Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

ياسين إيصبويا ينال الدكتوراه بميزة «مشرف جدا» عن أطروحة حول اختيارات الشباب المهنية في عصر الذكاء الاصطناعي

الرباط  / أمال أغزافي

في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتغير معه ملامح المهن وسوق الشغل، يبرز سؤال الاختيار المهني لدى الشباب باعتباره قضية تتجاوز حدود التكوين والتشغيل، لتلامس القيم والطموحات والفرص المتاحة أمام الأجيال الصاعدة. ومن هذا المنطلق، اختار الباحث والفاعل المدني ياسين إيصبويا مساءلة هذه التحولات من منظور سوسيولوجي، في أطروحة علمية توجت بحصوله على شهادة الدكتوراه بميزة «مشرف جدا مع توصية بالنشر» من كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن بحث تناول المحددات القيمية لاختيارات المهن المستقبلية لدى الشباب في ظل تحديات الثورة الصناعية الرابعة.

وجرت مناقشة الأطروحة يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام لجنة علمية ترأسها الدكتور حسن طارق، وضمت الدكتورة نجاة باسو والدكتور أحمد مفيد بصفتهما مقررين، والدكتور يونس الحياني عضوا، إلى جانب الدكتور عبد اللطيف كداي والدكتور إدريس الغزواني مشرفين.

وتنطلق الدراسة من إشكالية محورية تتعلق بكيفية تشكل الاختيارات المهنية لدى الشباب في سياق تتداخل فيه الرقمنة والذكاء الاصطناعي والأتمتة مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية. وهي مقاربة تسعى إلى تجاوز التصورات التي تختزل مستقبل المهن في التطور التكنولوجي وحاجيات سوق الشغل، من خلال تحليل دور القيم الشخصية والتأثيرات الأسرية والاجتماعية والموارد المتاحة في توجيه القرارات المهنية.

دراسة ميدانية شملت 1523 طالبا ومتدربا

اعتمدت الأطروحة دراسة ميدانية شملت 1523 طالبا ومتدربا بمؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلى جانب استمارة موجهة إلى 30 أستاذا ومكونا، و16 مقابلة شبه موجهة مع فاعلين في مجالات التربية والتكوين والإدارة.

وجمع الباحث بين المنهجين الكمي والكيفي، بهدف الإحاطة بمختلف أبعاد الظاهرة، من خلال رصد تصورات الشباب بشأن مستقبلهم المهني، ومقارنة هذه التصورات بآراء الأطر التربوية والتكوينية، فضلا عن استثمار المعطيات المستخلصة من المقابلات لفهم العوامل المؤثرة في بناء الاختيارات المهنية.

وعلى المستوى النظري، استند البحث إلى أعمال عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون، ولا سيما مفهومي الفردانية المنهجية والعقلانية المعرفية، لفهم القرارات الفردية انطلاقا من الأسباب التي يعتبرها الأفراد وجيهة في ضوء ظروفهم وإمكاناتهم وتمثلاتهم.

وتفترض هذه المقاربة أن الاختيار المهني ليس نتيجة مباشرة للتحولات الاقتصادية أو التكنولوجية، بل هو مسار تتفاعل فيه طموحات الفرد مع انتظارات محيطه الأسري والاجتماعي، ومع الفرص المتاحة والإكراهات التي تحدد قدرته على تحقيق أهدافه.

الأمان المهني وتحقيق الذات في حسابات الشباب

من أبرز النتائج التي تناولتها الأطروحة استمرار حضور قيمة الأمان المهني في تصورات الشباب، بالتوازي مع تطلعات متزايدة نحو الاستقلالية والمرونة وتحقيق الذات والحصول على الاعتراف الاجتماعي.

كما رصدت الدراسة حضور هويات مهنية هجينة لدى 55.6 في المائة من المستجوبين، بما يعكس تصورات للمسار المهني باعتباره قابلا للتطور وإعادة التشكيل، بدل النظر إليه باعتباره ارتباطا نهائيا بمهنة واحدة طوال الحياة العملية.

