مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
مدير النشر
سعيد بندردكة
للتواصل هاتفيا
+212661491292
الثابت و الفاكس
+212537375252
الإيميل
[email protected]
ليس كل صعود سياسي لامرأة حدثاً نسوياً بالضرورة، كما أن حضور النساء في مراكز القرار لا يعني، في حد ذاته، انتقال المجتمع إلى الحداثة. فالحداثة السياسية لا تُقاس بعدد النساء في مواقع المسؤولية، ولا بعدد الشباب في المؤسسات، وإنما بمدى قدرة الدولة على إنتاج المواطنة، وسيادة القانون، والمساءلة، والعقلانية السياسية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وربط السلطة بالمسؤولية.
من هذه الزاوية، لا ينبغي اختزال صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى موقع قيادي داخل حزب سياسي كبير أو إلى حضورها في تدبير الشأن الحكومي في مجرد حدث مرتبط بالتمثيلية النسائية؛ فالمسألة تتجاوز الشخص إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة التحول السياسي في المغرب، وحدود الانتقال من تحديث الواجهة السياسية إلى تحديث بنية الدولة وآليات إنتاج النخب والقرار.
إن وصول امرأة إلى مركز متقدم في الحقل السياسي يحمل دلالة رمزية مهمة في مجتمع ظل تاريخياً متأثراً بالهيمنة الذكورية، غير أن الرمزية وحدها لا تكفي لإثبات حدوث تحول ديمقراطي أو حداثي عميق.
فالديمقراطية لا تُقاس بتغيير الوجوه، والحداثة لا تُختزل في عدد النساء والشباب في مواقع القرار، وإنما في ترسيخ دولة الحق والقانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وجعل المؤسسات خاضعة للمراقبة والمساءلة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تحول في قواعد إنتاج السلطة، أم أمام إعادة إنتاج المنظومة نفسها بواسطة نخب ووجوه جديدة؟
ويكتسب هذا السؤال عمقاً أكبر إذا استحضرنا مشروعَي عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري. فالعروي ربط الحداثة بالدولة والعقل والتاريخ والحرية، بينما جعل الجابري نقد العقل السياسي مدخلاً لفهم البنى التي أعادت إنتاج أنماط معينة من السلطة والمشروعية. ومن ثم، فالحداثة ليست مجرد تحديث للمؤسسات أو تغيير للوجوه، بل تحول في العقل السياسي وفي علاقة الدولة بالمجتمع والمواطن.
وفي هذا السياق، يصبح الحضور النسائي في السلطة اختباراً لا مجرد إنجاز رمزي. فالسؤال ليس فقط: كم امرأة وصلت إلى مواقع القرار؟ بل: ماذا ستفعل بهذه المواقع؟ وهل ستتحول المشاركة النسائية إلى قوة لإعادة ترتيب أولويات الدولة ومواجهة الأمية والهشاشة والفوارق الاجتماعية والمجالية، أم ستبقى جزءاً من عملية تجديد النخب دون تغيير عميق في قواعد اللعبة؟
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للحداثة السياسية المغربية لا يكمن في أن نرى امرأة في مقدمة المشهد فحسب، وإنما في أن تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون فوق الولاءات، والكفاءة معياراً للمسؤولية، والمساءلة شرطاً لممارسة السلطة، والإنجاز أساساً للشرعية السياسية.
وفي السياق ذاته، هل يمثل صعود المرأة والشباب إلى مواقع القيادة السياسية في المغرب تحولاً حقيقياً في بنية السلطة، أم أن الأمر قد يتحول إلى حداثة رمزية لا تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع والحزب والمواطن؟ وما الدلالة السياسية لتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، وكيف يمكن قراءة ذلك في ضوء الواقعية السياسية، ومشروع الحداثة المغربي، وأفكار العروي والجابري، ثم إلى أي حد يستطيع الفكر النسوي أن يتحول من مطلب للتمثيلية إلى قوة لإعادة بناء الدولة على قاعدة الديمقراطية والمساواة والمساءلة؟
المحور الأول: من حداثة الواجهة إلى حداثة الدولة — هل تكفي المرأة لتغيير السياسة؟
من أكثر القضايا إثارة للنقاش في المشهد السياسي المغربي اليوم رفض اختزال الحداثة في رمزية وصول امرأة إلى مركز سياسي. فهنا ينبغي التمييز بين مستويين متمايزين: التمثيلية الجندرية، أي حضور النساء في المؤسسات ومواقع القرار، والتحول البنيوي، أي تغير قواعد إنتاج السلطة والثروة والقرار والمساءلة.
