Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

هابرماس: الفيلسوف الذي آمن بأن السياسة يمكن أن تبنى على قوة الحجة

رحل يورغن هابرماس، لكن صوته لم ينطفئ؛ فقد علمنا أن العقل لا يكتمل إلا في الحوار، وأن الحقيقة تولد بين الذوات لا داخل عزلة الفكر. في زمن يعلو فيه الضجيج، يظل إرثه تذكيرا هادئا بأن الفهم المشترك ليس رفاها، بل شرطا لإنسانيتنا.

رحل أحد أبرز أعلام الفلسفة المعاصرة، تاركا وراءه إرثا فكريا عميقا أعاد الاعتبار لقيمة العقل والحوار في بناء المجتمعات الحديثة. لقد آمن بأن الحقيقة لا تختزل في رأي فردي، بل تتشكل عبر النقاش العمومي القائم على التفاهم والاحترام المتبادل.

في زمن تتزايد فيه حدة الانقسام، يظل فكره دعوة مفتوحة إلى ترسيخ ثقافة التواصل العقلاني، حيث يكون الاختلاف مدخلا للفهم لا سببا للصراع.

وبرحيله، لا تفقد الفلسفة صوتا فقط، بل يفقد العالم أحد أبرز المدافعين عن قوة الكلمة وقدرتها على بناء المشترك الإنساني.

في زمن تتكاثر فيه الحروب ويعلو فيه ضجيج القوة على صوت العقل، يبدو رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس وكأنه فقدان لأحد آخر الحراس الكبار لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن السياسة لا ينبغي أن تدار بالقوة، بل بالحجة؛ وأن المجتمعات لا تستقيم بالقهر، بل بالتفاهم.

لم يكن هابرماس مجرد اسم في تاريخ الفلسفة المعاصرة، بل كان نموذجا نادرا للمفكر الذي جمع بين الفلسفة والسياسة والالتزام الإنساني. فقد عاش حياته مدافعا عن فكرة أن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات وانتخابات، بل هي قبل كل شيء ثقافة حوار، يتعلم فيها البشر كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع مدمر.

ولد هابرماس سنة 1929 في دوسلدورف في ألمانيا، في زمن كانت أوروبا تغرق فيه في ظلام الأيديولوجيات الشمولية. وقد شكلت تجربة الحرب وما خلفته من دمار أخلاقي وسياسي، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، الخلفية العميقة لفكره. فجيله أدرك مبكرا أن الكارثة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضا انهيارا أخلاقيا للعقل السياسي.

لهذا ارتبط مشروعه الفكري بما عرف لاحقا بمدرسة فرانكفورد النقدية، التي حاولت فهم الحداثة الغربية ونقد انحرافاتها. غير أن هابرماس لم يكن فيلسوف تشاؤم؛ بل كان فيلسوف أمل عقلاني. كان يؤمن أن المجتمعات قادرة على تصحيح مسارها إذا ما حافظت على فضاء للنقاش الحر. في كتابه المؤثر “التحول الهيكلي في المجال العام ” طرح مفهوم الفضاء العمومي، وهو المجال الذي يلتقي فيه المواطنون لمناقشة القضايا المشتركة بحرية. بالنسبة له، لا تختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع، بل تتجسد في قدرة المجتمع على إنتاج نقاش عقلاني مستقل عن السلطة والمال.

أما في عمله الفلسفي الأكبر “نظرية الفعل التواصلي ” فقد بلور رؤيته لما سماه الفعل التواصلي، وهو الفكرة التي ستصبح مركز مشروعه الفكري. فالمجتمع، في نظره، لا يتماسك بالقوة ولا بالمصلحة وحدها، بل بقدرة البشر على التفاهم عبر اللغة والعقل. وكما كتب:

“قوة الحجة يجب أن تتفوق دائما على حجة القوة.”

كان هابرماس مفكرا سياسيا أيضا، لكنه لم يكن سياسيا بالمعنى الحزبي الضيق. كان يرى أن دور الفيلسوف هو حراسة العقل العمومي. ولذلك لم يتردد في التدخل في النقاشات الكبرى حول الديمقراطية الأوروبية، والعدالة، وحقوق الإنسان، ومستقبل الاتحاد الأوروبي. وكان يؤكد دائما أن الشرعية السياسية لا تفرض من فوق، بل تبنى من خلال النقاش الحر بين المواطنين.

في هذا المعنى، كان هابرماس فيلسوفا إنسانيا قبل كل شيء. فقد دافع طوال حياته عن فكرة أن الإنسان كائن حواري بطبيعته، وأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل جسر أخلاقي يربط البشر ببعضهم البعض. لذلك كان يرى أن انهيار الحوار هو أول خطوة نحو العنف.

اليوم، ومع رحيل هذا المفكر الكبير، يبدو العالم أكثر ابتعادا عن المثال الذي دافع عنه. فالمجال العمومي الذي حلم به يتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء صخب واستقطاب، والسياسة تبدو أكثر خضوعا لمنطق القوة والمصالح.

ومع ذلك، فإن إرث هابرماس يذكرنا بأن الفلسفة ليست ترفا فكريا، بل محاولة دائمة لإنقاذ السياسة من نفسها. لقد أمضى حياته كلها مدافعا عن فكرة أن الحوار ليس ضعفا، بل هو أعلى أشكال القوة المدنية.

وربما لهذا السبب تحديدا يبدو غيابه مؤلما. فبرحيل هابرماس لا نفقد فيلسوفا كبيرا فقط، بل نفقد أيضا صوتا ظل يذكر البشرية بأن العقل والحوار يمكن أن يكونا بديلا عن العنف.

ويبقى السؤال الذي تركه لنا معلقا في زمن مضطرب:

هل ما يزال العالم يؤمن بأن الحوار قادر على إنقاذ السياسة أم أننا بدأنا نفقد هذه الثقة أيضا؟


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...