مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
القنيطرة // عبد الكامل بوكصة
لم يعد النقاش حول حماية الساحل بجهة الرباط–سلا–القنيطرة مجرد قضية بيئية مرتبطة بنظافة الشواطئ أو الحد من النفايات، بل تحول إلى ملف يرتبط بالتنمية المحلية، والتنوع البيولوجي، والاقتصاد، والبحث العلمي، والتغيرات المناخية، وحكامة الموارد الطبيعية.
بهذا المنظور، شكل الملتقى الأول للحوار والتشاور المجتمعي والمؤسساتي، الذي احتضنته مدينة القنيطرة يومي 17 و18 أكتوبر 2026، محطة لتجميع مختلف المتدخلين حول مستقبل المجالات الساحلية، بمشاركة مؤسسات عمومية، وباحثين وأكاديميين، ومهنيين، وفعاليات جمعوية، وتعاونيات وفاعلين محليين.
الملتقى نظمته الجمعية المغربية للاقتصاد الأخضر من أجل البيئة والعدالة المناخية في إطار مشروع يروم تمكين المجتمعات المحلية والمجتمع المدني من الترافع من أجل حماية المجالات الساحلية والتنوع البيولوجي ومواجهة مخاطر التغيرات المناخية، مع اعتماد ساحل المهدية نموذجاً ميدانياً. ويأتي ذلك ضمن برنامج يمتد من أكتوبر إلى دجنبر 2026، ويجمع بين الحوار والتكوين والعمل الميداني والتوعية وإعداد أدوات للترافع البيئي.
ثلاث جلسات.. من الحوار المؤسساتي إلى التشخيص العلمي
لم يقتصر الملتقى على عرض عام للإشكالات، بل توزعت أشغاله على ثلاث جلسات حاولت الانتقال من سؤال من المسؤول عن حماية الساحل؟ إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن تحويل المسؤولية المشتركة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والتتبع؟
الجلسة الأولى خصصت لتعزيز الحوار بين المؤسسات العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والباحثين والفاعلين المحليين، مع التأكيد على ضرورة تجاوز اشتغال المتدخلين بشكل منفصل، نحو تنسيق يضمن التقائية البرامج والمبادرات المرتبطة بالساحل.
أما الجلسة الثانية، فانصبت على تشخيص واقع النظم الإيكولوجية الساحلية بالجهة، بما فيها المناطق الرطبة والتنوع البيولوجي البحري والساحلي، والضغوط البشرية والمناخية التي أصبحت تواجهها.
في حين ركزت الجلسة الثالثة على العلاقة بين البحث العلمي والتربية البيئية والإعلام والمجتمع المحلي، مع تقديم معطيات ودراسة حول الساحل الممتد بمنطقة الغرب بين المهدية ومولاي بوسلهام، والاستماع إلى شهادات وملاحظات الفاعلين والمهنيين المحليين.
ساحل المهدية.. نموذج لاختبار الحلول
أبرزت النقاشات أن ساحل المهدية يواجه مجموعة متداخلة من الضغوط، من بينها التلوث البلاستيكي، ومخلفات وادي سبو، وتراجع بعض الموائل الطبيعية، وتدهور المناطق الرطبة، وتآكل الشواطئ، فضلاً عن التأثيرات المحتملة للظواهر المناخية المتطرفة.
كما طُرح الإشكال المرتبط ببقايا السفينة العالقة بالساحل، باعتباره ملفاً يحتاج إلى معالجة تراعي في الوقت نفسه الاعتبارات البيئية وسلامة مرتادي الشاطئ.
وهنا تبرز أهمية المقاربة التي اختارتها الجمعية، والتي لا تنظر إلى المهدية باعتبارها مجرد شاطئ يحتاج إلى التنظيف، وإنما باعتبارها نظاماً ساحلياً متكاملاً تتداخل فيه البيئة والاقتصاد والمجتمع والأنشطة المهنية والسياحة والموارد الطبيعية.
من التوصيات إلى آليات للتنفيذ
أحد أبرز مخرجات الملتقى تمثل في الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى بلورة حزمة من التوصيات العملية.
وفي مقدمتها الدعوة إلى وضع برامج مستدامة للحد من التلوث البحري والنفايات البلاستيكية، وتحسين تدبير النفايات، وتكثيف مراقبة وتنظيف الشواطئ، إلى جانب إجراء تشخيصات علمية وتقنية منتظمة تحدد مصادر التدهور والضغوط التي يتعرض لها الساحل.
كما شدد المشاركون على ضرورة مراقبة التعمير الساحلي واحترام القوانين المنظمة للمجال، والحد من الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، ودراسة ظواهر تآكل الشواطئ واستنزاف الرمال.