وتسلط هذه النتائج الضوء على التحولات التي تعرفها علاقة الشباب بالعمل، حيث لم تعد الاعتبارات المادية والاستقرار وحدها كافية لتفسير الاختيارات المهنية، بل أصبحت تتداخل معها عوامل مرتبطة بالتطلعات الشخصية ونمط الحياة والرغبة في تطوير المهارات ومواكبة التحولات المتسارعة.

وفي المقابل، لا تنفصل هذه التطلعات عن الشروط الاجتماعية والتعليمية التي يعيشها الشباب، إذ تتفاوت قدرتهم على تحويل رغباتهم إلى مشاريع مهنية بحسب مواردهم وإمكاناتهم والفرص المتاحة في محيطهم.

الوسائط الرقمية تعيد رسم ملامح التوجيه المهني

خصصت الأطروحة حيزا لدراسة دور المنصات الرقمية في تشكيل تصورات الشباب بشأن المهن المستقبلية، في ظل تنامي حضور الذكاء الاصطناعي واتساع إمكانات الوصول إلى المعلومات المرتبطة بالتكوين والتشغيل.

وأظهرت النتائج أن المصادر الرقمية حضرت لدى 58.4 في المائة من المستجوبين ضمن عملية البحث الأولي عن المعلومات المهنية، دون أن يعني ذلك تراجع الدور الذي تضطلع به الأسرة والجامعة ومؤسسات التكوين في توجيه الاختيارات.

كما أبرزت الدراسة أهمية تجارب المحيط الاجتماعي القريب في تشكيل القرارات المهنية، مشيرة إلى أن العلاقة الإحصائية التي احتفظت بدلالتها بعد تصحيح الاختبارات المتعددة ارتبطت بتجارب المحيط الاجتماعي القريب والاختيار المهني الرقمي.

وتفتح هذه المعطيات النقاش حول طبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والوساطة الاجتماعية في التوجيه المهني، إذ لا يعني اتساع استخدام الوسائط الرقمية بالضرورة انتقال سلطة التأثير كاملة من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الإلكترونية.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة التفاوت في امتلاك الرأسمال الرقمي، الذي لا يقتصر على القدرة على استخدام التكنولوجيا، بل يشمل أيضا مهارات تقييم المعلومات والتحقق من مصداقيتها واستثمارها في اتخاذ قرارات مهنية واعية.

«العقلانية المهنية التفاوضية» مقاربة لفهم قرارات الشباب

تتمثل إحدى المساهمات النظرية للأطروحة في اقتراح مفهوم «العقلانية المهنية التفاوضية»، بوصفه مدخلا لفهم الكيفية التي يبني بها الشباب اختياراتهم المهنية في ظل التفاعل بين الطموحات الفردية والشروط الاجتماعية والتحولات الرقمية.

وينطلق هذا التصور من أن الفرد لا يتخذ قراره المهني وفق حسابات اقتصادية خالصة، كما لا يخضع بصورة آلية لتأثير البنيات الاجتماعية والمؤسساتية، بل يوازن بين قيمه ورغباته ومصالحه والفرص والمخاطر التي يدركها في محيطه.

ويضيف هذا المفهوم بعدا يرتبط بتأثير الخوارزميات والمنصات الرقمية في تنظيم المعلومات وتشكيل التصورات المتعلقة بالمهن المستقبلية، مع مراعاة أن قدرة الفرد على الاختيار تظل نسبية ومشروطة بما يتوفر عليه من موارد اقتصادية واجتماعية ومعرفية ورقمية.

وتسعى هذه المقاربة إلى تجاوز الفصل الحاد بين الحتمية الاجتماعية والحرية الفردية، من خلال النظر إلى القرار المهني باعتباره نتيجة تفاعل بين الشروط الموضوعية وقدرة الفرد على تفسيرها وترتيب أولوياته في ضوئها.

وفي المقابل، أظهرت النتائج الميدانية تفاوتا في درجة تأييد الفرضيات التي اختبرتها الدراسة، مع غياب ارتباطات إحصائية قوية ومنتظمة بين عدد من المحددات المقاسة والاختيارات المهنية الفعلية. وتبرز هذه المعطيات أهمية اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد عند تفسير قرارات الشباب، مع تجنب تعميم النتائج خارج حدود العينة والسياق المدروسين.

