مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
بعيدا عن المسارات السياحية الكلاسيكية، يكشف الجنوب المغربي عن وجهه الأكثر عمقا وأصالة داخل جيوبارك جبل باني، هذا الامتداد الجغرافي الفريد الذي يعانق مساحة تقارب 120 ألف كيلومتر مربع بين زاكورة وطانطان. هنا، حيث تتجاور الرمال مع الكثبان، والواحات مع الجبال الجرداء، يأخذ السفر شكل رحلة زمنية تعيد الزائر إلى أصل الحكاية: الإنسان، الصحراء، وإرث آلاف السنين.
أول ما يلمسه الزائر في هذا الجيوبارك هو حضور الإنسان في قلب المشروع التنموي. فمؤسسات الضيافة المحلية – دار إنفيان في فم الحصن، المخيم الإيكولوجي لتيسينت، ومنزل “Chez Lahcen” – لا تقدم فقط إقامة للزوار، بل تمثل نموذجا لأسلوب عيش يوازن بين الراحة، البيئة، والذاكرة الجماعية.
في هذه الفضاءات، لا ينفصل الاستقبال عن الحكمة المتوارثة: بناء تقليدي بمواد محلية، اقتصاد طاقي يعتمد على الشمس، مطبخ أمازيغي أصيل بمنتجات الواحات، ونمط تسيير يضع الساكنة في صلب الدورة الاقتصادية. إنها ضيافة مستدامةتجسد رؤية الجيوبارك في جعل التنمية السياحية وسيلة لحماية التراث، وليس تهديدا له.
يحتضن جيوبارك جبل باني واحدا من أغنى المشاهد الجيولوجية في المغرب. التكوينات الكارستية، الأخاديد العميقة، الجروف الجيرية والمناطق الصحراوية الشاسعة، كلها تحمل بصمات ملايين السنين من التحولات الطبيعية. يمنح هذا التنوع فرصة نادرة لعشاق الجيولوجيا، الباحثين والطلبة، لرصد آثار الحركات التكتونية ودراسة التسلسل الرسوبي الذي يشهد على تاريخ طويل من التبدلات المناخية.
أما المغامرون، فيجدون في هذا المجال الواسع مسارات مثالية للهايكنغ، رحلات 4×4، ركوب الدراجات، وحتى مراقبة السماء الصافية ليلا، حيث يبدو الكون أقرب ما يكون إلى العين.
بعيدا عن الطبيعة، يحتفظ الجيوبارك بكنوز أثرية تجعل منه متحفا مفتوحا. تنتشر عبر مجاله نقوش صخرية تمثل مشاهد صيد، حيوانات منقرضة، ورموزا تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. كما تشهد القصبات والمخازن الجماعية (إيگودار) على نمط عيش جماعي يقوم على التضامن، الحماية وتدبير الموارد.
في تيسينت، تكشف الواحة عن قصة عبور القوافل القديمة، بينما تبرز القرى المحصنة في فم الحصن غنى العمارة التراثية التي قاومت الزمن. كل حجر، وكل ممر ضيق، يحمل أثرا من الذاكرة الجماعية لأمازيغ الصحراء.
لا يراهن جيوبارك جبل باني على السياحة كقطاع اقتصادي فقط، بل كمشروع اجتماعي وبيئي. فالهدف هو تحويل هذا الفضاء الواسع إلى مختبر مفتوح للسياحة المسؤولة:
• تشجيع المبادرات المحلية الصغرى
• دعم التعاونيات النسائية التي تنتج مستحضرات تقليدية وزيوت الواحات
• خلق فرص شغل للشباب في الإرشاد الجبلي، الفندقة الإيكولوجية، والحرف اليدوية
• حماية المواقع الطبيعية من الاستغلال العشوائي
• تثمين التراث الثقافي واللغوي للمنطقة
وتعمل الجمعيات المحلية والمؤسسات الشريكة على إدماج الساكنة في كل خطوة من خطوات تطوير الجيوبارك، تفادياً لإقصاء المجتمعات الأصلية كما حدث في وجهات سياحية أخرى.
من خلال هذه الفلسفة، يسعى جيوبارك جبل باني إلى بناء صيغة جديدة للسياحة في الجنوب المغربي، سياحة لا تنفصل عن روح المكان، ولا تستهلكه. هنا، يصبح الزائر مشاركا في الحفاظ على الطبيعة، شاهدا على التراث، ومساندا لاقتصاد محلي في طور التحول.
قد تكون الطريق إلى هذه المناطق بعيدة عن المسارات المثقوبة بالعروض السياحية الجاهزة، لكنها تقود إلى جنوب أصيل، جنوب يعيد تعريف معنى السفر: أن تلمس الأرض، تسمع صمت الصحراء، وتشعر بأنك في حضرة تاريخ لا يزال ينبض بالحياة.
