Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

ملف مركز تثمين وطمر النفايات بالقنيطرة مشروع بيئي طموح “يطمره” الفشل الإداري الممنهج

منذ أن استوفى كافة المساطر الإدارية و التقنية و المالية سنة 2021 ظل مشروع مركز تثمين وطمر النفايات بالقنيطرة معلقًا في دائرة من التعطيل المتكرر، رغم كونه أحد المشاريع التي كان يُنتظر أن تُحدث تحولًا جذريًا في تدبير النفايات بالمدينة. المشروع الذي رُصدت له ميزانية ضخمة من وزارة الداخلية، والمفترض أن يشكل نقلة نوعية في حماية البيئة وتوفير فرص اقتصادية جديدة، أصبح اليوم عنوانًا للجمود الإداري وتعدد المصالح المتضاربة. فمن المسؤول عن هذا التعطيل؟ ولماذا لم يتم تنفيذ المشروع رغم كل التسهيلات التي رافقته؟ وهل نحن أمام فشل في التسيير أم أن هناك عوامل أخرى تلعب دورًا في إبقائه مجمدًا؟

تم الإعلان عن مشروع مركز تثمين وطمر النفايات كخطوة متقدمة نحو تدبير عصري ومستدام للنفايات، بهدف الحد من التلوث وتحويل النفايات إلى موارد قابلة لإعادة التدوير والطاقة. المشروع كان من المفترض أن يتضمن وحدات لمعالجة العُصارة السامة للنفايات، وأخرى لاستخراج الغاز الحيوي وإنتاج الطاقة، بالإضافة إلى مراكز لفرز النفايات القابلة لإعادة التدوير.

ولتسهيل إنجازه، قدمت وزارة الداخلية دعمًا ماليًا بقيمة 240 مليون درهم، وهو مبلغ كان يُفترض أن يساهم في تقليل كلفة تدبير النفايات على الجماعة، ويضمن تنفيذ المشروع في آجاله المحددة. إلا أن الواقع كان مغايرًا، حيث عوضًا عن رؤية المشروع وهو يتحقق على أرض الواقع، بدأ مسار طويل من التعديلات المستمرة على الاتفاقية الخاصة به، والتي تجاوزت 12 تعديلًا خلال ثلاث سنوات فقط.

في أي مشروع كبير، من الطبيعي أن تطرأ بعض التعديلات لأسباب تقنية أو قانونية، لكن أن يتم تعديل الاتفاقية أكثر من 12 مرة في ظرف ثلاث سنوات، فهذا يطرح أكثر من علامة استفهام. هذه التعديلات لم تكن مجرد تغييرات شكلية، بل مست جوهر المشروع وطريقة تمويله وتنفيذه، مما أدى إلى إرباك المسار العام للمشروع ودفعه إلى نقطة الجمود.

التعديلات المتكررة تعني شيئًا واحدًا: إما أن هناك سوء تدبير إداري واضح، أو أن هناك أطرافًا تستفيد من استمرار التعطيل. فبدل أن يُخصص الوقت والجهد لإنجاز المشروع، تم توجيه الطاقة نحو إعادة النظر في بنود الاتفاقية بشكل مستمر، ما خلق حالة من عدم الاستقرار القانوني والإداري جعلت المشروع غير قادر على المضي قدمًا.

مع تولي أمينة حروزة رئاسة المجلس الجماعي للقنيطرة، ورثت ملفًا شائكًا ومعقدًا، حيث وجدت نفسها أمام مشروع مُعطل بسبب قرارات اتُّخذت خلال فترة سلفها السابق. لكن السؤال المطروح اليوم: هل ستنجح في كسر حلقة التعطيل هذه، أم أنها ستصبح بدورها جزءًا من مسلسل التأجيلات؟

صحيح أن المسؤولية لا تقع بالكامل على المجلس الحالي، إلا أنه مطالب الآن باتخاذ قرارات حاسمة، وعدم الاستمرار في نفس النهج الذي أدى إلى تعطيل المشروع لسنوات. فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من المماطلة، والمواطنون لا يريدون تبريرات بقدر ما يريدون حلولًا عملية تضع حدًا لهذا التأخير غير المبرر.