وفي الجانب المرتبط بالتنوع البيولوجي، دعت التوصيات إلى تعزيز البحث العلمي والرصد البيئي، وحماية الثروة السمكية، وتأهيل المناطق الرطبة المتدهورة، وتقوية التعاون بين المؤسسات والباحثين والمجتمع المدني من أجل توفير معطيات علمية تساعد على اتخاذ القرار.
المناخ يدخل بقوة على خط حماية الساحل
التغيرات المناخية حضرت باعتبارها أحد أكبر التحديات المستقبلية للمجالات الساحلية، خصوصاً في ما يتعلق بارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل الشواطئ والظواهر المناخية المتطرفة.
ودعا المشاركون إلى إدماج المخاطر المناخية في التخطيط والتدبير الساحلي، وتعزيز الرصد العلمي وتطوير إجراءات للتكيف، بما يسمح بالانتقال من رد الفعل بعد وقوع الأضرار إلى سياسات وقائية واستباقية.
نحو حكامة ساحلية تشاركية
ومن بين التوصيات ذات البعد المؤسساتي، برز مقترح إرساء آليات محلية للتشاور والتنسيق والتتبع، تضم السلطات المحلية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والمجتمع المدني والمهنيين والتعاونيات والساكنة والباحثين.
والغاية من ذلك هي تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وإعداد خطط عمل واضحة، مرتبطة بآجال ومؤشرات لقياس النتائج.
وهو توجه ينسجم مع فلسفة البرنامج الذي أطلقته الجمعية، والذي يقوم على إشراك الشباب والنساء والصيادين والمهنيين والجمعيات والتعاونيات والناشطين البيئيين في حماية الساحل.
المجتمع المدني والإعلام.. من التوعية إلى الترافع
لم يغفل الملتقى الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في الانتقال من حملات التحسيس إلى التأثير في السياسات والبرامج العمومية.
وفي هذا السياق، أوصى المشاركون بتقوية قدرات الجمعيات والفاعلين المحليين في مجال الترافع البيئي والتعبئة والتواصل، وتشجيع بناء شبكات وتكتلات جمعوية قادرة على تقديم مقترحات تستند إلى المعطيات العلمية والحاجيات الفعلية للساكنة.
كما جرى التأكيد على أهمية الإعلام الجهوي في التعريف بقضايا الساحل، ونشر الثقافة البيئية، ومواكبة السياسات العمومية، وإيصال صوت المهنيين والساكنة إلى المؤسسات.
الاقتصاد الأخضر.. حماية الساحل لا تعني إقصاء الإنسان
وفي بعد آخر، شددت التوصيات على ضرورة الربط بين حماية البيئة وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية.
فدعم التعاونيات والمقاولات المحلية، وتشجيع السياحة الإيكولوجية، وتثمين المنتجات البحرية، وتطوير الأنشطة الاقتصادية المستدامة، كلها عناصر يمكن أن تجعل من حماية الساحل رافعة للتنمية بدل النظر إليها كقيد على النشاط الاقتصادي.
من ملتقى الحوار إلى مذكرات ترافعية
وتكتسي الدورة التكوينية التي رافقت الملتقى أهمية خاصة، لكونها حاولت تحويل النقاش العام إلى قضايا محددة قابلة للترافع، خصوصاً تلك المرتبطة بساحل المهدية.
وتتجه الجمعية، وفق مخرجات المشروع، نحو إعداد مذكرات ترافعية موضوعاتية تستند إلى التشخيص الميداني والمعطيات العلمية، إلى جانب إعداد «دليل المجتمع المحلي لحماية الساحل» وتنظيم مبادرات ميدانية من بينها حملة «المهدية بدون بلاستيك».
وهكذا، يبدو أن الرهان الحقيقي لهذا الملتقى لا يكمن في عدد المداخلات أو التوصيات التي خرج بها، وإنما في مدى قدرة الفاعلين على تحويل تلك التوصيات إلى خطط عمل، وآليات تتبع، ومبادرات ميدانية، وقرارات مؤسساتية.
فالساحل، كما أظهر نقاش القنيطرة، ليس فضاءً طبيعياً فقط، بل مجالاً مشتركاً تتقاطع فيه مصالح السكان والمهنيين والمؤسسات والباحثين والمجتمع المدني. وحمايته لن تكون ممكنة إلا إذا انتقل الحوار من قاعات الاجتماعات إلى الميدان، ومن التشخيص إلى الفعل، ومن التوصيات إلى الالتزام والمسؤولية والمحاسبة.