التوجيه والتكوين أمام رهانات الثورة الصناعية الرابعة

تتجاوز دلالات الأطروحة حدود التحليل الأكاديمي لتطرح أسئلة بشأن أدوار المؤسسات التعليمية والتكوينية في مواكبة التحولات التي يعرفها عالم الشغل، في وقت لم يعد فيه إعداد الشباب للمستقبل مقتصرا على اكتساب معارف مرتبطة بمهنة محددة.

وتبرز في هذا السياق أهمية تطوير منظومة التوجيه المهني، وتعزيز التربية الرقمية والتفكير النقدي والتعلم المستمر، بما يساعد الشباب على فهم التحولات التي تطال المهن، وتقييم الفرص المتاحة، واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات موثوقة وتصور واقعي للإمكانات والإكراهات.

كما تثير الدراسة مسألة العدالة في الوصول إلى المعلومات والموارد الرقمية، ومدى قدرة السياسات العمومية على الحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر في فرص الشباب في بناء مسارات مهنية تستجيب لطموحاتهم ومؤهلاتهم.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تتقاطع التحولات الرقمية مع تحديات الإدماج المهني والحاجة إلى تطوير أدوار مؤسسات التعليم والتكوين في إعداد الشباب لمتطلبات سوق الشغل المتغيرة.

تتويج أكاديمي لمسار في العمل الشبابي والمدني

يأتي حصول ياسين إيصبويا على شهادة الدكتوراه امتدادا لمساره في العمل الشبابي والمدني، من خلال رئاسته للمنتدى المتوسطي للشباب، وانخراطه في مبادرات وطنية ودولية مرتبطة بالتربية وتمكين الشباب والمشاركة المجتمعية وحقوق الإنسان.

ويتقاطع هذا المسار مع موضوع الأطروحة من خلال الاهتمام بقضايا الشباب وتطلعاتهم، ومحاولة فهم التحديات التي تواجههم في بناء مشاريعهم المستقبلية، بالاستناد إلى البحث السوسيولوجي والمعطيات الميدانية.

وشهدت جلسة مناقشة الأطروحة حضور عدد من الشخصيات والفاعلين في المجالين المدني والمؤسساتي، من بينهم حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، وطارق غيلان، رئيس جماعة أصيلة، ونعيمة بنيحيى، الوزيرة السابقة، إلى جانب فاعلين وفاعلات في مجال العمل المدني.

وفي خلاصتها، تضع الأطروحة الاختيارات المهنية للشباب ضمن سياق أوسع تتداخل فيه القيم الشخصية والتحولات الاجتماعية والتكنولوجية، لتطرح سؤالا جوهريا حول مدى قدرة الأجيال الصاعدة على بناء مستقبلها المهني في بيئة تتغير فيها طبيعة العمل ومصادر المعرفة.

فالرهان، وفق هذه المقاربة، لا يتعلق فقط بقدرة الشباب على التكيف مع الثورة الصناعية الرابعة، بل أيضا بتوفير الشروط التربوية والاجتماعية والمعرفية التي تتيح لهم فهم التحولات المحيطة بهم، وتوسيع هامش الاختيار أمامهم، وبناء مشاريع مهنية أكثر وعيا واستجابة لتطلعاتهم وإمكاناتهم.

وهكذا، لا تقف أطروحة ياسين إيصبويا عند حدود استشراف المهن التي قد تفرزها الثورة الصناعية الرابعة، بل تمتد إلى مساءلة الشروط التي تصنع اختيارات الشباب وتحدد قدرتهم على رسم مستقبلهم. ففي عالم تتسع فيه تأثيرات التكنولوجيا والخوارزميات، تظل القيم والموارد الاجتماعية والفرص المتاحة عناصر أساسية في فهم العلاقة بين الإنسان والعمل. ومن هذا المنطلق، تفتح هذه الدراسة أفقا للنقاش حول ضرورة جعل التوجيه والتكوين والسياسات العمومية أكثر استجابة لتحولات العصر، بما يضمن للشباب ليس فقط مواكبة المستقبل، بل امتلاك الأدوات المعرفية والقدرة على المشاركة الواعية في صناعته.


شاهد أيضا

شاهد أيضا