسة الانتخابات” بدقة، في محاولة للحد من الاختلالات التي طبعت بعض التجارب السابقة.
غير أن هذا التوجه، على أهميته، يطرح سؤالا مركزيا: هل يمكن للقانون، مهما بلغ من صرامة، أن يعوض ضعف الثقة المتراكم لدى فئات واسعة من المواطنين؟
من أبرز المستجدات التي حملها الإطار القانوني الجديد، رفع سقف النفقات الانتخابية من 500 ألف إلى 600 ألف درهم. قرار قد يبدو تقنيا في ظاهره، لكنه في العمق يعكس تحولات أعمق في طبيعة التنافس الانتخابي. فالحملات أصبحت أكثر كلفة، سواء من حيث التواصل الرقمي أو الحضور الميداني، ما يفرض مراجعة سقف الإنفاق.
لكن هذا المعطى يفتح الباب أمام تخوفات مشروعة. إذ يرى عدد من المتتبعين أن رفع السقف قد يعمق الفوارق بين المرشحين، خاصة في ظل تفاوت الإمكانيات المالية. وفي هذا السياق، يقول فاعل سياسي: “الإشكال الحقيقي ليس في رفعالسقف، بل في مدى احترامه ومراقبته بشكل فعلي”. وهو تصريح يعكس جوهر الإشكال المرتبط بفعالية آليات المراقبة، أكثر من النصوص نفسها.
في المقابل، تحمل بعض المقتضيات طابعا إصلاحيا واضحا، خصوصا تلك المتعلقة بتخليق الحياة السياسية. فحرمان الأشخاص المتابعين في قضايا جنائية أو المدانين قضائيا من الترشح، يمثل رسالة قوية في اتجاه القطع مع ممارسات أضرت بصورة المؤسسات المنتخبة.
غير أن هذا الإجراء يثير بدوره نقاشا قانونيا وحقوقيا، خاصة فيما يتعلق بقرينة البراءة. فبين ضرورة حماية نزاهة الانتخابات، وضمان الحقوق الأساسية للأفراد، يظل التوازن دقيقا، ويحتاج إلى تنزيل حذر يراعي روح القانون قبل خرقه.
كما أن إعادة النظر في حالات التنافي، والسماح مجددا بالجمع بين بعض المسؤوليات، يطرح تساؤلات حول مدى تأثير ذلك على جودة الأداء التمثيلي، وعلى مبدأ فصل السلط وتكافؤ الفرص.
تحاول النصوص الجديدة أيضا معالجة إشكالية تمثيلية النساء والشباب، من خلال فرض نسب دنيا سواء في تأسيس الأحزاب أو في بنيتها التنظيمية. وهي خطوة مهمة، تعكس وعيا بضرورة تجديد النخب السياسية وإدماج فئات ظلت مهمشة نسبيا.
لكن التجارب السابقة أظهرت أن التمثيلية العددية لا تعني بالضرورة تمكينا فعليا. إذ يظل التحدي الحقيقي هو ضمان مشاركة هذه الفئات في مراكز القرار، وليس فقط حضورها الشكلي في اللوائح والهياكل.
وفي هذا الإطار، يقول باحث في العلوم السياسية: “الديمقراطية لا تقاس بعدد الشباب داخل المؤسسات، بل بمدى قدرتهمعلى التأثير في القرار”.
من بين أبرز رهانات انتخابات 2026، الحضور القوي للتكنولوجيا في مختلف مراحل العملية الانتخابية. فاعتماد التسجيل الإلكتروني في اللوائح الانتخابية يشكل خطوة متقدمة نحو تبسيط الإجراءات وتوسيع المشاركة، خاصة بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج.
غير أن هذا التحول يطرح تحديات جديدة، تتعلق أساسا بالأمن الرقمي، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان تكافؤ الولوج إلى الخدمات الرقمية.
الأكثر أهمية، هو قرار منع نشر استطلاعات الرأي واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال فترة الاقتراع. وهو إجراء يعكس إدراكا متزايدا بخطورة التأثير الرقمي على توجهات الناخبين. ويعلق خبير في الاتصال السياسي قائلا: “الانتخابات اليوم لاتحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل أيضا في الفضاء الرقمي”.
لا يمكن الحديث عن انتخابات ذات مصداقية دون التوقف عند دور الإعلام. فوسائل الإعلام، التقليدية والرقمية، تشكل عنصرا حاسما في توجيه الرأي العام، سواء من خلال تغطية الحملات أو تحليل البرامج.
إعلام مهني، مستقل وناقد، قادر على رفع منسوب الوعي لدى الناخبين، وكشف الاختلالات، وتعزيز النقاش العمومي. في المقابل، فإن إعلاما منحازا أو سطحيا قد يساهم في تعميق أزمة الثقة، وتحويل العملية الانتخابية إلى مجرد صراع دعائي.
غالبا ما ينصب التركيز على يوم الاقتراع، باعتباره لحظة الحسم. لكن التجارب أثبتت أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج. فالمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظلان عنصرين حاسمين في بناء الثقة.
المواطن اليوم لا يبحث فقط عن وعود انتخابية، بل عن نتائج ملموسة. وهو ما يجعل من أداء المنتخبين، بعد وصولهم إلى المؤسسات، معيارا أساسيا لتقييم جدوى العملية الانتخابية برمتها.
في ضوء كل هذه المعطيات، يبدو واضحا أن انتخابات 2026 ليست مجرد محطة عادية، بل اختبار حقيقي لمنسوب الثقة في الحياة السياسية. فالنصوص القانونية، رغم أهميتها، تظل غير كافية إذا لم تواكب بثقافة سياسية جديدة، تقوم على النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وقد عبرت التوجيهات الملكية عن هذا التوجه، من خلال التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية في الإعداد للانتخابات، تقوم على الحوار والتشاور مع مختلف الفاعلين. وهو ما يعكس إدراكا بأن بناء الثقة عملية معقدة، تتطلب انخراط الجميع.
يقف المغرب اليوم أمام لحظة سياسية دقيقة: إما تحويل هذه الترسانة القانونية إلى رافعة حقيقية لتعزيز الديمقراطية، أو الاكتفاء بها كإصلاحات تقنية محدودة الأثر.
وبين هذين الخيارين، يظل الناخب هو الحلقة الحاسمة. فقد أصبح أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التمييز، وأقل استعدادا لمنح صوته دون مقابل سياسي واضح.
إن التحدي الحقيقي لانتخابات 2026 لا يكمن فقط في تنظيم اقتراع شفاف، بل في إقناع المواطن بأن صوته له قيمة، وأن المشاركة السياسية قادرة فعلا على إحداث التغيير.
وإلى أن يحين موعد الاقتراع، سيبقى السؤال معلقا:
هل تنجح القوانين في استعادة الثقة، أم الثقة تحتاج إلى ما هو أبعد من القوانين؟.
