Afterheaderads-desktop

Afterheaderads-desktop

Afterheader-mobile

Afterheader-mobile

عامل إقليم القنيطرة و مدبري شؤون المدينة يسيرون في الإتجاه المعاكس للرؤية الملكية..الترفيه قبل النظافة و الرقص أولى من الكرامة

القنيطرة مدينة ظُلمت كثيرا، ولاتزال ترزأ تحت وطأة عقول تُصر على إحاطتها بسوء تدبير شؤونها، سواء بحسن نية أو بسوء تقدير. فالأولويات السياسية ليست مجرد قرارات تقنية، بل انعكاس للضمير العمومي. وحين يُقتطع مبلغ 480 مليون سنتيم من حاجيات مدينة مأزومة، فالسؤال لا يكون: هل نحتاج مهرجانا؟ بل: من قرر أن الفرجة أولى من النظافة، أن الضوء أولى من الكرامة، وأن التصفيق أولى من الإصغاء لمعاناة الناس؟ و لا يغرنهم تصفيق المهللين فأغلبهم يبحث عن مصالحه و لا يأبه لوجه المدينة.

فالمدينة التي لطالما وُصفت بأنها بوابة الغرب المغربي، تتألم من انسداد شرايينها الحضرية: أزقة مليئة بالحفر، أزبال متراكمة، إنارة خافتة، كلاب ضالة، أزمات بيئية ومشردون ينامون على أرصفة الانتظار الطويل للكرامة. هذا ليس وصفا شعبويا ولا مبالغة إنشائية، بل خدوشٌ واضحة في وجه عاصمة الغرب، لا يمكن لأي مهرجان تجميلي أن يُخفيها.

وفي خضم هذا الانهيار المجالي، ينبثق مشروع مهرجان بكلفة تقارب نصف مليار سنتيم، في لحظة لا تحتمل الترف، ليطرح سؤالا أكبر: من هي الجهة التي قررت فجأة أن القنيطرة تصلح اليوم لأن تكون وجهة سياحية؟ من هندس هذه الفكرة؟ من سوّقها؟ وما شكل الاستشارة التي سبقتها؟ وهل نوقشت بين المنتخبين والمجتمع المدني؟ أم أنها وُلدت في كواليس مغلقة؟ بل أي منطق تنموي يربط بين السياسات الثقافية والواقع المتردي للبنية الحضرية؟

الجواب قد يكون أوضح مما يُعتقد: إن صاحب الفكرة والمشرف المباشر على كل التفاصيل، بما فيها اختيار المكلف بتدبير الميزانية، هو عامل الإقليم نفسه. لا المجلس الجماعي هو من بادر، ولا المنتخبون ناقشوا، بل القرار جاء من “فوق”، وتوزيع المهام تم داخل العمالة، حتى التمويل وُزّع بين المجلس الإقليمي وبعض المستثمرين والخواص، ضمن خطة لا تظهر فيها أي مقاربة تشاركية شفافة، بل تعبئة قائمة على منطق الولاء أكثر من منطق المصلحة العامة.

الأكثر إثارة، هو ما يُروج حول أن العامل قد “استعار” فكرة المهرجان من تجربة مدينة إفران، تلك المدينة الجبلية التي نجحت في تسويق نموذج سياحي فني موسمي. لكن التشبيه بين المدينتين انزلاق تحليلي فادح: إفران ليست القنيطرة، لا في البنية ولا في السياق، ولا في طبيعة السكان، ولا في حجم التحديات. فحين يكون الناس بحاجة إلى حاويات نظافة وفضاءات خضراء وإنارة، لا يمكن إقناعهم بأن الحل هو جلب نجوم الغناء الشعبي.

في خطابه الأخير، تحدث جلالة الملك محمد السادس بمرارة عن مغرب السرعتين: تنمية عمرانية واقتصادية تسير بسرعة، مقابل معيش يومي يتخلف عنها بزمن مؤلم. واليوم، يبدو أن القائمين على مدينة القنيطرة يسيرون في الاتجاه المعاكس تماما للرؤية الملكية الكبرى. فبدل تقليص الهوة بين الواقع والانتظارات، ها هم يوسّعون المسافة بين المواطن وسياسات التنمية، بتسويق فُرج لا تسمن ولا تغني من جوع.

إن أي مهرجان، في الظروف العادية، قد يكون أداة لتنشيط الاقتصاد المحلي، دعم الصناعات الثقافية، وتحسين صورة المدينة. لكن في وضع القنيطرة اليوم، يبدو أن المشروع مفصلٌ ليناسب جيوبًا معينة، أكثر مما يعكس استراتيجية تنموية عادلة. طرق التدبير غامضة، الصفقات غير معلنة، والشفافية غائبة.

يبقى السؤال الجوهري: لماذا عامل الإقليم أعطى الأولوية لهذا دون غيره؟  أليس من المفترض أن يكون صوت الدولة في الإقليم، المعبّر عن رؤية صاحب الجلالة؟ أليس عليه أن يراقب التوازن بين الحاجيات الاجتماعية والاختيارات السياسية؟ أليس من الأجدر، بدل تسويق تجارب مستعارة، أن يُخبر أصحاب القرار أن الناس ضاقوا ذرعا بالمهرجانات كلما اشتدت أوجاعهم؟

في أزمنة الرخاء، قد يُغتفر التبذير. أما في زمن الأزمة، فإن كل درهم يصرف خارج الأولويات، هو صفعة في وجه الكرامة، مهما تزين بالأنوار والموسيقى.

لا أحد يعادي الفن، ولا الأضواء، ولا الحياة. لكن لا فن يزدهر على أنقاض تنمية متخلفة عن الركب، ولا مهرجان يبرر فشلا في التدبير اليومي. عاصمة الغرب لا تحتاج إلى من يصرف عليها الأموال، بل إلى من يصرف عليها الحكمة والبصيرة والإرادة.وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل سؤال القنيطري البسيط واضح و صريح : “من قال إننا نحتاج إلى مهرجان؟ نحتاج أن نكون كما أراد لنا ملكنا لا أن نكون مختبر تجارب مدن أخرى”. 

كتبته/ميمونة الحاج داهي


شاهد أيضا
تعليقات
تعليقات الزوار
Loading...