Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

قانون مالية 2027 .. الامتحان الذي يتجاوز تدبير الميزانية إلى اختبار قدرة الحكومة على الوفاء بالتعاقد السياسي

ليس كل بلاغ صادر عن المجلس الوزاري مجرد إعلان عن أرقام أو أولويات مالية. بعض البلاغات تكون، في لحظة سياسية معينة، أقرب إلى خريطة طريق لما ينبغي أن تكون عليه الدولة، وما ينتظر من الحكومة، وما لم يعد مقبولا أن يستمر بالطريقة نفسها.

ومن هذه الزاوية تحديدا، يستحق بلاغ المجلس الوزاري المنعقد يوم 17 أكتوبر حول التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 قراءة تتجاوز لغة الأرقام والنسب والاعتمادات.

فالرسالة الأهم في البلاغ ليست أن الاقتصاد الوطني يتوقع أن ينمو بـ4.7 في المائة، أو أن التضخم سيبقى في حدود 0.7 في المائة، أو أن عجز الميزانية سيتراجع إلى 3 في المائة. هذه مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها ليست جوهر الحكاية.

جوهر الحكاية أن الدولة تبدو وكأنها تعيد تعريف أولوياتها في مرحلة لم يعد فيها ممكنا الفصل بين الاجتماعي والاقتصادي، أو بين التنمية والسيادة، أو بين الاستثمار والأمن الاستراتيجي.

ولهذا لم يبدأ البلاغ من الاستثمار، ولا من النمو، ولا من التوازنات المالية، بل من القدرة الشرائية ودولة اجتماعية مستدامة. وهنا توجد إشارة سياسية بالغة الدلالة.

فالدولة الاجتماعية التي يجري بناؤها لم يعد ممكنا أن تقوم فقط على توسيع الدعم المباشر، لأن الدعم، مهما كان ضروريا، لا يمكن أن يكون بديلا دائما عن إصلاح الاقتصاد الذي ينتج الأسعار والدخل وفرص الشغل. ولذلك فإن العبارة الأكثر إثارة في هذا الجزء ليست رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، وإنما الحديث عن إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار. إنها، إذا نفذت كما ينبغي، نقلة من معالجة نتائج الاختلال إلى محاولة معالجة بعض أسبابه.

فالسؤال لم يعد فقط: كم ستدفع الدولة لمساعدة المواطن على تحمل الأسعار؟ بل أصبح: كيف تعمل السوق؟ ومن يحدد الأسعار؟ وأين تنتهي المنافسة وتبدأ الاختلالات؟ وهذا سؤال اقتصادي، لكنه في العمق سؤال سياسي أيضا.

ثم ينتقل البلاغ إلى الشباب، وكأنه يقول إن الأزمة التي ينبغي أن تحظى بالأولوية لم تعد قابلة للتجزئة. فالشاب لا يعيش التعليم بمعزل عن التكوين، ولا التكوين بمعزل عن الشغل، ولا الشغل بمعزل عن السكن والاستقرار.

ولذلك فإن الإعلان عن برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، مقرونا بالاعتراف بأن تعدد البرامج القطاعية أبان عن محدوديته، يحمل في طياته اعترافا مهما: المشكلة لم تكن دائما في غياب البرامج، وإنما في غياب السياسة المندمجة التي تجعل هذه البرامج جزءا من مسار واحد. وهنا بالذات سيكون الاختبار لأن الدولة لا تحتاج إلى برنامج جديد يضاف إلى عشرات البرامج الموجودة، بقدر ما تحتاج إلى أن تعرف أين يذهب الشاب المغربي منذ أن يخرج من المدرسة إلى أن يدخل سوق الشغل، ولماذا تسقط حلقات كثيرة من هذا المسار بين التكوين والتمويل والتشغيل والاستقرار.

أما الجهوية المتقدمة، فقد عادت إلى قلب الأولويات بلغة أكثر صراحة هذه المرة. الحديث عن إعادة هندسة اختصاصات الجهة وفق منطق الوضوح والنجاعة ليس مجرد تعبير تقني.

إنه اعتراف بأن تجربة الجهوية، رغم ما راكمته، ما زالت تعاني سؤال الاختصاص والقرار والتمويل والتنسيق. والأهم أن البلاغ يضع الجهوية واللاتمركز الإداري في سياق واحد. وهنا تظهر إحدى أكثر العقد تعقيدا في النموذج المغربي: كيف نطلب من الجهة أن تكون فاعلا في التنمية بينما تظل أجزاء أساسية من القرار الإداري والمالي مرتبطة بالمركز؟

الجهوية لا تبنى فقط بتوسيع اختصاصات المجالس المنتخبة، وإنما بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة المركزية والإدارة الترابية والمنتخبين والجهات.

أما حين يصل البلاغ إلى الماء والطاقة والغذاء والرقمنة، فإننا نغادر تقريبا اللغة التقليدية لقانون المالية. نحن أمام مفهوم جديد للسيادة.

