Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

الأستاذية والتلمذة..بقلم الأستاذ وفاق القدميري..

الأستاذية والتلمذة..

أشعر دائما أنّ لدي توقير وتقدير وازن لمن درسوني، توقير لا أنجح في تحويله لصداقة بطلب من بعض هؤلاء الأكارم الذين قفز الارتباط بهم إلى مقامات أعلى من مقام أستاذ بتلميذه أو طالبه، فيستعصي عليّ ذهنيا أن أنطق باسمهم دون هذه الصفة، وتعوزني دائما شجاعة نزع ذلك الوقار السيكولوجي الذين أتمثلهم عليه في الأوّل، وخاصة أولئك الذين ساهموا في نسج خرائطي الذهنية، وساهموا في تلك المنعطفات المهمة التي عرفتها أفكاري، ومن فعلوا هذه الفُعول هم في أغلبهم يمثلون نوعا من التصور الروحاني الذي لديّ عن هذه الأستاذية.

لربما أفسّر هذا التوقير المبدئي بطبيعة تكويني وأنا طفل، واضب في نوع من الإلزام العسكري على الانتقال مباشرة بعد انتهاء الموسم الدراسي إلى “الجامع” لحفظ القرآن، فكانت تمتد عنده الدراسة دون انقطاع من الخريف وحتى الخريف الموالي، فالأول يبدأ معه الموسم الدراسي، والثاني تنختم معه الصيفية القرآنية؛ هذه المواظبة الإلزامية تُشبعك بنوع من المريدية النمطية، مريدية عكس تلك التي يقول عنها ابن عربي «هي أن تريد وتراد، وفق أُلفة بين عقلين وروحين»، هذه المريدية لم أتشبعها وامتلئ بها إلا في حضرة الفلسفة، كأنني كنت في وضع كمون وضمور لم تُفكّ طلاسيمه إلاّ بالمساءلة الوقحة للبداهات والجرأة الجامحة على السائد، ففي هذه اللحظة فقط عرفت من هم مريديّ.

لكن وتدقيقا لهذه الطريق، فالمريدية في الفلسفة هي مريدية “لاخلاصية”، فالالتقاءات بين التلاميذ والمعلمين في الفلسفة هي التقاءات تسليم عدة ليس إلاّ، لا التقاءات اتباع أبدي، وعودة لابن عربي الذي رَهَنَ عمره في إيجاد أوتادئه، ففي الفلسفة يُرهن العمر النظري في صنع تلك الأوتاد، أو صنعها وهدمها بشكل دائم، في مسار لا نهائي من الصنع والهدم طمعا في شيءٍ ولو قليل من الحقيقة، لا الحلول ولا التجلي ولا الصعود، ولا بحثا عن شيء هو موجود أزليا وما عليك سوى كشف سر مكانه؛ الفلسفة ليست هكذا تماما.

يتحدث هانز غادمير في كتاب التلمذة الفلسفية، والذي هو أشبه بسيرة ذاتية وفكرية، عن آمرين يثيران الاهتمام، الأول هو احتكاكه الأول بهيدغر في إحدى الحلقات الدراسية لموريتز ييغر سنة 1921، هو ليس احتكاكا بهيدغر مباشرة، بل بطالب استعمل ألفاظا وإيقاعا في النظر بدى غريبا على غادمير حينها، ليستفسر ييغر عن هذا الطالب، ليجيبه أنّه “متهيدغر” بمعنى أنّه متشبع بفكر مارتن هيدغر الفيلسوف الشاب الصاعد بقوة في الساحة الفلسفية الألمانية حينها، ليشير غادمير ساخرا أنّ الكثيرين صاروا “متهيدغرين” بعد ذلك بما فيهم هو. ثم في أمر آخر، وهو بعد سقوط الرايخ الثالث وورطة هيدغر الموسوم بالنازية حينها، وعزلته الفكرية واستعصاء حصوله على مكان قار في الجامعة، لم يتوقف هذا الأخير نهائيا عن ممارسة الأستاذية، بل حلقاته عن شعر هولدرلين ولقاءات كتبه كانت تجلب مهتمين من كل بقاع العالم، لتعبر الهيدغرية عن روح من الارتباط النظري والفكري، بقوة وثبات يتجاوز بكثير التورط السياسي لصاحبها، فالفكر الأصيل قد يصل من القوة إلى درجة أنه يمارس غفرانا وتطهيرا من تورط فادح.

أنقذ الفكر هيدغر، كما أنقذته الأستاذية التي مارسها هذا الفكر، أستاذية تمارس روحانية خفية، تمدُّ بعدد صلبة للتفكير في العالم، ليس هيدغر وغادمر إلاّ مثالا استدعته ضرورة الاستشهاد في هذا النص؛ والتلمذة هي الصدى المقابل لهذه الأستاذية. ثنائية تقوم في الدين على تعليم الخلاص، وفي العلم كشف العالم، وفي الصنائع والحرف على تسهيله، وفي الفلسفة على فهمه.

هذه الثنائية قد لا تشرح فقط كيف تنتقل المعارف أو كيف تتمايز عن بعضها، بل يمكن أن تشرح كيف تستمر الخُلاصات الحضارية رغم التسارع المهول للزمن؛ لربما تحتاج هذه الثنائية لتأويلية خاصة بها، وهذا مقام آخر يحتاج سياقا أوسع.


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...