الأول مهم، لكنه لا يؤدي آلياً إلى الثاني. فقد يرتفع حضور النساء داخل مؤسسات الدولة، بينما تظل آليات إنتاج النخب والقرار السياسي على حالها. وقد يتحول الحضور النسائي إلى جزء من تحديث الصورة السياسية للدولة، دون أن يترتب عنه بالضرورة تحول عميق في طبيعة ممارسة السلطة.
ومن هنا تبرز قاعدة أساسية: لا حداثة سياسية حقيقية بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية مكتملة بدون دولة الحق والقانون. فالحداثة ليست مجرد امرأة في الواجهة، ولا شاباً في موقع القيادة، ولا خطاباً عن الرقمنة والتحديث الإداري؛ وإنما هي، قبل كل شيء، انتقال من السلطة الشخصية والعمودية إلى سلطة مؤسساتية محكومة بالقانون والمساءلة.
وهنا يلتقي هذا النقد مع جوهر مشروع عبد الله العروي؛ فالحداثة عنده ليست زينة ثقافية أو مجرد استيراد للتقنيات، وإنما تحول تاريخي وفكري يرتبط بالدولة والعقل والحرية والتاريخ.
ومن هذه الزاوية يفرض الواقع سؤالاً أكثر حدة: هل نريد امرأة حديثة داخل بنية سياسية تقليدية، أم نريد تحديث البنية السياسية نفسها؟
فالمرأة يمكن أن تكون جزءاً من منظومة محافظة، كما يمكن أن تكون فاعلاً في منظومة ديمقراطية؛ والجنس، في حد ذاته، لا ينتج الديمقراطية. كما أن أهمية تمثيل النساء لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للاكتفاء بالمساواة العددية، بينما تظل المساواة الفعلية والعدالة الاجتماعية والسياسية مؤجلة.
ومن هنا يكتسب الفكر النسوي السياسي معناه الحقيقي: ليس السؤال فقط هل وصلت المرأة إلى السلطة؟، وإنما السؤال الأكثر أهمية: ماذا ستفعل بالسلطة بعد أن تصل؟ وهل ستعيد إنتاج قواعدها القائمة، أم ستساهم في تغييرها؟
المحور الثاني: فاطمة الزهراء المنصوري بين الشخص والحزب والدولة — أين تنتهي الرمزية وتبدأ المسؤولية؟
إن اختزال النقاش في شخص فاطمة الزهراء المنصوري أو في كونها امرأة وصلت إلى موقع قيادي، يُفقد المسألة جوهرها السياسي. فالمعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون هو هوية الفاعل السياسي بقدر ما ينبغي أن يكون طبيعة المشروع الذي يحمله، وحصيلة الممارسة التي يقدمها، ومدى خضوعه للمساءلة.
ومن الناحية الدستورية، فإن تعيين أعضاء الحكومة يتم وفق مقتضيات الفصل 47 من دستور 2011، بما يجعل التعيين جزءاً من مسار مؤسساتي محدد. غير أن الشرعية الدستورية للتعيين لا تعني، في حد ذاتها، شرعية الأداء السياسي. فالدستور يحدد آليات الوصول إلى المسؤولية، لكنه لا يعفي المسؤول من تقديم الحصيلة والخضوع للمراقبة والمساءلة.
ومن هنا ينتقل السؤال من: كيف وصل المسؤول إلى السلطة؟ إلى السؤال الأهم: ماذا فعل بهذه السلطة؟
إن تقييم أي مسؤول سياسي ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة: البرنامج، والنتائج، والكفاءة، والشفافية، والقدرة على تنفيذ السياسات العمومية، ومدى احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي حالة تدبير قطاعات ترتبط مباشرة بالسكن والتعمير وإعداد التراب والعدالة المجالية، تصبح الحصيلة أكثر أهمية، لأن أثر القرار السياسي لا يبقى مجرد خطاب، بل ينعكس على المجال وعلى شروط عيش المواطنين.