من بين أكثر المتضررين من هذا التأخير، نجد عمال المطرح العشوائي بوادي سبو، الذين كان يفترض أن يتم إدماجهم في إطار المشروع الجديد، ليعملوا في ظروف أكثر أمانًا وكرامة. هؤلاء العمال ظلوا ينتظرون تنفيذ المشروع ليحصلوا على وظائف قانونية توفر لهم حماية اجتماعية، لكن مع استمرار العرقلة، ظلوا في وضع هش، يعملون في ظروف غير صحية وغير منظمة.

المشروع لم يكن فقط فرصة لمعالجة النفايات، بل كان أيضًا فرصة لتسوية الوضع الاجتماعي والاقتصادي لهؤلاء العمال. واليوم، بعد ثلاث سنوات من التأخير، لا تزال أوضاعهم كما هي، بينما تستمر الرئيسة أمينة حروزة في تقديم مبررات غير مقنعة حول أسباب التعطيل.

على المستوى البيئي، فإن استمرار الوضع الحالي يمثل كارثة حقيقية. المطرح العشوائي بوادي سبو يقع بالقرب من مناطق سكنية وقاعدة جوية عسكرية، ويشكل مصدرًا للتلوث الهوائي والبصري والمائي. التلوث الناتج عن العصارات السامة للنفايات يمثل تهديدًا مباشرًا للفرشة المائية، في حين أن الروائح الكريهة وانتشار الحشرات والقوارض تزيد من المخاطر الصحية للسكان المجاورين.

كان من المفترض أن يضع مشروع مركز التثمين والطمر حدًا لهذه الأزمة البيئية، عبر إنشاء وحدات حديثة لمعالجة النفايات بشكل آمن وصحي. لكن تأخر التنفيذ جعل المدينة تستمر في تحمل أعباء المطرح العشوائي، ما يجعل التأخير في تنفيذ المشروع ليس مجرد فشل إداري، بل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.

من الواضح أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي نتيجة سلسلة من الإخفاقات الإدارية والسياسية. المجلس الجماعي السابق لم يكن حاسم في تنفيذ المشروع، وأدخل عليه تعديلات متكررة جعلته يفقد بوصلته. الإدارات التقنية لم تنجح في إيجاد حلول عملية لتجاوز العوائق، ما أدى إلى تعميق الأزمة. أما المجلس الحالي، فهو أمام اختبار حقيقي: إما أن يخرج المشروع من حالة الجمود، أو أن يتحول بدوره إلى جزء من المشكلة.

ما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب الشفافية الكاملة حول أسباب التأخير. لم تصدر الجماعة أي تقرير تفصيلي يوضح بالضبط ما هي العوائق الحقيقية التي حالت دون تنفيذ المشروع. كما أن طبيعة التعديلات المتكررة على الاتفاقية تثير تساؤلات حول ما إذا كان المشروع يخضع لتجاذبات سياسية أو اقتصادية بين أطراف مستفيدة من استمرار الوضع الراهن.

القنيطرة لم تعد تحتمل مزيدًا من المماطلة. كل يوم تأخير في تنفيذ المشروع يعني مزيدًا من الأضرار البيئية، والمزيد من المعاناة للعمال، والمزيد من الفشل في تدبير قطاع النفايات. اليوم، الكرة في ملعب المجلس الجماعي الحالي، الذي عليه أن يضع حدًا لدوامة التأجيلات، ويتخذ قرارات جريئة لتنفيذ المشروع، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.

إذا استمر المشروع في التعثر، فسيصبح رمزًا لفشل إداري ممنهج، ودليلًا على كيف يمكن لعراقيل بيروقراطية أن تحول مشروعًا بيئيًا طموحًا إلى ملف معلق دون أفق واضح. في المقابل، إذا تم اتخاذ خطوات فعلية نحو التنفيذ، فقد يكون هذا المشروع فرصة حقيقية لإعادة الثقة في قدرة المجالس المنتخبة على تحقيق التنمية المستدامة.

المدينة تترقب، والمجلس الجماعي أمام مسؤولية تاريخية: إما أن ينقذ المشروع، أو أن يرسخ فشلاً آخر يضاف إلى سجل التعثرات.

كتبته/ ميمونة داهي


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...