ففي عالم تتغير فيه موازين القوة بسبب الطاقة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والمياه، لم تعد السيادة تقاس فقط بما تملكه الدولة من حدود ومؤسسات، وإنما أيضا بما تستطيع أن تضمنه لمواطنيها من ماء وطاقة وغذاء، وما تستطيع أن تحميه من بنياتها الرقمية.

من هنا تبدو مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والغاز والأمن الغذائي والسيادة الرقمية أجزاء من صورة واحدة، وليست ملفات قطاعية متفرقة.

لكن كل هذا الطموح يقودنا في النهاية إلى السؤال الأصعب: من سيدفع ثمن هذه الدولة الجديدة؟

دولة اجتماعية أكثر كلفة.

وتنمية ترابية أكثر طموحا.

واستثمارات كبرى.

وبرامج للشباب.

وأمن مائي وطاقي وغذائي ورقمي.

وفي الوقت نفسه المحافظة على التوازنات المالية والماكرواقتصادية. هنا يصبح الاستثمار الخاص ضرورة وليس خيارا.

ولهذا لم يكن غريبا أن يمنح مشروع قانون المالية أهمية خاصة لتعزيز الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار. لكن الاستثمار الخاص لا يمكن أن يتحول إلى شعار آخر يضاف إلى قاموس السياسات العمومية. المطلوب أن يتحول إلى آلة حقيقية لإنتاج الثروة وفرص الشغل والابتكار، وإلا ظل الاقتصاد محتاجا إلى الدولة أكثر مما تحتاج الدولة إلى الاقتصاد.

ثم هناك رقم الـ25 مليار درهم المخصصة للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. الرقم مهم، لكن السؤال الأهم ليس كم سننفق، بل كيف سننفق؟

فالمغرب لم يعد يعاني فقط من مشكلة الموارد. جزء من المشكلة أصبح مرتبطا بالحكامة، وبالتنسيق، وبسرعة الإنجاز، وبالقدرة على تحويل الاعتمادات إلى مشاريع ونتائج يراها المواطن في حياته اليومية.

وهنا نصل إلى النقطة التي تجعل هذا البلاغ مرتبطا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالنقاش الجاري حول الحكومة.

فإذا كانت هذه هي أجندة المرحلة، وإذا كانت الأولويات تمتد من القدرة الشرائية إلى الشباب، ومن الجهوية إلى السيادة، ومن الاستثمار إلى إعادة هندسة التنمية الترابية، فإن السؤال حول الحكومة لا يمكن أن يبقى محصورا في عدد الوزارات وحصص الأحزاب وتوزيع الحقائب. أي حكومة تستطيع أن تحمل كل هذا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي. لأن بلاغ المجلس الوزاري، بهذا المعنى، يرفع سقف الاختبار أمام الحكومة المقبلة. لم يعد المطلوب حكومة تدبر القطاعات، وإنما حكومة تستطيع أن تجمع هذه الملفات داخل رؤية واحدة، وأن تحول التوجيهات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة. وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.

كلما ارتفع سقف المشروع الذي تضعه الدولة للمرحلة المقبلة، أصبح تشكيل حكومة عادية أقل قابلية للدفاع عنه.

فالمرحلة لا تحتاج فقط إلى تمثيلية حزبية، ولا إلى توزيع متوازن للحقائب، ولا إلى أسماء تجمع بين الانتماء والكفاءة. إنها تحتاج إلى حكومة تعرف ماذا تريد، ومن يملك القدرة على التنفيذ، وكيف ستقيس نتائجها، ومن سيتحمل المسؤولية عندما تفشل. وهذا هو الفارق بين حكومة تشكل لتكمل الولاية، وحكومة تشكل لتقود مرحلة.

قانون مالية 2027، بهذا المعنى، ليس مجرد قانون أرقام. إنه، في جوهره، اختبار سياسي للحكومة قبل أن يكون اختبارا ماليا لها.

فالمواطن لن يسأل في نهاية المطاف عن عدد البرامج التي أعلنت، ولا عن عدد الاجتماعات التي عقدت، ولا عن حجم الاعتمادات التي رصدت. سيسأل عن السعر، وعن المدرسة، وعن المستشفى، وعن الشغل، وعن السكن، وعن الماء، وعن فرص أبنائه، وعن الفرق الذي أحدثته الدولة في حياته.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي في 2027 لن يكون في كتابة قانون مالية جيد، بل في امتلاك حكومة قادرة على جعله قانونا للحياة اليومية، لا مجرد قانون للميزانية.

وهذه، ربما، هي القراءة الأعمق لبلاغ يوم البارحة: الدولة رفعت سقف المرحلة. والآن، لم يعد أمام الحكومة سوى أن ترتفع إليه.


شاهد أيضا

شاهد أيضا