وهنا تتجاوز المسألة الشخص لتطال الحزب الذي ينتمي إليه والمسؤولية السياسية الجماعية التي يتحملها. فالأحزاب التي تشارك في الحكم لا يمكن أن تطالب فقط بشرعية المشاركة، ثم تتجنب سؤال الحصيلة عندما يحين وقت المحاسبة. كما أن الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة سياسية، بل إلى إطار للمسؤولية أمام الناخبين والمؤسسات والرأي العام.
وفي المقابل، تفرض دولة الحق والقانون قاعدة لا تقل أهمية: المساءلة لا تعني الإدانة المسبقة. فالاتهامات المتعلقة بالفساد أو الجرائم لا تتحول إلى حقائق لمجرد تداولها في الخطاب السياسي؛ بل ينبغي التمييز بدقة بين المسؤولية السياسية، والمسؤولية الإدارية، والمسؤولية الجنائية، وبين الحزب كتنظيم والأفراد المنتمين إليه.
وهنا تكمن قوة النقد السياسي الحقيقي: فهو لا يقوم على التشهير ولا على توزيع الاتهامات، وإنما على الأدلة والحصيلة والشفافية وآليات المحاسبة.
وعليه، فإن السؤال الديمقراطي الأكثر جوهرية ليس: من هو المسؤول؟ وإنما: ما الذي أنجزه؟ من يراقبه؟ من يحاسبه؟ وعلى أي أساس تُقاس مسؤوليته؟
فإذا كانت شرعية التعيين تنتمي إلى المجال الدستوري، فإن شرعية الأداء تنتمي إلى المجال الديمقراطي؛ وبين الاثنين تتحدد قيمة المسؤولية السياسية ومصداقية دولة الحق والقانون.
المحور الثالث: بين العروي والجابري — أزمة الحداثة المغربية ليست أزمة أشخاص وإنما أزمة عقل سياسي
إذا كان سؤال الحداثة هو أحد المداخل الأساسية لفهم التحولات التي يعرفها المغرب، فإن استحضار مشروعَي عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري يسمح بنقل النقاش من مستوى الأشخاص والتمثيلية السياسية إلى مستوى أعمق يتعلق بالبنية التي تنتج السلطة والنخب والممارسة السياسية.
فالعروي ينطلق من أن الحداثة ليست مجرد امتلاك مظاهر التقدم أو استيراد مؤسسات وتقنيات حديثة، وإنما هي تحول تاريخي في أنماط التفكير وفي مفاهيم الدولة والعقل والحرية والفعل السياسي. ولذلك فإن تحديث الإدارة أو البنية التحتية أو الواجهة المؤسساتية لا يكفي، إذا لم يصاحبه تحول في الثقافة السياسية وفي علاقة الفرد بالدولة والمؤسسة.
أما الجابري، فإن مدخله يمر عبر نقد العقل السياسي العربي، أي مساءلة أنماط التفكير والمشروعية والسلطة التي ساهمت تاريخياً في تشكيل الممارسة السياسية. ومن هذه الزاوية، لا يصبح السؤال الأساسي هو من يتولى السلطة، وإنما كيف تُنتج السلطة؟ وما نوع العقل السياسي الذي ينتج النخب ويحدد سلوكها وعلاقتها بالمجتمع؟
وهنا تتقاطع أهمية العروي والجابري في قراءة الحالة المغربية: فالمشكلة لا تكمن في تغيير الأشخاص وحده، ولا في استبدال النخب القديمة بنخب شابة أو نسائية، وإنما في مدى تغير القواعد الثقافية والمؤسساتية التي تنتج السلطة نفسها. فإذا ظلت السياسة محكومة بالشخصنة والولاءات والزبونيةومنطق البحث عن المواقع، فإن تغيير الوجوه قد يؤدي إلى تجديد النخبة دون أن يؤدي بالضرورة إلى تغيير بنية الممارسة السياسية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين التحديث والحداثة. فالتحديث قد يظهر في البنية التحتية، والرقمنة، والإدارة، والمشاريع الاقتصادية، وتطوير المؤسسات؛ أما الحداثة السياسية فتبدأ عندما تتغير علاقة المواطن بالدولة، وعلاقة السلطة بالقانون، وعلاقة المسؤول بالمؤسسة، ويصبح المواطن فاعلاً في إنتاج القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
وهذا هو جوهر السؤال المغربي: هل استطاع التحديث المادي والمؤسساتي أن ينتج تحولاً موازياً في العقل السياسي؟
فليس مستبعداً أن تحقق الدولة إنجازات كبرى في البنية التحتية والتكنولوجيا، بينما تظل بعض آليات إنتاج النخب والممارسة السياسية أسيرة أنماط تقليدية. وبذلك قد تتقدم الدولة في مستوى التحديث، بينما يبقى الانتقال إلى الحداثة السياسية غير مكتمل.
ومن هذه الزاوية، فإن حضور النساء والشباب في مواقع القرار لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلاً نهائياً على الحداثة، وإنما باعتباره اختباراً لها. فالمعيار ليس تغيير هوية النخبة فقط، بل تغيير طريقة ممارسة السلطة نفسها.
وهنا تكمن أهمية العروي والجابري معاً: اختلافهما في مقاربة التراث والحداثة لا يلغي اشتراكهما في مساءلة البنى الفكرية والسياسية التي تعيق الانتقال إلى مجتمع حديث. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تغيير الواجهة السياسية فحسب، وإنما في تغيير شروط إنتاج العقل السياسي والنخب والممارسة والمؤسسات.
وعليه، فإن سؤال الحداثة في المغرب لا ينبغي أن يكون: من يحكم؟ فقط، وإنما أيضاً: بأي عقل سياسي يُحكم؟ وبأي قواعد تُنتج السلطة؟ ولأي غاية تُمارس؟ ومن يراقبها ويحاسبها؟
فحين تتغير الوجوه دون أن تتغير قواعد إنتاج السلطة، نكون أمام تحديث للنخبة؛ أما حين تتغير قواعد إنتاج السلطة نفسها، فنكون أمام بداية حداثة سياسية حقيقية.
المحور الرابع: الواقعية السياسية والنسوية — هل تستطيع المرأة تغيير قواعد اللعبة أم ستعيد اللعبة إنتاج نفسها؟
يطرح حضور المرأة في مواقع القرار السياسي سؤالاً يتجاوز مسألة التمثيلية الجندرية إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة السلطة وحدود القدرة على تغييرها. فوجود امرأة في موقع قيادي يمثل، دون شك، اختراقاً لهيمنة تاريخية للذكورية على المجال السياسي، لكنه لا يعني بالضرورة أن قواعد ممارسة السلطة قد تغيرت. فالمرأة، بمجرد دخولها إلى مؤسسة سياسية، تصبح جزءاً من شبكة من المصالح والتوازنات والقواعد والقيود التي تحكم المؤسسة ذاتها.
ومن هنا ينبغي التعامل مع النسوية السياسية بعيداً عن المقاربة الرمزية. فالمعيار الحقيقي ليس عدد النساء اللواتي وصلن إلى مواقع القرار، وإنما مدى قدرة وجودهن داخل السلطة على إنتاج سياسات أكثر مساواة وعدالة: في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وفي تقليص الفوارق المجالية، وتوسيع تكافؤ الفرص، ومحاربة العنف والتمييز، وتعزيز المشاركة السياسية.
فالنسوية التي تكتفي بإعادة توزيع المقاعد بين الرجال والنساء قد تحقق تقدماً في التمثيلية، لكنها لا تمس بالضرورة البنية التي تنتج الفقر والهشاشة والإقصاء. أما النسوية بوصفها مشروعاً سياسياً، فإنها تصبح أكثر عمقاً عندما تربط قضية المرأة بقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمجالية وبإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة.
غير أن الواقعية السياسية تفرض، في المقابل، عدم تحميل المرأة في السلطة قدرةً سحرية على تغيير بنية سياسية كاملة. فالدولة لا تتحرك وفق المبادئ وحدها، وإنما داخل شبكة من موازين القوة والمصالح والمؤسسات والتحالفات والموارد وضرورات الاستقرار. ولذلك فإن دخول المرأة إلى السلطة قد يؤدي إلى تغيير تدريجي في النخبة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى استيعابها داخل قواعد اللعبة القائمة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: قد تدخل المرأة إلى السلطة، لكن السلطة قد تعيد إنتاج نفسها من خلالها.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة دلالة التعيين في سياقه السياسي دون افتراض وجود رسالة معلنة أو نية محددة من مؤسسة بعينها. فمن الممكن أن يعكس هذا النوع من الاختيارات اتجاهاً نحو تجديد النخب وتطبيع حضور المرأة في مراكز القرار وإنتاج صورة أكثر حداثة وانفتاحاً للدولة. لكن القيمة السياسية لهذا التجديد لا تُحسم بالرمزية، وإنما بما ينتج عنه من تغيير في السياسات والمؤسسات وآليات المسؤولية والمحاسبة.
وهنا تلتقي النسوية مع الواقعية السياسية في سؤال حاسم: هل تستطيع النخب النسائية الجديدة أن تتحول من مجرد جزء من عملية تجديد النخبة إلى قوة قادرة على تغيير قواعد إنتاج السلطة نفسها؟
فإذا اقتصر التجديد على تغيير الوجوه والأعمار والجندر، فإننا نكون أمام إعادة تركيب للنخبة؛ أما إذا امتد إلى تغيير طريقة صناعة القرار، وتعزيز المساءلة، وتقليص الفوارق، وتوسيع المشاركة، وربط السلطة بالنتائج، فإننا نكون أمام تحول سياسي يتجاوز الرمزية.
وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي للنسوية السياسية في المغرب ليس أن تصل المرأة إلى السلطة فحسب، وإنما أن تعرف ماذا تفعل بالسلطة عندما تصل إليها. فالرهان ليس على امرأة في مواجهة رجل، ولا على جيل جديد في مواجهة جيل قديم، وإنما على إمكانية الانتقال من تجديد النخبة إلى تجديد السياسة، ومن تحديث صورة السلطة إلى تغيير قواعد ممارستها.
وختاما، لا تكمن قيمة التحولات السياسية في تغيير الأشخاص والوجوه بقدر ما تكمن في تغيير قواعد إنتاج السلطة وممارستها ومساءلتها. فوصول المرأة إلى مواقع القرار يظل مكسباً مهماً على مستوى التمثيلية، لكنه لا يصبح تحولاً حداثياً حقيقياً إلا عندما يقترن بالديمقراطية، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وفعالية المؤسسات.
ومن هذا المنظور، فإن الرهان المغربي يتجاوز سؤال المرأة والرجل، ويتجاوز أيضاً مسألة تجديد النخب إلى سؤال أعمق: هل نحن بصدد تحديث للدولة أم بصدد بناء حداثة سياسية؟ فالتحديث يمكن أن ينتج بنية تحتية ومؤسسات أكثر كفاءة، لكن الحداثة السياسية لا تكتمل إلا حين تتغير علاقة المواطن بالدولة، وعلاقة السلطة بالقانون، وعلاقة المسؤول بالمحاسبة.
وهنا تلتقي أسئلة المرأة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ إذ لا يمكن للفكر النسوي أن يحقق كامل رهانه إذا بقي محصوراً في تمثيلية النخبة، كما لا يمكن للديمقراطية أن تكتمل إذا ظلت المساواة السياسية منفصلة عن المساواة الاجتماعية والمجالية. فالمرأة في السلطة لا ينبغي أن تكون مجرد رمز لحداثة الدولة، وإنما فاعلاً في إعادة تعريف السلطة نفسها.
إن استكمال مسار الحداثة المغربية يقتضي، لذلك، الانتقال من شرعية الحضور إلى شرعية الإنجاز، ومن شرعية التعيين إلى شرعية الأداء، ومن سياسة الأشخاص إلى قوة المؤسسات، ومن تحديث الواجهة إلى تغيير البنية. كما يقتضي استحضار الدرس الذي تطرحه تجربة العدالة الانتقالية: أن بناء دولة الحق والقانون لا يتم بالنسيان أو بالرمزية، وإنما بالإصلاح، وضمان عدم التكرار، وترسيخ حقوق الإنسان وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعليه، فإن السؤال الحاسم ليس: من يجلس على الكرسي؟ بل: ما الذي يمثله هذا الكرسي؟ ومن يراقب صاحبه؟ ولمن يخضع؟ وماذا ينتج للمجتمع؟
فإذا ظل تغيير الوجوه منفصلاً عن تغيير قواعد السلطة، سنكون أمام تحديث للنخبة؛ أما إذا أصبح تغيير النخبة مدخلاً لتغيير المؤسسات، وتوسيع المواطنة، وترسيخ المساءلة، وتحقيق العدالة، فحينها فقط يمكن الحديث عن حداثة سياسية تتجاوز الصورة إلى الجوهر، وتنتقل بالدولة من إدارة المواطنين إلى إنتاج مواطن حر وكريم وفاعل.
السابق
